روايات وقصص

بنت صغيره

في المستشفى، كانت الأيام بتمر ببطء شديد.

الأم كانت محتاجة علاج ومتابعة مستمرة، والأطباء كانوا بيقيموا استجابتها للعلاج خطوة بخطوة.

أما البنت، فكانت بتحاول تتعافى جسديًا، لكن الخوف كان واضحًا في عينيها.

في أول يوم، كانت بتسأل عن أمها كل شوية:
— ماما هتفوق إمتى؟

الممرضة كانت ترد:
— الدكاترة بيعملوا كل اللي يقدروا عليه يا حبيبتي. إنتِ كمان لازم ترتاحي عشان تقدري تبقي كويسة.

لكن البنت ما كانتش بتكتفي بالإجابة.

كانت تبص ناحية الباب، وتستنى حد يدخل يقول لها إن أمها فتحت عينيها.

وفي مرة، سألت الممرضة سؤالًا صغيرًا:
— هو ماما هتفضل نايمة كده كتير؟

الممرضة قعدت جنبها، ومسكت إيدها برفق:
— مامتك بتتلقى العلاج، وإحنا بنتابع حالتها. وإنتِ مش لوحدك، فيه ناس كتير هنا عشان يساعدوكم.

مع مرور الوقت، بدأت حالة الأم تستقر تدريجيًا، وبدأت تستجيب بشكل أفضل للعلاج.

وبعد فترة، قدرت تفتح عينيها وتتكلم بصوت ضعيف.

أول سؤال سألته كان عن بنتها:
— بنتي فين؟

الممرضة طمّنتها إنها في المستشفى، وإن الأطباء بيتابعوا حالتها.

الأم بدأت تعيط.

كانت عارفة إنها كانت تعبانة، لكنها ما كانتش مدركة قد إيه الوضع وصل لمرحلة خطيرة.

ولما عرفت إن بنتها هي اللي اتصلت بالنجدة وطلبت المساعدة، فضلت تبكي وهي بتقول:
— بنتي الصغيرة هي اللي أنقذتني؟

الممرضة هزّت راسها:
— أيوه، هي اللي طلبت المساعدة في الوقت المناسب.

الأم غمضت عينيها، وفضلت تردد اسم بنتها.

كانت بتحاول تستوعب إن طفلتها الصغيرة اضطرت تواجه موقفًا مرعبًا بالشكل ده وهي لوحدها في البيت.

وبعد ما حالتها اتحسنت بما يكفي، سمح لها الفريق الطبي تشوف بنتها لفترة قصيرة.

لما الأم دخلت الأوضة، البنت كانت قاعدة على السرير، وشكلها لسه مرهق.

أول ما شافت ماما، مدت إيديها ناحيتها:
— ماما!

الأم قربت منها واحتضنتها بحذر، وهي بتحاول تمنع نفسها من العياط.
— حبيبتي أنا هنا. أنا جنبك.

البنت دفنت وشها في حضن أمها، وقالت:
— أنا خفت أوي يا ماما. كنت بنادي عليكي وإنتِ مش بتردي.

الأم بكت أكتر:
— أنا آسفة يا روحي. أنا آسفة إنك خفتي بالشكل ده.

البنت رفعت وشها وبصت لها:
— بس أنا اتصلت بالنجدة زي ما قالوا لي في المدرسة إننا نعمل لو حد محتاج مساعدة.

الأم ضمتها لصدرها:
— إنتِ عملتي الصح يا حبيبتي. إنتِ شجاعة جدًا.

لكن وسط اللحظة دي، كان فيه شيء الأم مش قادرة تقوله.

كانت بتحاول تحمي بنتها من الحقيقة، لكن الحقيقة كانت أكبر من إنها تفضل مستخبية للأبد.

أبوها كان متهمًا بالتورط في تعريض حياتهما للخطر.
والبنت اللي كانت لسه بتسأل عنه، ما كانتش تعرف إزاي تفهم اللي حصل.

الفصل السابع: الزيارة اللي كسرت قلب الضابط
بعد مرور فترة من العلاج، بدأت حالة الأم والبنت تتحسن، رغم إن التعافي كان محتاج وقت ومتابعة.

آدم، الضابط اللي وصل البيت في أول يوم، ما قدرش يخرج القضية من باله.

كان بيتابع المستجدات، وكل ما يفتكر وش الطفلة وهي بتفتح الباب حافية وبتحاول تمنع نفسها من العياط، كان يحس إن الموقف ده عمره ما هينساه.

بعد فترة، قرر يزور البنت في المستشفى.

دخل الأوضة بهدوء، وكانت هي قاعدة على السرير، بترسم في كراسة صغيرة.

لما شافته، رفعت راسها، وبعد لحظة ابتسمت ابتسامة خفيفة:
— إنت الضابط اللي جه بيتنا!

آدم ابتسم:
— أيوه يا بطلة. عاملة إيه النهارده؟

— أحسن شوية.

— الحمد لله. ومامتك أخبارها إيه؟

— هي كمان أحسن.

آدم سحب كرسي وقعد جنبها، وسألها عن الرسمة اللي بترسمها.

كانت رسمة بسيطة لبيت، وشمس، وطفلة واقفة جنب ست كبيرة شوية.

سألها:
— دي إنتِ ومامتك؟

هزّت راسها:
— أيوه. أنا عايزة لما نخرج من هنا نرجع نعيش مع بعض ونبقى كويسين.

آدم ابتسم، لكنه لاحظ إنها سكتت فجأة.

فضلت تبص للرسمة، وبعدها سألت:
— ممكن أسألك سؤال؟

— طبعًا يا حبيبتي.

البنت رفعت عينيها ليه:
— هو بابا هييجي يشوفني؟

آدم حس إنه مش عارف يختار كلماته.

كان عارف إن فيه إجراءات قانونية بتحصل، وإنه ما ينفعش يوعدها بحاجة مش بإيده.

فقال بهدوء:
— أنا عارف إن عندك أسئلة كتير، وإنك محتاجة تفهمي اللي حصل. بس دلوقتي أهم حاجة إنك تبقي بأمان، وإنك ومامتك تاخدوا الوقت اللي محتاجينه عشان تتعافوا.

البنت فضلت ساكتة.

وبعدين قالت:
— أنا كنت بحبه أوي.

آدم ما ردش فورًا.

كملت هي، وصوتها بدأ يرتعش:
— كنت لما أخاف أجري عليه. ولما أقع، هو اللي كان بيشيلني. ولما كنت بزعل، كنت بقوله كل حاجة.

دموعها بدأت تنزل:
— طب ليه يعمل فينا كده؟ إحنا عملنا له إيه؟

آدم حس إن الكلام وقف في حلقه.

كان شاف قضايا كتير خلال سنين شغله، وسمع تبريرات وحجج من ناس ارتكبت أفعالًا خطيرة.

لكن مفيش أي تفسير يقدر يخلّي طفلة صغيرة تفهم ليه الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد ممكن يتحول إلى مصدر خوفها.

قرب منها وقال:
— إنتِ ومامتك ما عملتوش حاجة تستاهل اللي حصل. أبدًا. واللي حصل مش ذنبك، ومش مسؤوليتك.

البنت مسحت دموعها بكمّها:
— بس أنا كنت فاكرة إن بابا بيحبني.

آدم ردّ بصوت هادي:
— إنتِ تستاهلي الحب والأمان يا حبيبتي. وتستاهلي حد يحميكي، مش يخوّفك.

وبعدين سكت لحظة، وأضاف:
— وإنتِ لما طلبتي المساعدة، عملتي حاجة شجاعة جدًا. إنتِ ساعدتي نفسك، وساعدتي مامتك كمان.

البنت بصت له، وكأنها بتحاول تستوعب كلامه.

وبعد لحظة، مدت إيدها الصغيرة ومسكت إيده.

آدم ضغط على إيدها برفق، وحاول يخفي دموعه.

لما خرج من الأوضة، وقف في الممر شوية، وأخد نفسًا طويلًا.

كان طول عمره فاكر إن أصعب جزء في شغله هو التعامل مع الأدلة والوقائع الصعبة.

لكن في اللحظة دي، فهم إن أصعب شيء أحيانًا هو إنك تقف قدام طفل بريء، يسألك سؤالًا مفيش إجابة تقدر تخفف وجعه.

الفصل الثامن: النهاية اللي ما كانتش في حسبان الأب
مع تقدم التحقيق، استمرت الجهات المختصة في جمع الأدلة وفحصها، واتخذت الإجراءات القضائية اللازمة بحق الأب وصديقه.

أما الأم والبنت، فبدأتا رحلة طويلة لاستعادة حياتهما.

ما كانش التعافي مجرد علاج جسدي.

كان لازم الأم تساعد بنتها تفهم إن اللي حصل مش غلطتها، وإنها مش مطالبة تحمي أسرار الكبار أو تتحمل نتائج قراراتهم.

وكان لازم هي كمان تتعامل مع الصدمة اللي سبّبها اكتشاف إن حياتها وحياة بنتها كانتا في خطر.

في الأيام الأولى، كانت البنت بتصحى من النوم وهي خايفة.

أحيانًا كانت تنادي على أمها أكثر من مرة، لمجرد إنها تتأكد إنها موجودة جنبها.

وأحيانًا كانت تسألها إذا كان ممكن حد يدخل البيت ويأذيهم تاني.

الأم كانت تضمها وتقول:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى