منوعات

بعد اربع ايام حكايات صافي هاني

قال في البداية ما كنتش أعرف الحقيقة

قلت له وبعد ما عرفت

سكت فترة طويلة

وبعدين قال حاولت أخرج من الموضوع

قلت له وده كان سبب إنك زقيت بنتك

صوته ارتعش

لأ

قلت له طب إيه السبب

ما ردش

فضلت مستنية لكنه ما قالش حاجة

وبعدين قال أنا عايز أصلح كل حاجة

قلت له أول حاجة تصلحها إنك تبعد عن بنتك لحد ما الجهات المختصة تقرر إيه اللي يحصل وإنك تبطل تحاول توصل لنا من خلال التهديد

قال أنا مش هأذيها تاني

قلت له إنت مش اللي هتقرر ده لوحدك

وقبل ما أقفل سمعت صوته بيقول

سلمى استني

فيه حاجة لازم تعرفيها

أنا ما كنتش عايزك تسافري في اليوم ده

اتجمدت

قلت له يعني إيه

قال كنت عارف إن كريم بيدور عليكي عشان الورقة اللي عليها توقيعك المزور وكنت عايزك تفضلي في البيت لحد ما أتصرف

قلت له فقررت تزق بنتك عشان إيه

رد بسرعة أنا ما زقيتهاش عشان تسافري

لكن صوته كان مهزوز

قلت له أنا شفتك بعيني

قال أنا عارف إني غلطت لكن اللي حصل كان بسبب الضغط اللي كنت فيه

قلت له الضغط ما يديكش الحق تأذي طفلة

وبعدين قفلت الخط

إيدي كانت بتترعش وأنا ببص للتليفون

هالة قالت لي إن المكالمة لازم تتوثق وإننا ما نتواصلش معاه تاني من غير استشارة قانونية

كنت عارفة إنها صح

لكن جزء مني كان عايز يسمع تفسير واحد يخليني أفهم إزاي الراجل اللي عشت معاه ست سنين قدر يبقى غريب بالشكل ده

في الأيام اللي بعدها التحقيقات استمرت وبدأت تظهر تفاصيل جديدة

كريم حاول ينكر علاقته بالمستندات لكن الرسائل والتحويلات والملفات اللي قدمتها نادين كانت بتناقض كلامه

وظهر اسم شخص ثالث كان بيتولى التواصل بين مصر ودبي

الشخص ده كان مدير سابق في الشركة اللي طارق بيشتغل فيها

ولما اتواجه بالمستندات بدأ يقدم معلومات عن الاجتماعات اللي حصلت قبل اختفاء نادين

لكن الحاجة اللي ما حدش كان متوقعها إن الشخص ده اعترف إن فيه خطة كانت بتتجهز للضغط على أي حد يقدر يثبت إن التوقيعات مزورة

وكان اسمي ضمن الأسماء اللي كانوا عايزين يوصلوا لها

مش لأنني كنت مشاركة في أي شيء

لكن لأن توقيعي اتزور ولأن وجودي كشاهد كان ممكن يكشف إن الملف الطبي اتعدل من غير علمي

طارق كان يعرف جزء من ده لكنه ما بلغنيش

ولما اكتشف إن فيه ناس بدأت تدور عليا اتصرف بطريقة متهورة وبدل ما يحميني بصدق حاول يسيطر على كل شيء في البيت

ولما ملك اتصابت أنا أخيرا خرجت من الدائرة اللي كان عايز يحبسني فيها

لكن ده ما كانش معناه إن كل تصرفاته بقت مبررة

كان لازم يتحمل مسؤولية اللي عمله

بعد أسبوع من وصولي دبي بدأت أدور على شغل

ما كنتش عايزة أعيش على مساعدة حد ولا أفضل حاسة إني مدينة لآدم لأنه وقف جنبي

قدمت على وظيفة في مركز طبي خاص وكان معايا شهاداتي وخبرتي وكل الأوراق اللي قدرت أجهزها

الموضوع ما كانش سهل لأن إجراءات العمل والترخيص في دبي محتاجة وقت ومراجعة

لكن مسؤولة التوظيف أعجبت بخبرتي في قسم الولادة وقالت لي إنهم ممكن يفتحوا لي باب تدريب مبدئي لحين استكمال الإجراءات المطلوبة

خرجت من المقابلة وأنا حاسة إن فيه باب صغير بدأ يتفتح

لما رجعت لقيت ملك قاعدة مع أمل بتلون رسمة لشمس وبيت وشجرة

جريت عليا وورّتني الرسمة

قالت ده بيتنا الجديد

بصيت للبيت اللي رسمته وكان فيه شباك كبير وشمس فوق السقف

سألتها فين ماما

أشارت لشخص صغير واقف جنب البيت

وفين ملك

أشارت لشخص أصغر ماسك إيدها

ابتسمت وقلت لها الرسمة حلوة أوي

قالت لي ماما هو بيتنا الجديد فيه بابا

سكت للحظة

قلت لها لأ يا حبيبتي ده بيتنا إحنا دلوقتي

بصت للرسمة وفكرت شوية وبعدين قالت طيب ممكن أحط له بيت تاني بعيد عننا

حضنتها وقلت لها طبعا يا حبيبتي تقدري ترسمي أي حاجة تحبيها

رجعت تمسك الألوان وكأنها قدرت أخيرا تحط مشاعرها في شكل تقدر تفهمه

في الليلة دي اتصلت بيا نادين

كانت بتطمن عليا وعلى ملك

قالت لي إنها بدأت تستعيد هدوءها وإن ياسين رجع ينام بشكل أفضل وإنها بتحاول تعوضه عن الأيام اللي فاتت

سألتها إذا كانت بتخاف من اللي حصل

قالت طبعا بخاف لكن الخوف مش معناه إننا نفضل مستخبيين طول عمرنا

الجملة فضلت في دماغي بعد ما قفلت

كنت فاكرة إن الشجاعة معناها إني ما أخافش

لكن الحقيقة إنني كنت بخاف كل يوم ومع ذلك بصحى وأجهز أكل ملك وأحاول أضحك معاها وأدور على شغل وأمشي في الإجراءات القانونية

وده كان كفاية

بعد شهر تقريبا استقرت حياتنا شوية

ملك بدأت تروح حضانة صغيرة تابعة لمركز مجتمعي قريب من دار الضيافة وكانت كل يوم ترجع تحكي لي عن طفلة اسمها ليلى وعن المعلمة اللي بتغني معاهم

وأنا بدأت فترة تدريب في المركز الطبي بعد ما خلصت جزء من الإجراءات

كنت برجع آخر النهار مرهقة لكن لما ألاقي ملك مستنياني عند الباب وتقول لي ماما أنا عملت رسمة جديدة كنت بحس إن التعب كله يستاهل

آدم كان بيطمن علينا من وقت للتاني لكنه ما كانش بيتدخل في قراراتي ولا يحاول يفرض نفسه في حياتنا

وبالنسبة لياسين بدأت نادين ترجع تهتم بيه بنفسها بالتدريج وتتابع مع طبيب الأطفال عشان تتأكد إنه بيتغذى كويس وإن نموه ماشي بشكل طبيعي

في يوم قابلت نادين في حديقة عامة وكانت شايلة ياسين في عربية صغيرة

ملك كانت بتلعب جنبنا وأنا ونادين قاعدين على مقعد خشبي

قالت لي تعرفي يا سلمى أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إني أخسر كل حاجة بنيتها مع آدم

لكن لما اختفيت وخفت على ياسين فهمت إن البيت مش هو المكان ولا الفلوس ولا الأثاث

البيت هو المكان اللي تقدري فيه تنامي من غير خوف

بصيت لملك وهي بتجري ورا فراشة صغيرة

وقلت لها أيوه وأنا لسه بتعلم أصدق إن ده ممكن يحصل

نادين مسكت إيدي وقالت هتحصلي عليه

بعد أيام وصلتني رسالة من المحامية هالة بتقول إن الجهات المختصة بدأت تستكمل التحقيقات وإن فيه إجراءات قانونية جارية في مصر بخصوص التزوير والتهديد وإصابة ملك وإن كل خطوة هتتم من خلال المحامين المختصين

ما كانش فيه وعد سريع ولا نهاية سهلة

لكن كان فيه طريق واضح أمشي فيه بدل ما أفضل واقفة في مكاني

أما طارق فبعت رسالة أخيرة قال فيها إنه مستعد يقدم كل اللي يعرفه عن المستندات المزورة وإنه مش هيحاول يتواصل معايا مباشرة تاني

ما رديتش

ما كنتش محتاجة أكرهه عشان أبعد عنه

وما كنتش مضطرة أسامحه عشان أبدأ حياتي

كل اللي كنت محتاجاه إني أحمي ملك وأسيب القانون يتعامل مع اللي حصل

وبعد شهرين من وصولنا دبي حصلت حاجة خلتني أفهم إن القصة لسه ما خلصتش بالكامل

كنت راجعة من الشغل ولقيت ظرف صغير عند مكتب الاستقبال في دار الضيافة

ما كانش عليه اسم المرسل

أمل نادتني وقالت إن الظرف وصل عن طريق مندوب وإنها سجلت وقت استلامه

أخدته وطلعت الأوضة

ملك كانت قاعدة على الأرض بتبني بيت من المكعبات ولما شافتني رفعت راسها وقالت ماما بصي أنا عملت أوضة ليا وأوضة ليكي

ابتسمت لها وحطيت الظرف على الترابيزة

استنيت لحد ما نامت وبعدها فتحته

جواه صورة قديمة من المستشفى اللي اشتغلت فيه في الإسكندرية

نفس الصورة اللي كانت منى واقفة فيها جنب نادين

لكن المرة دي كان فيه علامة بالقلم على شخص واقف في آخر الصف

راجل ما كنتش لاحظته قبل كده

قلبت الصورة لقيت ورقة صغيرة مكتوب عليها

الشخص اللي كان بيساعد طارق مش كريم

الشخص ده كان موجود في المستشفى يوم توقيع الملف

وتحت الجملة كان فيه اسم واحد

دكتور شريف منصور

الاسم خلاني أقعد مكاني

شريف منصور كان المدير الطبي للمستشفى وقت ما أنا كنت بشتغل هناك

الراجل اللي كان بيوقع على كل الملفات المهمة واللي طلب مننا وقت المشكلة القديمة ما نتكلمش عن الموضوع

الراجل اللي استقال فجأة بعد شهور من الواقعة وسافر خارج مصر

كنت فاكرة إن الموضوع انتهى لما مشي

لكن الظرف كان بيقول إن فيه جزء أكبر من الحقيقة لسه مستخبي

اتصلت بهالة على طول وبعتلها صورة الورقة

قالت لي ما تتصرفيش لوحدك وإننا لازم نتأكد من مصدر الظرف قبل ما نستنتج أي حاجة

وافقت

لكن لما قفلت معاها وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول

المرة دي ما كانش فيها تهديد ولا كلام كتير

كان فيها صورة لملك وهي خارجة من الحضانة مع أمل

وفي أسفل الصورة جملة واحدة

إنتي خدتي قرارك يا سلمى وإحنا كمان خدنا قرارنا

حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني

جريت على ملك وضمتها لصدري

أمل دخلت الأوضة ولما شافت وشي عرفت إن فيه حاجة حصلت

وريتها الرسالة

ما قالتش لي ما تخافيش ولا حاولت تقلل من اللي حصل

اتصلت بالجهات المختصة وبلغتهم فورا وفضلت معايا لحد ما وصل الدعم اللازم واتأكدوا من سلامة ملك

الليلة دي ما نمتش

لكن الخوف المرة دي كان مختلف

ما كانش خوف واحدة مش عارفة تعمل إيه

كان خوف أم عارفة إن فيه حد بيحاول يوصل لبنتها وإنها لازم تتصرف بحكمة

تاني يوم هالة قالت لي إن الرسالة والصورة هيتضافوا للتحقيق وإننا هنراجع ترتيبات الأمان الخاصة بينا

آدم لما عرف باللي حصل اتصل بيا وقال إنه مش هيتصرف من نفسه وإنه هيتعاون مع الجهات المختصة في أي معلومات يقدر يقدمها

بعدها بساعات وصل خبر إن دكتور شريف منصور موجود في دبي وإنه طلب مقابلة محاميه بعد ما عرف إن اسمه ظهر في التحقيقات

ما كنتش مصدقة

الراجل اللي كنت فاكرة إنه اختفى من حياتي من سنين كان موجود في نفس المدينة اللي هربت لها

لكن المرة دي ما كنتش لوحدي ولا مضطرة أواجهه بنفسي

التحقيقات استمرت وبدأت تظهر مستندات إضافية تربط بين التوقيعات المزورة وبعض التحويلات المالية القديمة

وتم استدعاء الأشخاص المعنيين لسماع أقوالهم ومراجعة الأدلة

أما أنا فكنت بجهز نفسي للإدلاء بأي معلومات أقدر أفتكرها عن الفترة اللي كنت بشتغل فيها في المستشفى

في يوم المقابلة دخلت غرفة صغيرة في مكتب المحامية وقعدت قدام هالة والملفات مفتوحة على الترابيزة

كانت بتسألني عن المناوبات وعن الملفات اللي كانت بتوصل للقسم وعن أي مرة حد طلب مني أوقع على ورقة من غير ما أراجعها

وفجأة افتكرت ليلة معينة

كنت في النبطشية وواحدة من الموظفات جت لي بملف وقالت إن الدكتور شريف محتاج توقيع استلام سريع عشان الملف هيتنقل للأرشيف

وقتها كنت مرهقة وكان عندي طفل محتاج متابعة وأم بتعيط في أوضة الولادة

رفضت أوقع من غير ما أشوف محتوى الملف

الموظفة اتضايقت وقالت لي إن المدير مستعجل

لكنني أصريت

بعدها بدقائق رجعت وقالت إن الموضوع اتحل وإن الملف اتسلم من غير توقيعي

لما حكيت لهالة الواقعة قالت إن المعلومة دي ممكن تكون مهمة لأنها بتثبت إنني رفضت أوقع على الملف وقتها وإن التوقيع اللي ظهر بعد كده محتاج مراجعة فنية

حسيت براحة صغيرة

لأول مرة بقى عندي شيء أقدر أقدمه بدل ما أكتفي بالدفاع عن نفسي

وبعد أيام تم التأكد من خلال مراجعة المستندات إن التوقيع المنسوب لي مش صحيح وإن فيه تعديلات حصلت على نسخة من الملف بعد تاريخ الواقعة

ما كانش ده نهاية التحقيق لكنه كان خطوة مهمة في إثبات إن اسمي اتستخدم من غير علمي

لما عرفت النتيجة قعدت على طرف السرير وعيطت

مش عشان كنت حزينة

لكن عشان لأول مرة من شهور حسيت إن الحقيقة بدأت تظهر

ملك قربت مني ومسحت دموعي بإيدها الصغيرة

قالت ماما إنتي بتعيطي ليه

ضحكت وسط دموعي وقلت لها عشان أنا مبسوطة يا حبيبتي

قالت طب أنا كمان مبسوطة

وبعدين حضنتني وقالت أنا بحب بيتنا الجديد

في اللحظة دي عرفت إن كل خطوة صعبة مشيتها كانت تستاهل

بعد فترة بدأت أجهز أوراقي لاستئجار شقة صغيرة تناسبني أنا وملك

ما كانتش كبيرة ولا فخمة لكنها كانت فيها أوضة لبنتي وشباك يدخل منه نور الصبح ومطبخ أقدر أعمل فيه فطارها كل يوم

لما دخلنا الشقة لأول مرة ملك جريت في الصالة وهي بتضحك

قالت دي أوضتي

وبعدين دخلت الأوضة التانية وقالت ودي أوضة ماما

وقفت عند الباب وبصيت للمكان

كان فاضي تقريبا لكن لأول مرة ما حسيتش إن الفراغ معناه الوحدة

حسيت إنه مساحة جديدة نقدر نملأها براحتنا

اشترينا ملايات بسيطة ولعبتين وعلقت ملك رسوماتها على الحيطة بشريط لاصق

وفي أول ليلة نمنا فيها هناك صحيت على صوتها وهي بتناديني

جريت عليها وقلبي بيدق

لقيتها قاعدة على السرير وبتبص ناحية الباب

سألتها مالك يا روحي

قالت حلمت إن بابا جه

قعدت جنبها وضمّيتها

كان مجرد حلم يا حبيبتي إنتي في أمان دلوقتي

سألتني هو ممكن يرجع

قلت لها أي حد ممكن يحاول يتواصل لكن الكبار المسؤولين عن حمايتنا هيتعاملوا مع الموضوع وإنتي مش مطالبة تعملي أي حاجة غير إنك تقولي لماما لو حاجة خوفتك

هزت راسها ورجعت نامت وهي ماسكة إيدي

فضلت قاعدة جنبها شوية وبعدين قمت قفلت الباب واتأكدت إن كل شيء تمام

كنت لسه بخاف

لكن الخوف ما بقاش هو اللي بيقرر عني

مرت شهور وبدأت أستقر في شغلي وأتعرف على زميلات جديدات وأتعلم تفاصيل الحياة في بلد مختلفة

كنت ببعت جزء من مرتبي لمصر عشان أساعد أمي وأطمن عليها وأحاول أرتب حياتنا من غير ما أعتمد على حد

آدم ونادين فضلوا أصدقاء لينا وكان ياسين بدأ يكبر ويضحك أكتر

وفي يوم قابلنا بعض في الحديقة

آدم كان شايل ابنه ونادين ماشية جنبه وملك كانت بتجري قدامهم وهي بتضحك

آدم بصلي وقال فاكرة أول مرة شوفنا بعض في الطيارة

قلت له أيوه

قال أنا كنت فاكر إن المشكلة الوحيدة عندي إن ابني مش راضي يشرب اللبن

ابتسمت وقلت وأنا كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتي إني أبدأ من الصفر

بص لنا الاتنين وقال يمكن اللي حصل خلانا نعرف إن في حاجات أهم من اللي كنا فاكرينها

ما رديتش لكنني بصيت لملك وهي بتساعد ياسين يلم لعبة وقعت منه

كانوا طفلين صغيرين ما يعرفوش حاجة عن المستندات ولا التحويلات ولا الخوف اللي عاشه الكبار

كل اللي يعرفوه إنهم عايزين يلعبوا في الشمس ويرجعوا يلاقوا حد مستنيهم

وده كان كفاية

وفي مساء هادي كنت قاعدة في الشقة براجع أوراق شغلي وملك بتلون جنب الشباك

رن جرس الباب

قلبي اتشد تلقائيا

بصيت من العين السحرية وما شفتش حد

فتحت الباب بحذر وأنا واقفة وراه

لقيت ظرف أبيض على الأرض

ما كانش عليه اسم

اتصلت بهالة قبل ما ألمسه واتبعت التعليمات اللي قالتها لي لحد ما تم التعامل مع الظرف بالطريقة المناسبة

جواه كان فيه خطاب مكتوب بخط اليد

سلمى

أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة ويمكن ما تسامحينيش أبدا وده حقك

أنا بعتلك الخطاب ده عشان أقولك إن التحقيقات خلتني أعترف بكل اللي أعرفه عن المستندات المزورة وعن الأشخاص اللي ضغطوا عليا

أنا مش بطلب منك ترجعي ولا بطلب منك تدافعي عني

أنا بس عايزك تعرفي إن اللي حصل لملك كان خطأ مني وإن مفيش أي عذر يبرره

أنا هتحمل مسؤولية أفعالي وهسيب القانون ياخد مجراه

طارق

قريت الخطاب مرتين

ما حسيتش بالراحة اللي كنت متخيلاها لو اعترف في يوم من الأيام

ولا حسيت برغبة إني أرجع له

حسيت بس إن الجملة اللي كنت مستنياها من زمان أخيرا اتقالت

اللي حصل لملك كان خطأ مني

لكن الاعتراف ما كانش نهاية الطريق

كان مجرد بداية لتحمل المسؤولية

حطيت الخطاب في الملف الخاص بالقضية وبلغت المحامية بوصوله

وبعدين رجعت لملك اللي كانت لسه بتلون

رفعت الرسمة وقالت لي ماما بصي أنا رسمت بيتنا

في الرسمة كان فيه بيت صغير وشجرة وشمس كبيرة وورا البيت باب ملون

سألتها الباب ده لونه إيه

قالت أزرق

ليه أزرق

قالت عشان الأزرق لون السما ولون البحر وأنا بحب البحر

افتكرت الإسكندرية والبحر اللي كنت بقعد قدامه وأنا صغيرة وأحلم بحياة هادية

افتكرت إزاي سافرت من مصر وأنا مش عارفة هنام فين ولا هشتغل إيه ولا هقدر أصرف على بنتي إزاي

افتكرت الـ300 دولار اللي كنت بحسبهم كل ليلة وأحاول أعرف هيكفونا كام يوم

والمقعد الصغير في الطيارة والبيبي اللي كان بيعيط والراجل الغريب اللي ظهر في لحظة ما كنتش أعرف إنها هتغير حياتي

لو كنت فضلت في مكاني وقتها يمكن كانت حياتي كلها هتفضل مختلفة

لكنني وقفت

مش لأنني كنت شجاعة طول الوقت

لكن لأن طفلة صغيرة كانت محتاجة حد يقف جنبها

وفي اللحظة اللي وقفت فيها عشان طفل غريب ما كنتش أعرف اسمه ولا قصته بدأت حياتي تتغير من جديد

عدت ملك حضنتني وقالت ماما أنا بحبك

بصيت لها وقلت لها وأنا بحبك أكتر من الدنيا كلها

وبعدين شيلتها ووقفت قدام الشباك

المدينة كانت بتنور واحدة واحدة والسماء بدأت تتحول للون البرتقالي

ملك أشارت لفوق وقالت ماما بكرة هنروح الحديقة

قلت لها أيوه يا حبيبتي

وبعدين سألتني هنرجع بيتنا بعد الحديقة

بصيت حواليّ

على الأوضة الصغيرة وعلى رسوماتها وعلى لعبها وعلى الباب اللي كنت بقفله كل ليلة وأنا مطمنة إنها جوه

وقلت لها أيوه يا ملك هنرجع بيتنا

لأن البيت مش المكان اللي بنخاف نخرج منه

البيت هو المكان اللي بنرجع له وإحنا مطمنين

ومن يومها بدأت أفهم إن النجاة مش معناها إن كل المشاكل تختفي وإن الماضي يمسح نفسه وإن كل شخص أذانا يختفي من الدنيا

النجاة معناها إننا نقدر نعيش من غير ما الخوف يتحكم في كل خطوة

وإننا نعرف نحمي نفسنا ونطلب المساعدة ونبني حياة جديدة حتى لو بدأنا من لا شيء

أما طارق فبقى جزء من ماضينا وملف قانوني بيتعامل معاه المختصون

وأما أنا فبقيت سلمى إبراهيم

الأم اللي سافرت دبي بثلاثمائة دولار وشنطة واحدة وطفلة مرعوبة

واللي ما كانتش تعرف إن سبعة وتمانين دقيقة في طيارة هتفتح قدامها باب لحقيقة أكبر من كل اللي تخيلته

لكن أهم حاجة اكتشفتها ما كانتش سر نادين ولا مستندات كريم ولا التوقيع المزور ولا حتى اعتراف طارق

أهم حاجة اكتشفتها إنني ما كنتش محتاجة أستنى حد ينقذني

كنت محتاجة بس آخد أول خطوة

وأنا أخدتها

وفي آخر ليلة من السنة كنت قاعدة جنب ملك وهي نايمة وأرنبها المحشي محطوط تحت دراعها

بصيت على جبهتها اللي اختفت منها الكدمة تماما ومسحت على شعرها بهدوء

وهمست لها

معلش يا بنتي إني ما عرفتش أحميكي من أول مرة

بس أوعدك إني هفضل أتعلم إزاي أحميكي وإزاي أربيكي وإزاي أخليكي تعرفي إن الحب عمره ما يكون خوف وإن البيت عمره ما يكون مكان للأذى

وبعدين قمت وطفيت النور

قبل ما أقفل الباب سمعتها بتتكلم وهي نايمة

ماما

رجعت لها بسرعة

فتحت عينيها نص فتحة وابتسمت وقالت

إحنا هنا

ابتسمت وأنا بحبس دموعي وقلت لها أيوه يا حبيبتي إحنا هنا

قفلت الباب بهدوء ورجعت للصالة

كانت الشقة ساكتة والمدينة برا مليانة نور

ولأول مرة من سنين طويلة ما كنتش مستنية صوت مفتاح في الباب ولا خايفة من خطوات حد داخل البيت

كنت بس مستنية الصبح

لأن عندي شغل أروح له وبنت أصحيها وأجهز لها الفطار ورسمة جديدة نعلقها على الحيطة وحياة كاملة لسه قدامنا

حياة ما كانش فيها كل شيء مضمون

لكن كان فيها شيء واحد أنا متأكدة منه

إن ملك هتكبر وهي عارفة إن أمها اختارتها

وإن في اليوم اللي وقعت فيه على أرضية الصالون ما كانش سقوطها هو نهاية الحكاية

كان اليوم اللي بدأت فيه أمها أخيرا تكتب نهايتها بإيدها

#حكايات_صافي_هاني #حصرياً

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى