
ابتسمت وقالت:
“لسه قدامنا متابعة التنفيذ لحد ما كل الالتزامات تتنفذ، لكن النهارده خطوة مهمة.”
هزيت راسي.
كنت عارفة إن الطريق لسه ما خلصش، وإن استرداد الفلوس مش هيحصل في يوم وليلة، لكن المرة دي كان عندي اتفاق مكتوب، ومحامية بتتابع، وحق موثق.
ومع مرور الشهور، بدأ كمال يسدد المبالغ المتفق عليها، وكل دفعة كانت بتوصلني بإثبات رسمي.
كنت باحتفظ بكل إيصال، وبسجل كل مبلغ، وبراجع المحامية لو حصل أي تأخير.
أما رنا، فسمعت بعد فترة إنها أنهت ارتباطها بكمال بشكل نهائي، وإن أهلها رجعوا كل اللي يخص جهازها وفق الاتفاق اللي اتعمل بينهم، بعد ما راجعوا حقوقهم والتزاماتهم.
ما فرحتش في وجعها، بالعكس، كنت حاسة إنها كانت ضحية كذب زيي.
وفي يوم، قابلتها بالصدفة عند محل هدوم للأطفال.
كانت واقفة بتختار لبنت أختها فستان صغير، ولما شافتني، ابتسمت ابتسامة خفيفة.
قربت مني وقالت:
“عاملة إيه يا نوال؟”
قلت:
“الحمد لله، وإنتي؟”
قالت:
“الحمد لله. عارفة؟ أنا كنت زعلانة منك في الأول، وكنت فاكرة إنك السبب في كل اللي حصل، لكن بعد ما رجعت البيت وراجعت كلام كمال، اكتشفت إنه كان بيقول لكل واحدة فينا حكاية مختلفة.”
بصيتلها بحزن.
قالت:
“أنا مش جاية أفتح الماضي، بس حبيت أقولك إني فهمت موقفك، وإنك ماكنتيش بتهاجميني.”
قلت لها:
“ربنا يعوضك خير يا رنا، ويكتبلك نصيب أحسن.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“إنتي كنتي قوية.”
ابتسمت وقلت:
“لأ، أنا كنت خايفة جدًا. بس اتعلمت إن الخوف لو فضل ساكت جوانا، ممكن يخلينا نخسر كل حاجة.”
سلمت عليا ومشيت، وأنا كملت طريقي.
بعد سنة، كنت واقفة في شقة صغيرة إيجار، قريبة من مدرسة العيال، لكن فيها مساحة تكفيهم، وكل واحد بقى عنده ركن يذاكر فيه.
ما كانتش الشقة اللي حلمت بيها، ولا كانت واسعة، لكنها كانت هادية.
محدش بيزعقلي في المطبخ.
محدش بيحاسبني على كل لقمة.
محدش بيقولي إن حقي ملكه لمجرد إنه جوزي.
مريم بقت بتذاكر وهي مطمنة، وابني بقى عنده مكتب صغير بيحط عليه كتبه، والصغير بقى يجري ويلعب في الصالة من غير ما أخاف إنه يوقع حاجة أو يزعج حد.
أما أنا، فكنت بدأت أجمع فلوس من شغلي، وأحوش من كل مبلغ يرجعلي، وأخطط إني أشتري مكان باسمي لما ظروفي تسمح.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع العيال بنتغدى، مريم قالتلي:
“ماما، فاكرة يوم ما بابا قالك إنك لو تقدري تثبتي إنك اديتيه حاجة، يرجعهالك؟”
بصيتلها، وسكت شوية.
قالت:
“أنا عمري ما هنسى اليوم ده.”
مسكت إيديها وقلت:
“ولا أنا.”
“بس إنتي رجعتي حقك.”
ابتسمت وقلت:
“رجعت جزء مهم من حقي، ولسه في حقوق تانية بنرتبها، لكن أهم حاجة إني اتعلمت ما أسيبش حد يقنعني إن ماليش قيمة.”
مريم حضنتني وقالت:
“إنتي أحسن أم في الدنيا.”
ضمّيتها لصدري، وبصيت من الشباك.
افتكرت أبويا، والدكانة الصغيرة، والكرسي الخشب، والمفتاح القديم اللي كنت بحطه في درج التسريحة.
افتكرت يوم ما سلمت المحل لعم رجب، ويوم ما بعت دهبي، ويوم ما مسكت مفتاح الشقة الجديدة وأنا فاكرة إن الحلم اتحقق.
وبعدين افتكرت يوم فرش العروسة، لما كمال كان واقف على السلم، فاكر إن مفيش حد يقدر يوقفه، وإن مراته هتفضل ساكتة عشان عيالها.
ابتسمت لنفسي.
هو كان فاكر إن سكوتي ضعف.
ماكانش يعرف إن السكوت أحيانًا بيكون فرصة إنك ترتبي أفكارك، وتجمعي أوراقك، وتعرفي طريقك، وتختاري اللحظة الصح اللي تتكلمي فيها.
وفي مساء يوم جمعة، كنت راجعة من الشغل، ولقيت ظرف متحطوط تحت باب الشقة.
فتحت الظرف، ولقيت جواه ورقة مكتوبة بخط كمال.
كان كاتب:
“نوال، أنا عارف إني ظلمتك، وعارف إني خسرت ثقتك. أنا مش بطلب منك ترجعي، لكن نفسي تسمعيني مرة واحدة. أنا تعبت، وأمي تعبانة، والبيت كله اتغير من بعد اللي حصل. يمكن كنت فاكر إني أقدر أعمل اللي أنا عايزه، وإنك هتفضلي موجودة مهما حصل. دلوقتي فهمت إن فيه حاجات لما بتتكسر، مش بترجع زي الأول.”
قريت الورقة مرتين.
ما حسيتش بالشماتة، ولا حسيت برغبة إني أرجعله.
حسيت بس إن الصفحة اللي كنت بحاول أقفلها من سنة، بقت أخيرًا بعيدة عن قلبي.
حطيت الورقة في الدرج، ورجعت أجهز العشا للعيال.
بعد كام يوم، اتصل بيا كمال، وطلب يقابلني عشان يتكلم عن الأولاد.
وافقت إن المقابلة تكون في مكان عام، وفي وقت مناسب، ومن غير ما أدخل في أي نقاش يخص رجوعنا.
قعد قدامي، وكان باين عليه التعب.
قال:
“نوال، أنا عارف إني غلطت.”
قلت بهدوء:
“أيوه، غلطت.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“أنا كنت فاكر إنك هتخافي على العيال، ومش هتقدري تعملي حاجة.”
بصيتله وقلت:
“أنا كنت خايفة على العيال فعلًا، وعشان كده كنت بسكت. لكن لما فهمت إن سكوتي ممكن يخليهم يكبروا وهم فاكرين إن الظلم عادي، قررت أتصرف.”
قال:
“أنا ماكنتش متخيل إنك هتقدري توصلي لكل ده.”
قلت:
“لأنك ماكنتش شايفني يا كمال. كنت شايفني مجرد واحدة هتفضل موجودة مهما عملت فيها.”
نزل عينيه للأرض.
“ممكن نبدأ من جديد؟”
خدت نفس طويل، وبعدين قلت:
“إحنا ممكن ننظم علاقتنا كأب وأم لعيالنا، ونتعامل باحترام عشانهم. لكن الجواز حاجة تانية. أنا مش هقدر أرجع لحياة كنت فيها بخاف أتكلم، وبخاف أطالب بحقي، وبخاف أقول لأ.”
رفع عينيه وقال:
“يعني مفيش أمل؟”
رديت بهدوء:
“الأمل مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول. أحيانًا الأمل إن الواحد يتعلم من اللي حصل، ويعيش أحسن، حتى لو كل واحد في طريق.”
سكت طويلًا.
وبعدين قال:
“أنا آسف يا نوال.”
بصيتله، وقلت:
“ربنا يسامحك يا كمال.”
ما قلتلوش إني سامحته، لأن المسامحة مش كلمة بتتقال تحت ضغط، ومش معناها إن الإنسان لازم يرجع للمكان اللي اتوجع فيه.
قمت، وسلمت عليه، ومشيت.
رجعت البيت، ولقيت العيال قاعدين في الصالة، بيضحكوا على حاجة في التلفزيون.
مريم أول ما شافتني، قالت:
“ماما، تعالي اقعدي معانا.”
قعدت بينهم، وحطيت رجلي على رجل، وسندت ضهري، وخدت نفس عميق.
لأول مرة من سنين، ماكنتش مستنية حد يسمحلي أرتاح.
ما كنتش مستنية حد يوافق إني أفرح.
ما كنتش مستنية حد يعترف إن ليا قيمة.
كنت عارفة قيمتي بنفسي.
وبعد كام شهر، وصلني آخر مبلغ من الدفعات المتفق عليها، وراجعت المحامية كل المستندات، وأكدتلي إن التزامات التسوية المالية اللي اتفقنا عليها اتنفذت بالكامل.
مسكت الإيصال الأخير، وحطيته جنب باقي الأوراق.
وبعدين طلعت صورة قديمة لأبويا، كان واقف قدام دكانته، مبتسم، وإيده على كتفي وأنا طفلة.
بصيت للصورة وقلت:
“حقك رجع يا بابا، حتى لو المكان نفسه راح.”
في اللحظة دي، مريم دخلت عليا، وشافتني ماسكة الصورة.
سألتني:
“دي صورة جدو؟”
هزيت راسي.
قعدت جنبي، وبصت للصورة طويلًا.
“ماما، هو كان بيحبك أوي؟”
ابتسمت وقلت:
“كان بيحبني بطريقة تخليني أعرف إن ليا قيمة حتى لو الدنيا كلها قالتلي العكس.”
مريم سكتت، وبعدين قالت:
“أنا نفسي لما أكبر، أبقى قوية زيك.”
حضنتها وقلت:
“خليكي طيبة يا حبيبتي، لكن ما تسمحيش لحد يستغل طيبتك. سامحي لما تقدري، وساعدي لما تقدري، لكن حقك ما تفرطيش فيه خوفًا من زعل حد.”
وبعدها قمت أجهز العشا، والبيت كله مليان صوت عيالي وضحكهم.
أما الشقة اللي كمال كان فاكر إنه هيبدأ فيها حياته الجديدة على حسابي، فبقت ذكرى لدرس عمره ما نسيه.
والدهب اللي بعته، والدكانة اللي سبتها، والفلوس اللي تعبت سنين عشان أجمعها، كل ده علمني إن الخسارة مش دايمًا معناها إنك انتهيتي.
أحيانًا بتخسري حاجة غالية عشان تكتشفي إن فيه حاجة أغلى لازم تحافظي عليها.
كرامتك.
وفي آخر ليلة من السنة، كنت قاعدة على الكنبة، حاطة رجل على رجل، وبشرب الشاي، والعيال نايمين في أوضهم.
رن موبايلي، وكان رقم كمال.
بصيت للشاشة، وبعد لحظات رديت.
قال بصوت هادي:
“كل سنة وإنتي طيبة يا نوال.”
قلت:
“وإنت طيب.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“عارفة؟ أنا كل ما أفتكر يوم فرش الشقة، أفتكر وشك وإنتي واقفة قدامي بالورق. عمري ما كنت متخيل إن اليوم ده هيغير حياتي بالشكل ده.”
بصيت قدامي، وقلت:
“وأنا كمان عمري ما كنت متخيلة إن الراجل اللي ضحيت عشانه بكل حاجة، هو اللي هيخليني أتعلم أحافظ على نفسي.”
قال:
“أنا خسرتك.”
رديت بهدوء:
“إنت خسرت ثقتي يا كمال، والثقة لما بتضيع، مش كل حاجة بتقدر ترجعها الفلوس.”
ما ردش.
كملت:
“ربنا يصلح حالك، ويصلح حال عيالنا، ويهدينا كلنا للطريق الصح.”
قفلت المكالمة، وحطيت الموبايل على الترابيزة.
وبصيت حواليا.
شقة بسيطة، وأثاث على قد الحال، ومطبخ صغير، وهدوء كنت بحلم بيه من سنين.
لكن كل ركن في المكان ده كان شاهد على حاجة واحدة.
إني خرجت من التجربة دي مش أغنى ست في الدنيا، ولا معايا كل اللي كنت بملكه زمان، لكني خرجت وأنا عارفة إن محدش له حق ياخد تعبي ويقوللي اثبتي إنك اديتيني حاجة.
أنا أثبت.
ورجعت حقي.
وعشت لعيالي.
والأهم من كل ده، إني ما رجعتش الست اللي كانت بتخاف تتكلم.
أنا نوال.
الست اللي باعت دهبها ودكانة أبوها عشان تشتري شقة، فاكتشفت إن الراجل اللي عاشت معاه خمستاشر سنة كان بيخطط ياخد منها حتى حقها في الحلم.
لكن يوم فرش العروسة، لما دخلت بالورق، وقعدت قدامهم حاطة رجل على رجل، ما كنتش جاية أخرب جوازة.
كنت جاية أوقف ظلم.
واللي كان فاكر إن سكوتي معناه إني ضعيفة، عرف متأخر إن الست اللي بتصبر على وجعها عشان عيالها، لما تقرر تقوم وتاخد حقها، مش لازم تعلي صوتها.
يكفي إنها تعرف حقها فين، وتمشي في طريقه لآخره.
وآخر كلمة قلتها لكمال يوم ما قابلته بعد كل اللي حصل كانت:
“أنا ما خسرتكش يوم ما اتجوزت عليا يا كمال، أنا خسرتك يوم ما بعت دهبي ودكانة أبويا وأنا فاكرة إنك شريكي، وإنت كنت شايفني مجرد واحدة تقدر تاخد منها كل حاجة وتقوللها اثبتي. النهارده أنا مش محتاجة أثبتلك أي حاجة، لأن حقي بقى في إيدي، وعيالي ناموا مطمنين، وأنا أخيرًا بقيت عايشة في بيت محدش يقدر يذلني فيه. إنت كنت فاكر إنك هتبدأ حياة جديدة بفلوسي، لكنك في الحقيقة كنت بتقفل بإيدك آخر باب كان ممكن يرجعك لقلبي. وربنا شاهد إني صبرت كتير، لكن لما صبري خلص، ما طلبتش غير حقي، وخدته بالقانون، وسبتلك الندم اللي اخترته لنفسك.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




