عام

صاحب القصر حكايات صافي هاني

لأول مرة من وقت طويل، كانت مش عارفة إيه الخطوة اللي لازم تعملها.

هي كانت فاكرة إن مالك مجرد رجل غني محتاج واحدة تعرف تتعامل معاه، وإن الوصول لقلبه مش هيحتاج غير شوية كلام حلو واهتمام محسوب.

لكنها اكتشفت إنه مش بس قادر يميز التمثيل، ده كمان عنده القدرة إنه يقلب حياتها كلها في ليلة واحدة.

ومع ذلك، ما كانش الندم هو اللي مسيطر عليها.

كان الخوف.

الخوف من إن الشخص اللي كانت فاكرة إنها هتتحكم فيه، يكون عرف أكتر مما ينبغي.

تاني يوم الصبح، مالك وصل الشركة بدري.

دخل مكتبه، حط مفاتيحه على المكتب، وطلب من السكرتيرة تأجل كل الاجتماعات غير الضرورية.

كان عايز يراجع بنفسه المستندات اللي كريم اكتشف إنها اتفتحت في اليوم اللي اختفت فيه العاملة.

بعد حوالي ساعة، كريم دخل ومعاه ملف كبير.

“جمعت لك كل اللي قدرنا نوصل له.”

مالك فتح الملف، وبدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة.

كان فيه سجل دخول، وطلبات تصوير مستندات، ومراسلات داخلية تخص مشروع عقاري كبير في القاهرة الجديدة.

في البداية، كل شيء بدا طبيعيًا.

لكن لما وصل لآخر صفحة، وقف فجأة.

“إيه ده؟”

كريم قرب منه.

مالك أشار إلى مستند يحمل توقيعًا إلكترونيًا باسمه.

“أنا ما وقعتش الورقة دي.”

كريم أخد المستند وبص عليه بعناية.

“دي موافقة مبدئية على تعديل نسبة الشراكة في مشروع النخيل.”

مالك هز راسه.

“أنا رفضت التعديل ده من شهر. إزاي بقى فيه موافقة باسمي؟”

كريم قلب الصفحات بسرعة.

“واضح إن حد استخدم نسخة من توقيعك الإلكتروني.”

مالك قام من مكانه، وراح ناحية الشباك.

المشروع ده كان من أكبر مشروعات الشركة، وأي تعديل غير مصرح به فيه ممكن يسبب مشكلة كبيرة للشركاء.

قال بحدة:

“عايز كل نسخة من المستندات دي تتراجع. وعايز القسم القانوني يتأكد إن مفيش أي تعديل اتنفذ بالفعل.”

كريم رد فورًا:

“هبدأ حالًا.”

لكن قبل ما يخرج، مالك وقفه.

“استنى. الورقة دي اتفتحت إمتى؟”

كريم راجع البيانات.

“الخميس اللي فات، الساعة اتنين وسبعتاشر دقيقة.”

مالك افتكر.

الخميس اللي فات كان عنده اجتماع خارج الشركة، وميرهان كانت موجودة في القصر.

وفي نفس اليوم، العاملة ظهرت قدام المكتب بالظرف البني.

مالك رجع قعد ببطء.

“عايز أعرف مين وصل للمستند ده، ومين حاول يغيره، وليه.”

كريم قال:

“هنتعامل مع الموضوع رسميًا، وهنحافظ على كل السجلات.”

مالك هز راسه.

“تمام. ومحدش يتكلم عن ميرهان أو يتهمها قدام أي حد. إحنا بندور على الحقيقة، مش بندور على حد نعلّق عليه كل حاجة.”

كريم ابتسم ابتسامة صغيرة.

“عشان كده أنا صاحبك من عشرين سنة.”

مالك رد بابتسامة خفيفة:

“عشان إنت الوحيد اللي لسه بيقول لي إني غلطان من غير ما يبص الأول على رصيدي في البنك.”

كريم ضحك، لكن ضحكته اختفت بسرعة لما تليفونه رن.

بص للشاشة، ورد.

“أيوه يا أستاذ سامح… أيوه، مالك موجود.”

سمع ثواني، وبعدها ملامحه اتغيرت.

“إنت متأكد؟”

مالك وقف.

“فيه إيه؟”

كريم أنهى المكالمة، وبص له.

“مدير القصر بيقول إن فيه ظرف اتساب عند البوابة الصبح، ومكتوب عليه اسمك.”

مالك عقد حاجبيه.

“مين اللي جابه؟”

“محدش شافه. الحارس لقى الظرف بعد ما عربية خرجت من الشارع.”

مالك مد إيده.

“هات الظرف.”

كريم أخرج صورة كان سامح باعتها له على التليفون، لكن مالك طلب يشوف الأصل، فقرروا يرجعوا القصر.

بعد أقل من ساعة، كان الظرف قدامه على المكتب في غرفة جانبية بالقصر.

كان بني اللون، من غير عنوان مرسل، ومكتوب عليه بخط واضح:

إلى مالك الشريف… قبل ما تثق في أي حد تاني.

مالك فتح الظرف بحذر، وطلع منه صورة قديمة، وورقة صغيرة، ومفتاح معدني.

الصورة كانت لرانيا، خطيبته السابقة، واقفة قدام مبنى إداري، وبجانبها راجل ما كانش مالك يعرفه.

أما الورقة، فكان مكتوب فيها:

“اللي حصل معاك من سنتين ما كانش زي ما إنت فاكر. ميرهان مش أول واحدة تدخل حياتك وهي عارفة عنك كل حاجة. اسأل عن الشخص اللي جمع بين رانيا وميرهان، وهتعرف ليه الاتنين ظهروا في حياتك بنفس الطريقة.”

مالك حس إن قلبه دق بعنف.

كريم أخد الصورة وبص لها.

“إنت تعرف الراجل ده؟”

مالك هز راسه.

“لا.”

“والعنوان؟”

مالك قلب الصورة، ولقى مكتوب على ظهرها تاريخ قديم، وبعده اسم شركة كان سمع عنها قبل كده.

شركة صغيرة للاستشارات المالية، كانت قدمت عرض تعاون مع مجموعته من حوالي سنتين، لكنه رفضه بعد مراجعة الأوراق.

كريم قرب الصورة من عينه.

“استنى… أنا فاكر الاسم ده.”

مالك بص له.

“إنت تعرفه؟”

“مش الراجل، الشركة. كان فيه وسيط حاول يرتب اجتماع بينك وبينهم قبل ما تتعرف على رانيا بفترة قصيرة.”

مالك افتكر وقتها إنه كان مشغول بتوسيع أعماله، وإن مدير مكتبه رفض العرض بسبب وجود شروط غير واضحة.

قال ببطء:

“يعني حد كان بيتابع تحركاتي من قبل ما أقابل رانيا.”

كريم رد:

“ده احتمال، بس لسه ما عندناش دليل يربط بين كل الحاجات دي.”

مالك مسك المفتاح المعدني.

كان عليه رقم محفور صغير.

“والمفتاح ده؟”

كريم قلبه بين إيديه.

“شكله مفتاح خزانة أو درج قديم.”

مالك رجع للورقة.

“اللي بعت الظرف ده عايزني أروح أدور على حاجة.”

كريم قال بحزم:

“أو عايز يجرّك لمكان معين. مش هنتحرك بناءً على ورقة مجهولة.”

مالك وافقه.

“هنبدأ من الشركة اللي في الصورة، وهنراجع سجلاتها القديمة من خلال الطرق القانونية. ولو فيه أي مستند يخص شغلي أو حساباتي، هنعرفه.”

وبعدها حط الصورة والورقة والمفتاح في ظرف جديد، وسلّمه للقسم القانوني علشان يتوثق كل شيء قبل أي خطوة.

لكن وهو بيقفل الملف، تليفونه رن.

رقم مجهول.

رد مالك.

“ألو.”

جاله صوت ست، كان مترددًا وواطيًا:

“أستاذ مالك الشريف؟”

“أيوه، مين معايا؟”

“أنا محتاجة أقابلك. الموضوع يخص ميرهان، ورانيا كمان.”

مالك وقف مكانه.

“إنتِ مين؟”

الست سكتت لحظة، وبعدها قالت:

“أنا البنت اللي كانت شغالة في القصر، واللي اتصورت قدام مكتب حضرتك.”

مالك بص لكريم، وكريم قرب منه فورًا.

مالك رجع للتليفون.

“إنتِ اللي اختفيتي من القصر؟”

“أيوه.”

“إنتِ فين دلوقتي؟”

“مش هقدر أقول لك في التليفون. بس لازم أقابلك قبل ما الموضوع يضيع.”

مالك قال بهدوء:

“أنا مش هضغط عليكِ. هنحدد مكان عام، وهنتقابل بحضور محامي الشركة، وكل حاجة هتكون بشكل واضح.”

الست اترددت، وبعدها وافقت.

“بكرة الساعة عشرة الصبح، في مكتب المحامي اللي في وسط البلد.”

“تمام. اسمك إيه؟”

سكتت لثوانٍ، ثم قالت:

“اسمي نجلاء.”

وقبل ما مالك يسألها أي سؤال تاني، المكالمة اتقطعت.

تاني يوم، مالك وكريم وصلوا مكتب المحامي قبل الموعد بعشر دقايق.

مالك كان هادي من بره، لكن عقله مليان أسئلة.

هل رانيا كانت فعلًا بتحبه في البداية، وبعدها اتغيرت لما عرفت حجم ثروته؟ ولا كان فيه حد وجّهها من البداية؟

وهل ميرهان كانت مجرد بنت طمعت في الثراء، ولا فيه حد تاني بيستخدمها للوصول لحاجة أكبر؟

وليه شخص مجهول بيحاول يجمع القصتين مع بعض بعد كل السنين دي؟

الساعة وصلت عشرة وربع، ونجلاء ما ظهرتش.

المحامي بص في ساعته، وقال:

“ممكن تكون غيرت رأيها.”

مالك هز راسه.

“لو خافت، مش هنلومها. المهم إننا ما نعملش أي خطوة من غير دليل.”

لكن بعد خمس دقايق، باب المكتب اتفتح.

دخلت ست في أواخر الثلاثينات، لابسة ملابس بسيطة، وشايلة شنطة صغيرة، وملامحها باين عليها التعب وقلة النوم.

أول ما شافت مالك، وقفت مكانها.

“حضرتك مالك الشريف؟”

“أيوه. اتفضلي، اقعدي.”

قعدت على طرف الكرسي، وحطت الشنطة في حجرها، وفضلت ماسكاها بإيديها.

مالك قال بهدوء:

“إنتِ قلتي إن عندك معلومات عن ميرهان ورانيا. أنا سامعك، لكن عايزك تعرفي إننا مش هنا علشان نتهم حد من غير دليل.”

نجلاء هزت راسها.

“أنا عارفة. وأنا مش جاية أتهم حد ظلم. أنا جاية أقول اللي شفته بنفسي.”

فتحت الشنطة، وطلعت منها ملفًا صغيرًا، وورقة مطوية بعناية.

حطتهم على المكتب.

“أنا اشتغلت في القصر فترة، وكنت مسؤولة عن ترتيب بعض الأوراق وتوصيلها للمكتب الإداري. من حوالي أسبوعين، ميرهان طلبت مني أوصل ظرف للمكتب، وقالت لي إنه فيه أوراق تخص حفل الخطوبة.”

مالك سألها:

“وإنتِ وصلتيه؟”

“أيوه، لكن لما دخلت لقيت المكتب مفتوح، ومفيش حد موجود. حطيت الظرف على المكتب وخرجت.”

كريم سأل:

“وبعدين؟”

نجلاء بصت له.

“بعدها بيوم، ميرهان سألتني إذا كنت شفت ورقة معينة في المكتب. أنا قلت لها لأ، فقالت لي إنها مجرد أوراق تخص ترتيب الحفل.”

مالك فتح الملف.

كان فيه صور لصفحات من مراسلات داخلية، وبعضها يحمل أسماء أشخاص لم يتعرف عليهم فورًا.

لكن وسط الأوراق، ظهرت رسالة مطبوعة عليها اسم شركة الاستشارات المالية نفسها اللي كانت موجودة في الصورة القديمة.

مالك رفع عينه بسرعة.

“إنتِ جبتي الورق ده منين؟”

نجلاء ردت:

“الورق ده كان موجود في ظرف اتساب في غرفة التخزين، وأنا شفت اسمي في إحدى الملاحظات، فخفت. صورت الصفحات اللي كان مسموح لي أشوفها بحكم شغلي، واحتفظت بيها. لكن أنا ما دخلتش على أي حسابات، ولا أخدت أي مستند سري من مكتب حضرتك.”

المحامي تدخل:

“هنراجع مصدر المستندات وطريقة الحصول عليها قبل ما نعتمد عليها، علشان نتأكد من سلامتها.”

نجلاء هزت راسها.

“أنا موافقة.”

مالك رجع يقلب الصفحات، لحد ما وصل لرسالة مكتوبة من شخص مجهول إلى وسيط مالي.

كان نصها قصيرًا، لكنه كفاية يخليه يتوقف عن القراءة.

“المرحلة الأولى انتهت. المطلوب الآن التأكد من أن الارتباط سيتم قبل اعتماد التعديلات النهائية.”

مالك رفع عينه ببطء.

كريم قرأ الجملة، وبعدها بص لمالك.

“الارتباط؟”

نجلاء قالت بسرعة:

“أنا ما أعرفش مين كتب الرسالة، ولا المقصود بيها مين. أنا بس عرفت إن فيه حاجة غلط، خصوصًا لما ميرهان بدأت تسأل عن أوراق الشركة.”

مالك فضل ساكتًا.

المحامي طلب منها توضيح كل اللي تعرفه، وبدأ يسجل أقوالها، من غير ما يفترض إن أي مستند يثبت جريمة بعينها.

بعد حوالي ساعة، انتهى اللقاء.

نجلاء قامت، لكنها قبل ما تمشي، التفتت لمالك.

“فيه حاجة أخيرة.”

مالك بص لها.

“اتفضلي.”

“الست اللي في الصورة مع رانيا… أنا شفتها قبل كده.”

كريم اتعدل في جلسته.

“فين؟”

نجلاء بصت لمالك، وبعدها قالت:

“في القصر، يوم ما ميرهان كانت موجودة عندكم. دخلت من الباب الجانبي، وقابلتها في الممر اللي جنب المكتبة.”

مالك وقف.

“إنتِ متأكدة؟”

“أيوه. ما كنتش أعرف اسمها، لكن أنا فاكرة وشها كويس.”

“كانت بتعمل إيه؟”

نجلاء نزلت عينيها، كأنها بتحاول تسترجع المشهد.

“كانت بتسأل عن مكتب حضرتك، ولما قلت لها إنه مش متاح للضيوف، ابتسمت وقالت لي إنها تعرف ميرهان، وإنها جاية تسلم عليها.”

كريم قال:

“وميرهان قابلتها؟”

نجلاء هزت راسها.

“أيوه. دخلت معاها المكتبة، وقفلوا الباب.”

مالك حس إن آخر قطعة من اللغز بدأت تظهر، لكن لسه ما كانش عارف الصورة الكاملة.

سألها:

“إمتى حصل ده؟”

نجلاء فكرت قليلًا.

“من حوالي عشرة أيام.”

مالك رجع قعد ببطء.

عشرة أيام.

يعني قبل حفلة الاحتفال، وقبل ما ميرهان تتصرف بالشكل اللي كشف شخصيتها قدام الجميع.

قال للمحامي:

“من فضلك، احتفظ بكل الأوراق دي، وابدأ مراجعتها مع القسم القانوني. عايز أعرف الحقيقة كاملة، من غير ما نظلم أي حد.”

وبعدها خرج مع كريم من المكتب.

في العربية، كريم فضل ساكتًا فترة طويلة، وبعدين قال:

“إنت شايف إن رانيا ممكن تكون رجعت للموضوع؟”

مالك بص من الشباك.

“مش هحكم عليها من صورة أو ورقة. لو عندها حاجة تقولها، هسمعها. لكن مش هرجع أعيش في نفس الدوامة تاني.”

كريم هز راسه.

“وده الصح.”

مالك كان لسه هيكمل كلامه، لكن تليفونه رن مرة تانية.

المرة دي، الرقم كان معروفًا.

رقم رانيا.

فضل يبص للشاشة لثوانٍ، وكريم لاحظ تردده.

“هترد؟”

مالك أخد نفسًا طويلًا، وبعدها فتح المكالمة.

“ألو.”

جاله صوت رانيا، هاديًا ومختلفًا عن آخر مرة سمعها فيها.

“مالك… أنا عارفة إنك غالبًا مش عايز تسمع صوتي، بس أنا محتاجة أقابلك.”

مالك سكت.

رانيا كملت بسرعة:

“أنا عرفت اللي حصل مع ميرهان، وعرفت إن فيه أوراق ظهرت باسمك. الموضوع أكبر من اللي إنت متخيله.”

مالك شد إيده على التليفون.

“إنتِ عرفتي منين؟”

“مش مهم دلوقتي. المهم إن فيه شخص لازم تعرف حقيقته.”

“مين؟”

رانيا سكتت لحظة، وبعدها قالت:

“الشخص اللي كان السبب في إنك تعرفني من البداية.”

مالك حس إن نفسه اتقطع للحظة.

“إنتِ بتقولي إيه يا رانيا؟”

“أنا مش هقدر أشرح لك في التليفون. لو قابلتني، هقول لك كل حاجة.”

مالك بص لكريم، اللي كان متابع المكالمة من غير ما يتدخل.

وبعد لحظات طويلة، رد مالك:

“مكان عام، وبحضور كريم والمحامي.”

رانيا وافقت فورًا.

“موافقه. بكرة الساعة خمسة، في مكتب المحامي نفسه.”

مالك أنهى المكالمة، وحط التليفون على رجله.

كريم بص له بقلق.

“إنت مستعد تسمعها؟”

مالك رد بعد صمت طويل:

“مش عارف إذا كنت مستعد، لكن المرة دي مش هسيب الأسئلة من غير إجابات.”

في اليوم التالي، وصلت رانيا في الموعد المحدد.

كانت ملامحها مختلفة عن آخر مرة شافها فيها. ما كانتش لابسة مجوهرات غالية، ولا بتحاول تظهر بصورة مثالية، وكانت ماسكة ملفًا صغيرًا بإيديها.

دخلت المكتب، وأول ما عينيها وقعت على مالك، وقفت لحظة.

“إزيك يا مالك؟”

رد ببرود:

“اتفضلي اقعدي.”

قعدت، وحطت الملف على المكتب.

كريم كان موجودًا، والمحامي جلس على مسافة قريبة.

رانيا بصت لمالك وقالت:

“أنا عارفة إنك مش هتصدقني بسهولة، وأنا مش جاية أطلب منك تسامحني.”

مالك سألها مباشرة:

“إنتِ كنتِ بتحبيني يا رانيا؟”

السؤال فاجأها.

بصت له، وعينيها لمعت بالدموع.

“في البداية، أيوه.”

مالك ما اتحركش.

“وفي النهاية؟”

رانيا نزلت عينيها.

“في النهاية، أنا خفت.”

“من إيه؟”

“من إني أكون مجرد واحدة من الناس اللي بتدخل حياتك، وتخرج منها لما تمل منها. كنت شايفة كل اللي حواليك بيتعاملوا معاك بحساب، وكنت خايفة في يوم تكتشف إني مش مناسبة لحياتك.”

مالك ضحك بمرارة.

“فقررِتي تخليني أسمعك وإنتِ بتقولي إنك بتحبيني علشان فلوسي؟”

رانيا رفعت راسها بسرعة.

“أنا ما كنتش أقصد الكلام بالطريقة اللي إنت فهمتها، لكن ده ما يغيرش إني غلطت. أنا اتكلمت باستهزاء، وجرحتك، ولما واجهتني، بدل ما أعترف بخوفي، حاولت أبرر.”

مالك فضل ساكتًا.

رانيا فتحت الملف.

“بعد ما سيبتني، حاولت أبعد عن كل حاجة تخصك. لكن من حوالي شهرين، حد اتصل بيا، وقال إنه يعرف تفاصيل عن علاقتنا، وإنه محتاج يقابلني.”

كريم سألها:

“مين الشخص ده؟”

رانيا طلعت ورقة من الملف، وحطتها على المكتب.

“اسمه فؤاد المنشاوي. كان وسيطًا ماليًا، وسبق له التعامل مع شركات بتقدم عروض استثمارية لمجموعة الشريف.”

مالك بص لكريم.

كان الاسم جديدًا عليه، لكن اسم الشركة الموجودة في الأوراق القديمة كان مرتبطًا به.

رانيا كملت:

“فؤاد قال لي إنه عايز يعرف إذا كنت احتفظت بأي مراسلات قديمة بيني وبين مالك. أنا رفضت في الأول، لكن بعد ما ضغط عليّ، وافقت أقابله مرة واحدة.”

مالك سألها:

“وليه ما بلغتيش حد؟”

رانيا ردت بصوت منخفض:

“لأني كنت خايفة إن الكلام القديم يتكشف، وخايفة إن الناس تعرف إني اتكلمت عنك بالطريقة دي. أنا غلطت مرة، وبعدها فضلت أحاول أخبي الغلطة بدل ما أواجهها.”

المحامي دوّن ملاحظاته، وبعدها سألها:

“هل عندك أي مستند يثبت إن فؤاد طلب منك معلومات عن مالك الشريف؟”

رانيا أخرجت مجموعة من الرسائل المطبوعة، ومعاها تواريخ وأرقام يمكن مراجعتها.

“دي الرسائل اللي احتفظت بيها. أنا مش عارفة إذا كانت تثبت كل حاجة، لكن ده اللي عندي.”

مالك بص للأوراق، لكنه ما لمسهاش.

“إنتِ بتقولي إن فؤاد هو اللي ورا ميرهان؟”

رانيا هزت راسها.

“أنا ما أقدرش أقول كده من غير دليل. لكن قبل ما أسمع عن ميرهان أصلًا، فؤاد سألني إذا كنت أعرف عيلة عندها علاقات اجتماعية واسعة في القاهرة، وإنه كان بيدور على حد يقدر يدخل مناسبات رجال الأعمال بسهولة.”

كريم قال:

“وده ممكن يكون مجرد سؤال عادي.”

“عارفة، وعشان كده أنا مش عايزة أتهمه. لكن بعد ما عرفت اللي حصل، افتكرت الكلام ده.”

مالك فضل ساكتًا، وبعدين سألها:

“فيه حاجة تانية؟”

رانيا بصت له طويلًا.

“أيوه. فيه حاجة كان لازم أقولها لك من سنتين، لكن ما قدرتش.”

مالك ما ردش.

رانيا فتحت آخر صفحة في الملف، وطلعت منها صورة قديمة.

كانت صورة ليها مع فؤاد المنشاوي، في مناسبة عامة، لكن اللي لفت نظر مالك هو الشخص الواقف في الخلفية.

نفس الراجل اللي كان واقف جنبها في الصورة اللي وصلت له داخل الظرف.

رانيا قالت بصوت مرتعش:

“الراجل ده هو اللي عرفني على فؤاد. وأنا ما كنتش أعرف وقتها إنه بيشتغل معاه.”

مالك رفع عينه.

“اسمه إيه؟”

رانيا ترددت، وبعدها نطقت الاسم اللي خلّى كريم يفتح عينيه بصدمة.

“شريف الكيلاني.”

كريم وقف من مكانه.

“مستحيل!”

مالك بص له.

“إنت تعرفه؟”

كريم رد بصوت منخفض:

“شريف الكيلاني كان شريكًا سابقًا في واحدة من شركات الاستثمار اللي حاولت تدخل معانا في مشروع كبير من أربع سنين. الصفقة اتلغت بعد مراجعة قانونية، وهو اختفى من المشهد بعدها.”

مالك رجع بص للصورة.

كان فاكر إن الموضوع انتهى يوم ما رفض الصفقة، لكنه دلوقتي اكتشف إن فيه أشخاصًا ربما ظلوا يتحركون من بعيد.

ومع ذلك، ما كانش عنده دليل كافي يثبت إن شريف أو فؤاد أو ميرهان متورطون في أي مخالفة.

قال للمحامي:

“راجع كل المستندات دي، وتأكد من صحتها. وأي خطوة بعد كده تكون من خلال الإجراءات القانونية.”

رانيا قامت ببطء.

“مالك…”

رفع عينه لها.

“أنا مش مستنية منك تسامحني. بس كان لازم أقول لك الحقيقة اللي أعرفها.”

مالك فضل ساكتًا للحظات، ثم قال:

“أنا مش هقدر أرجع للماضي يا رانيا، ومش هقدر أتصرف كأن اللي حصل ما حصلش. لكن لو عندك معلومات حقيقية تساعد في كشف أي مخالفة، قدميها بالطريقة القانونية.”

رانيا هزت راسها، ومسحت دموعها.

“هعمل كده.”

وبعدها خرجت من المكتب.

مالك فضل قاعدًا، وبص للصورة القديمة اللي كانت قدامه.

كان عارف إن الحقيقة مش دايمًا بتكون مريحة، وإن معرفة تفاصيل أكتر مش معناها بالضرورة إن الوجع هيختفي.

لكن على الأقل، المرة دي كان عنده فرصة يعرف الحقيقة من غير ما يسمح للخوف إنه يتحكم في كل قرار ياخده.

بعد أسبوع من مراجعة المستندات، بدأت الصورة تتضح تدريجيًا.

القسم القانوني اكتشف إن بعض التعديلات اللي ظهرت في الأوراق لم تُعتمد رسميًا، وإن محاولة استخدام التوقيع الإلكتروني تم رصدها قبل تنفيذ أي تغيير في ملكية المشروع.

تم الاحتفاظ بالسجلات، وإبلاغ الجهات المختصة، وبدأت مراجعة رسمية للمعاملات والأشخاص اللي كان لهم حق الوصول إلى الملفات.

أما ميرهان، فتم استدعاؤها لسماع أقوالها بشأن بعض الوقائع المتعلقة بالمستندات، لكنها أنكرت معرفتها بأي تعديل غير مصرح به.

مالك ما اتصلش بيها، وما حاولش يواجهها بنفسه.

كان عايز الموضوع يتاخد في مساره الصحيح، من غير انتقام أو تشهير أو أحكام مسبقة.

وفي وسط كل ده، حصل شيء ما كانش متوقعًا.

في صباح يوم الجمعة، وصل للقصر ظرف جديد.

المرة دي، كان عليه اسم دولت.

فتحت الظرف بنفسها، ولقت جواه جوابًا مكتوبًا بخط اليد، ومعاه صورة قديمة لها وهي واقفة جنب زوجها الراحل أمام أول بيت اشتروه في حياتهم.

دولت قعدت على الكنبة، وبدأت تقرأ.

“مدام دولت،

أنا عارفة إن حضرتك مش هتسامحيني بسهولة، وعارفة إني خسرت ثقتك بعد اللي حصل.

أنا مش بطلب منك تدافعي عني، ولا تحاولي ترجعي مالك ليا. أنا بس عايزة أقول لك إن فيه حاجة ما كنتش أعرفها عن نفسي غير بعد اللي حصل.

كنت فاكرة إن الناس بتحترمني علشان أنا مين، لكن الحقيقة إني كنت بحاول أفرض احترامي على الناس بالفلوس والمظاهر.

أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أصلح اللي أفسدته، لكن لأول مرة مش هطلب من حد إنه ينسى اللي حصل علشان صورتي قدام الناس.

ميرهان.”

دولت فضلت باصة للجواب فترة طويلة.

ما كانتش عارفة إذا كان الندم حقيقيًا، ولا إذا كانت ميرهان بتحاول تنقذ ما تبقى من سمعتها.

لكنها عرفت حاجة واحدة: إن الاعتذار، مهما كان صادقًا، ما بيمسحش أثر الأذى في لحظة.

حطت الجواب في الدرج، وقفلت عليه.

وبعدها اتصلت بمالك.

“يا حبيبي، ممكن تيجي تقعد معايا شوية؟”

مالك كان في مكتبه، لكنه أول ما سمع صوتها، رد:

“أنا جاي حالًا يا أمي.”

لما وصل القصر، لقى أمه قاعدة في الصالون، قدامها فنجان القهوة المعتاد.

قعد جنبها.

“فيه حاجة حصلت؟”

طلعت له الجواب، وناولته إياه.

قرأه في صمت، وبعدها رجعه لها.

“إنتِ شايفة إيه؟”

دولت فكرت شوية.

“شايفة إننا مش لازم نكره حد علشان اتصرف بطريقة غلط. لكن في نفس الوقت، مش لازم نرجع نفتح الباب لأي حد لمجرد إنه اعتذر.”

مالك ابتسم ابتسامة صغيرة.

“أنا مش ناوي أرجع لها يا أمي.”

“أنا ما قلتش ترجع لها.”

سكتت لحظة، ثم كملت:

“أنا بس عايزاك ما تخليش اللي حصل يخليك تقفل قلبك.”

مالك بص ناحية الشباك.

“عارفة إيه أكتر حاجة ضايقتني؟”

“إيه يا حبيبي؟”

“إني لما لبست هدوم الشيف، كنت فاكر إني باختبر الناس. لكن الحقيقة إني كنت باختبر نفسي كمان. كنت عايز أشوف إذا كنت أقدر أتحمل إني أكون شخصًا عاديًا في نظر الناس، من غير ما أستخدم اسمي أو فلوسي علشان أفرض احترامي.”

دولت ابتسمت بحنان.

“وإيه اللي اتعلمته؟”

مالك فكر قبل ما يرد.

“إن الاحترام مش محتاج قصر، ولا شركة، ولا حساب في البنك. لكن كمان اتعلمت إن الاختبارات دي مش دايمًا عادلة. أنا أخفيت هويتي، وده خلاني أحكم على ناس من موقف واحد، مع إن المفروض كنت أتعرف عليهم بطريقة أوضح.”

دولت هزت راسها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى