عام

تزوجت مريضتي

للي جوايا.
كان فيه شيء تاني.
رغبة في المحاولة.
مرت أسابيع.
رجعت لشغلي في المستشفى، لكني بدأت أخصص يومًا كل أسبوع للمشاركة في أنشطة المركز.
ما تركتش الطب، وما حولتش نفسي لبطل بيقدر ينقذ الجميع.
كنت بعالج المرضى، وأتعلم من أخطائي، وأراجع الحالات الصعبة مع زملائي، وأحاول أكون صريحًا مع الناس بشأن حدود العلاج وإمكانياته.
أما المركز، فبدأت أساعد سارة في التواصل مع أطباء ومتطوعين، وتنظيم لقاءات دعم لأسر الأطفال المرضى.
ما كانش الطريق سهلًا.
فيه أيام كنا بنعاني من نقص التمويل، وأيام كنا بنختلف فيها على القرارات، وأيام كنت برجع البيت وأنا منهك ومش قادر أتكلم.
لكن كل مرة كنت أحس إني مش قادر أكمل، كنت أفتح دفتر أليسيا.
مش عشان أطلب منها إجابة.
لكن عشان أفتكر إن الحياة ما بتتحولش لحاجة جميلة مرة واحدة.
أحيانًا بتتحسن بخطوة صغيرة.
وبعد حوالي ستة شهور، حصل موقف ما كنتش أتخيله.
كنت في المركز لما دخلت سيدة شابة ماسكة إيد طفل صغير.
الطفل كان عنده حوالي سبع سنين، وشكله متوتر، وعينيه بتتحرك في المكان بسرعة.
السيدة قربت مني وقالت
حضرتك الدكتور لوكاس؟
هزيت راسي.
قالت
أنا دينا، أخت أليسيا.
اتجمدت للحظة.
كنت عارف إيميلي كويس، لكن ما كنتش أعرف إن لأليسيا أختًا تانية.
دينا ابتسمت بحزن وقالت
أليسيا كانت بتحكيلي عنك كتير. أنا كنت مسافرة وقت ما حالتها اتدهورت، وما لحقتش أشوفك بعد الچنازة. بس النهارده جيت عشان أقولك حاجة.
مدت إيدها وناولَتني ظرفًا صغيرًا.
ده كان عندي من قبل ۏفاتها. قالتلي ما أديهولكش إلا لما أشوف إنك بدأت ترجع لحياتك.
فتحت الظرف.
كان جواه خطاب قصير.
لوكاس،
لو وصلت لك
الرسالة دي، يبقى إنت بدأت تفهم إن الحب مش معناه إننا نقدر نمنع كل خسارة.
أنا فخورة بيك.
مش عشان حققت حلمي، لكن عشان ما خليتش حزنك يقفل قلبك.
وفيه حاجة أخيرة عايزاك تعرفها.
أنا ما كنتش محتاجة منك وعد إنك تفضل تحبني للأبد.
كنت محتاجة أعرف إنك هتقدر تحب الحياة بعدي.
لو قدرت تعمل ده، يبقى دي أجمل هدية ممكن أطلبها منك.
حطيت الرسالة في جيبي، وبصيت للطفل اللي كان واقف جنب دينا.
سألتها
هو ابنك؟
ابتسمت وقالت
أيوه. اسمه يوسف. بيمر بظروف صعبة، وكنت بدور على مكان يساعده يتعامل مع خوفه.
ركعت قدام يوسف عشان أبقى في مستوى عينيه.
قلت له
أهلًا يا يوسف. بتحب الرسم؟
هز راسه بتردد.
ابتسمت.
عظيم. عندنا هنا ناس كتير بتحب الرسم. إيه رأيك نبدأ بحاجة بسيطة؟
مديت له ورقة وقلم.
بص للورقة، وبعدين رسم شمسًا صغيرة.
وبعدها رسم جنبها بابًا.
نفس الباب اللي رسمه آدم في أول يوم ليا في المركز.
ضحكت بخفة وسألته
الباب ده بيفتح على إيه؟
فكر شوية، وبعدين قال
على مكان محدش فيه بېخاف.
سكت.
حسيت إن أليسيا، بطريقة ما، كانت حاضرة في اللحظة دي.
مش كروح بتتكلم، ولا كمعجزة خارقة.
لكن كأثر حقيقي تركته في العالم، في طفل بدأ يثق في الناس، وفي أختها اللي لقت مكانًا يساعد ابنها، وفي طبيب كان فاكر إن فقدان مريض معناه إنه فشل.
بعد سنة كاملة من ۏفاة أليسيا، نظمنا احتفالًا صغيرًا في المركز.
ما سميناهوش باسمها في البداية، لأنها كانت دايمًا بتقول إنها ما بتحبش المبالغة.
لكن الأطفال نفسهم أصروا إننا نحط صورتها على الحائط، جنب رسوماتهم.
وتحت صورتها، كتب آدم جملة بخط إيده
فيه ناس بتمشي، بس بتسيب النور شغال عشان نعرف نكمل
الطريق.
وقفت قدام الصورة وقت طويل.
كنت لابس ربطة العنق نفسها اللي لبستها يوم زفافي من أليسيا.
احتفظت بيها في درج مكتبي، وما كنتش قادر ألبسها من يوم ۏفاتها.
لكن في اليوم ده، لبستها من غير ما أحس إنها مجرد ذكرى مؤلمة.
كانت تذكرة بيوم قصير، لكنه غيّر حياتي.
في آخر الاحتفال، خرجت للحديقة الصغيرة خلف المركز.
كانت الشمس
بتغيب ببطء، والأطفال بيجروا ويلعبوا، وصوت ضحكهم مالي المكان.
طلعت صورة زفافي من محفظتي.
أنا وأليسيا، وسط المستشفى، بخاتمين مصنوعين من شرائط الضمادات النظيفة.
كانت ابتسامتها في الصورة أكبر من كل مخاۏفي.
همست
أنا لسه بحبك يا أليسيا. بس أخيرًا فهمت إن الحب مش معناه إني أفضل واقف عند آخر يوم جمعنا.
حطيت الصورة في جيبي، ورجعت ناحية الأطفال.
كان آدم بيناديني عشان أساعده يعلق رسمة جديدة على الحائط.
رسم فيها بيتًا، وشمسًا، وبابًا مفتوحًا.
وعلى الباب، كتب بخط متعرج
أهلًا بيك.
ابتسمت، وساعدته يثبت الرسمة.
وفي اللحظة دي، فهمت أخيرًا ليه أليسيا سابتلي الصندوق.
ما كانتش عايزة تسيبلي سرًا عن المۏت.
كانت عايزة تسيبلي سببًا أرجع بيه للحياة.
أليسيا عاشت أيامًا قليلة، لكن أثرها امتد لسنين. وأنا، اللي كنت فاكر إن آخر هدية منها هتكون مجرد رسالة وداع، اكتشفت إن أجمل هدية ممكن يسيبها لنا شخص بنحبه، هي إنه يعلّمنا إزاي نكمل من غيره من غير ما نتوقف عن حبه.
ومن يومها، كل ما طفل يدخل المركز وهو خاېف، أو مريض يحس إن مفيش أمل، بفتكر جملتها القديمة
دكتور لوكاس، هل تعلم أن الابتسام مجاني؟
وببتسم.
مش لأن الحزن اختفى.
لكن لأن الحب اللي عشته معاها علّمني إن الحزن والحياة ممكن يمشوا
جنب بعض، وإن خسارة شخص عزيز مش معناها إن كل حاجة انتهت.
أحيانًا، بتكون بداية طريق جديد.
تمت

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى