منوعات

حصون العاشق مني السيد

الهوا برة القصر كان قاطع، والمطر نازل يضرب في الأسفلت والرخام بقوة، لكن التوتر اللي كان في ملامح يوسف الرفاعي في اللحظة دي كان أشد من برودة الجو.

نظرة واحدة ألقاها على ريتان وابنها عمر قبل ما يقفل باب المكتب وراه بهدوء تام، قفل الباب بالمفتاح علشان يطمن إنهم في أمان كامل ومحدش يقدر يوصلهم مهما حصل.

الحاجة نوال كانت واقفة في الصالة الواسعة أيديها بتترعش على صدرها، وشها لونه أصفر من القلق، وبتهمس بصوت متوتر:

“يا ابني بلاش تخرج ليهم كده، دول مش جايين يتكلموا في بيزنس ولا شراكة، دول رجال طارق النمر… ومعاهم حاجات خطرة ومحدش فيهم بيفكر بهدوء!”

يوسف مشي بخطوات بطيئة، ملامحه كانت جامدة ومتحجرة كأنها منحوتة في صخر، زرر جاكيت بدلته الأسود بإيد واحدة وقال بنبرة هادية جدًا:

“البيت ده عتبته متداسش برجل غريب طول ما أنا عايش يا نوال. اطلعي فوق واقعدي في أوضتك، وسيبيلي أنا الحساب.”

على البوابة الخارجية الكبيرة للفيلا، كانت الحراسة الخاصة بيوسف محاوطة المكان، لكن عربيتين دفع رباعي سودا كانوا كاسرين حاجز البوابة الحديدية وواقفين في نص المدخل.

ومنهم نزل طارق النمر ومعاه خمس رجال، وكل واحد فيهم بيحاول يفرض وجوده بالقوة.

طارق كان بيتنفس بغضب سنين، بيحاول من شهور يكسر شوكة يوسف في السوق ويسيطر على مجموعة الأراضي الجديدة في الساحل والقاهرة الجديدة، ولما فشل بالقانون والبيزنس، قرر يلجأ لطريقته الخاصة.

طارق أول ما شاف يوسف نازل درجات السلم الرخام الخارجية لوحده وراسه مرفوعة في المطر، ابتسم ابتسامة مستفزة ورفع صوته فوق هدير الرعد:

“أخيرًا اتكرمت وخرجت تقابلنا يا باشا؟ فاكر نفسك محمي ورا الحيطان دي كلها ومش هنعرف نوصلك؟ ورق الصفقة الجديدة يتسلم دلوقتي بالذوق، والفيلا دي بأراضيها تتنازل عنها قبل الصبح، وإلا مش هتعرف تعيش بهدوء وسط أهلك وناسك!”

يوسف وقف على آخر درجة سلم، المطر بينزل على شعره الأسود وملامحه الصارمة، حط إيديه في جيوبه وبص لطارق ببرود شديد:

“إنت فاكر نفسك جيت هنا بمزاجك يا طارق؟ إنت دخلت مصيدتك برجلك. فاكرني مكنتش عارف إنك باعت مراقبة على مداخل الفيلا بقالك تلات أسابيع ومستني لحظة تعبي وسخونيتي عشان تيجي تعمل اللي عملته؟”

طارق وشه اتقلب، وعينيه بدأت تلمح يمين وشمال بارتباك، لكنه حاول يداري توتره وقال لرجالته:

“خدوهولي واقف قدامي، وعلموه مين هو طارق النمر!”

وقبل ما أول رجل يقرب شبر واحد من درجات السلم، صفر يوسف تصفيرة قصيرة وحادة قطعت صوت المطر.

وفي ثانية واحدة، النور الكاشف في كل أركان سور الفيلا اشتغل فجأة بقوة عمت عيون كل اللي واقفين، وظهر من ورا الأشجار والمداخل رجال أمن يوسف المتدربين، محاوطين العربيات ورجال طارق بالكامل في ترتيب محكم مفيهوش مخرج.

طارق اتفزع وبص حواليه، وعرف إنه وقع في فخ متنظم بدقة:

“إنت… إنت كنت عامل حسابك لكل ده؟!”

يوسف نزل الخطوة الأخيرة وقرب من طارق، وبحركة سريعة تمكن من إيقافه ومنعه من التصرف بتهور، ثم أبعده عن المكان.

يوسف بص له من فوق لتحت وقال بصوت تقيل:

“أنا يوسف الرفاعي يا طارق. أنا عمري ما دخلت مواجهة وخسرتها، لكن أنا مش هضيع وقتي معاك… الجهات المختصة على البوابة برة، والملفات اللي تثبت مخالفاتك بقالها ساعة في إيد المسؤولين.”

في نفس اللحظة، صوت سيارات الأمن ملا الشارع برة، ودخلت قوات الأمن وأوقفت طارق ورجاله واحد ورا التاني، وكل ده تحت عيون يوسف الثابتة اللي موقفتش مراقبة المشهد بجمود وهيبة.

لكن وسط المعمعة دي، سمع يوسف صوت صرخة خفيفة جاية من جوة القصر.

قلبه اللي فضل سنين مبيتهزش لأي خطر، حس برعشة قلق حقيقية لأول مرة في حياته… القلق مش على نفسه، القلق على ريتان وعمر!

يوسف جرى جوة القصر بخطوات سريعة ملهوفة، طلع السلالم خطوتين في خطوة، طلع المفتاح من جيبه وفتح باب المكتب وهو بينادي بصوت عالي ومخنوق:

“ريتان! ريتان إنتي كويسة؟!”

أول ما الباب اتفتح، كانت ريتان واقفة في ركن الأوضة، ضامة عمر لصدرها بكل قوتها، والطفل كان ساكت وحاطط راسه على كتفها.

ريتان أول ما شافت يوسف داخل والمطر مبلل هدومه وشعره لكن سليم ومفيهوش أي أذى، سابت كل القلق اللي جواها وجريت عليه بلهفة وبكت من قلبها.

ارتمت بتلقائية تامة، ماسكة في جاكيته الأسود كأنها ماسكة في طوق نجاة وسط طوفان، وبتقول وصوتها متقطع بالدموع:

“الحمد لله إنك كويس… كنت مرعوبة عليك، صوت الفوضى خلاني أموت من القلق… الحمد لله يا يوسف، الحمد لله!”

يوسف اتفاجئ، لكنه في نفس اللحظة لف دراعاته الاتنين حوالين عمر الصغير.

لأول مرة يحس إن صدره مش مجرد قفص عضمي ناشف، لأ، حس إن جواه قلب بينبض بقوة وبيعيش من جديد.

وهمس جنب ودنها بحنان فايض:

“اهدي يا ريتان… متخافيش، كل حاجة خلصت، والكابوس انتهى خلاص. طول ما أنا عايش في الدنيا دي محدش هيقدر يقرب منك ولا يلمس شعرة من ابنك.”

الطفل عمر رفع راسه من كتف أمه، وبص ليوسف بعينيه الواسعتين البريئتين، ومد إيده الصغيرة ولمس دقن يوسف المبللة بالمطر وابتسم ابتسامة طفولية رقيقة، ونطق بكلمة خلت الأوضة كلها تسكت والدنيا تقف عند يوسف:

“بابا…”

الكلمة دي نزلت على قلب يوسف زي الغيث بعد جفاف سنين طويلة.

دموعه اللي كان حابسها من عشرين سنة، من يوم ما فقد أبوه وعاش وحيد، نزلت على خده لأول مرة.

شال عمر من بين إيدين ريتان، ورفعه لفوق في الهوا، وبعدين ضمه لصدره بحرارة وعينيه بتلمع بدموع الفرحة:

“يا قلب وعيون أبوك… يا عوض السنين اللي راحت كلها.”

ريتان كانت بتبص للمشهد ودموعها نازلة من التأثر، مش قادرة تصدق إن الراجل القوي اللي الناس بتتعامل معاه بحذر، بيقف قدام طفل صغير بمنتهى البراءة والحب ده.

يوسف قرب منها وهو شايل عمر على دراعه، وبص في عينيها بنظرة واضحة وصريحة مفهاش أي تردد، وقال بنبرة هادية بس طالعة من أعماق روحه:

“ريتان… أنا لما شفتك أول مرة دخلتي مكتبي كنت فاكرك مجرد بنت جاية تمشي في طريقها وخلاص. بس مع كل يوم عدى، مع كل ابتسامة وخفة دم، ومع الليلة اللي قعدتي فيها جنبي وسهرتي عليا ومسيبتيش إيدي… حسيت إني بدأت أحيا من جديد.

أنا لقيت فيكي ومع عمر العيلة اللي اتحرمت منها سنين. أنا مبقتش عايز أعيش يوم واحد في القصر ده من غيركم.

تقبلي تتجوزيني يا ريتان؟ تقبلي تكملي معايا المشوار وتكوني مراتي وسندي وأكون أنا أب لعمر وأحميه بعمري كله؟”

ريتان قلبها كان بيدق بسرعة، الخجل والفرحة اتجمعوا على وشها، بصت ليوسف وبصت لعمر اللي كان ماسك في رقبة يوسف ومبسوط، وقالت بصوت ناعم مليان حب وصدق:

“أنا عمري ما حلمت بأكتر من راجل يحبني ويصون كرامتي ويحب ابني زي ما إنت عملت يا يوسف… موافقة طبعًا، موافقة من كل قلبي.”

بعد تلات شهور من الليلة دي، كانت فيلا يوسف الرفاعي في التجمع الخامس متبدلة تمامًا ومشبهة لجزء من الجنة على الأرض.

أنوار الفرح كانت مالية الجناين والأسوار، الورد الأبيض والياسمين مفروش في كل مدخل وممر، والموسيقى الهادية والفرحة كانت طاغية على المكان كله.

كان الفرح مميز بمعنى الكلمة، بس مش بالبهرجة والمظاهر، الفرح كان مميز بالحب الحقيقي والدفا اللي مالي كل ركن.

يوسف كان واقف لابس بدلة توكسيدو كحلي غامقة في منتهى الشياكة والأناقة، والابتسامة مش مفارقة وشه أبدًا، لدرجة إن كل رجال الأعمال وأصحابه اللي حاضرين كانوا مبهورين ومش مصدقين إن ده يوسف الرفاعي اللي كانوا بيشوفوه دايمًا حاد وقاسي.

والحاجة نوال كانت واقفة في أول الصف لابسة فستان شيك وبتزغرد من قلبها والدموع في عينيها، حاسة إن يوسف ابنها اللي ربنا كرمه أخيرًا بعد طول صبر ووجع.

وفجأة، سكتت الأصوات كلها لما انفتحت بوابة القصر الرئيسية، وطلعت ريتان وماشية على السجادة البيضا.

كانت طالعة زي الملكة أو حورية نازلة من السما، لابسة فستان فرح أبيض هادي وراقي، من غير مبالغة في التطريز، فستان شيفون ناعم ومزين بلمسات رقيقة من الدانتيل واللؤلؤ، وطرحتها الطويلة بتجر وراها على الرخام.

شعرها البني متسرح بنعومة، ومكياجها خفيف مبرز جمال ملامحها الطبيعية ونقاء قلبها.

وفي إيدها، كان ماشي عمر الصغير، لابس بدلة توكسيدو صغيرة بنفس لون بدلة يوسف، وماشي بخطواته الصغيرة وفرحان بالورد والأنوار.

يوسف أول ما شافها، وقف قلبه للحظة، ومقدرش يستنى مكانها تكمل المشي، مشي بخطوات سريعة ولهفة واضحة وراح لحد عندها ووقف قدامها ومسك كفوف إيديها الاتنين بوقار وحب كبير قدام كل الناس الحاضرين.

همس لها وعينيه مليانة لمعة حب:

“قمر نازل من السما ليا لوحدي… مفيش كلام في الدنيا يقدر يوصف إنتي حلوة في عيني إزاي يا ريتان. ربنا يخليكي ليا وما يحرمني منك أبدًا.”

ريتان ابتسمت برقة وخدودها موردة بحمرة الخجل، وعينيها بتلمع بالسعادة:

“ويخليك لينا يا يوسف… إنت أجمل عوض وأعظم نعمة ربنا رزقني بيها بعد كل التعب ده.”

يوسف نزل على ركبته قدام عمر الصغير، ولبسه كاب صغير على راسه وضحك معاه:

“إيه رأيك في بابا يا كابتن عمر؟ جاهز نحمي ماما مع بعض ونعيش أحسن أيام في حياتنا؟”

الطفل رمى نفسه في حضن يوسف وضحك بصوت عالي:

“يلا يا بابا!”

شال يوسف عمر على كتفه ومسك إيد ريتان بالتانية، ومشيوا سوا وسط المعازيم اللي سقفوا من قلبهم وبدأوا يباركو ويهنوا.

والكل كان شايف إن المعجزة الحقيقية مش في الفلوس ولا البيوت الكبيرة، المعجزة الحقيقية هي الحب الصادق والقلب الأبيض اللي يقدر يغير أصعب طباع الدنيا ويملأ القلوب المكسورة بالسكينة والأمان.

وقف يوسف وريتان في وسط الجنينة تحت أضواء النجوم والقمر، بص في عينيها وقال وهو بيطمنها:

“من النهاردة، مفتاح البيت ده وقلب صاحبه في إيدك إنتي يا ريتان، ومفيش قوة على الأرض هتقدر تبعدنا عن بعض تاني أبداً.”

ريتان مسكت إيده بقوة وضغطت عليها بكل رضا وحب، وعرفت إن رحلة الوجع انتهت، وبدأت حكاية جديدة كلها فرح وعوض حقيقي يدوم العمر كله.

تمت بحمد الله

بقلم: مني السيد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى