منوعات

طوق نجاه انجي الخطيب

جاله صوت راجل هادي، لكنه مليان ثقة مستفزة: “مساء الخير يا حضرة الظابط سليم العلاليلي. أتمنى تكون بخير.” سليم وقف مستقيم. “مين معايا؟” الراجل ضحك ضحكة قصيرة. “واحد عايز يوفر عليك وجع الدماغ. البنت اللي عندك اسمها مريم عزام، صح؟

” سليم بص لمريم، اللي بمجرد ما سمعت اسم عيلتها، لون وشها اتغير. رد سليم ببرود: “إنت مين؟” “الاسم مش مهم. المهم إنك تعرف إنك دخلت نفسك في موضوع أكبر منك. البنت دي تخص ناس كبار، والناس دي مش بتحب حد يعطل مصالحها.

” سليم ضغط على التليفون بقوة. “لو عندك كلام قانوني، تتفضل القسم وتقدمه.” الراجل ضحك. “أنا مش بتكلم عن القانون يا حضرة الظابط. أنا بتكلم عن مصلحتك. إنت عندك مستقبل، وسمعة، وأهل أكيد بتحبهم. حرام تخسر كل ده عشان بنت قى أكثر حدة. “إنت بتهددني؟” “اعتبرها نصيحة.” “اسمع يا أستاذ، أنا مش بخاف من التهديدات، واللي عنده حق ياخده بالقانون. إنما لو اكتشفت إنك أو أي حد تابع لك حاول يأذي البنت، هتتحاسب.

” الراجل سكت ثانيتين، وبعدها قال بنبرة خلت الدم يغلي في عروق سليم: “خلي بالك من نفسك يا سليم. مش كل الناس اللي بتلبس البدلة بتكون في صفك.” وقفل الخط. سليم فضل باصص للتليفون للحظات، وبعدها رفع عينيه ناحية نادين. “اللي كنت خايف منه بدأ.” نادين قربت منه.

“مين ده؟” “معرفش. بس هو عارف إن مريم معايا.” مريم قامت من مكانها رغم وجع رجلها، ووشها كان شاحب. “أنا لازم أمشي.” سليم لف ناحيتها. “تقولي إيه؟” “لازم أمشي قبل ما يأذوك بسببي.” “إنتي مش هتمشي في أي حتة دلوقتي.

” “إنت مش فاهم! هما مش هيقفوا عند مكالمة! هما ممكن يأذوا أهلك، وصحابك، وكل حد يقف في طريقي!” سليم قرب منها، لكنه وقف على مسافة تحترم خوفها. “مريم، بصيلي. اللي بيهددك هو المسؤول عن تهديداته، مش إنتي. إنتي مش مذنبة عشان طلبتي النجدة.” هزت راسها بعنف.

“إنت متعرفش عزام بيه يقدر يعمل إيه!” سليم ثبت عينيه عليها. “أبوكي؟” مريم اتجمدت، وكأن الكلمة لوحدها رجعت لها كل الذكريات اللي بتحاول تنساها. وبعد لحظة، قالت: “أبويا مـ,ـات من خمس سنين.” سليم عقد حواجبه. “أمال مين عزام بيه؟” مريم بصتله بعينين مليانين خوف، وقالت: “عمي… جلال عزام.

” ساد الصمت في الشقة. اسم جلال عزام ما كانش غريب على سليم. رجل أعمال معروف، اسمه بيتردد في الصحف، وصوره جنب مسؤولين كبار، وشركاته منتشرة في أكتر من محافظة. لكن اللي سليم كان يعرفه عنه غير اللي سمعه دلوقتي، لأنه كان دايمًا ظاهر قدام الناس كرجل أعمال محترم، بيشارك في حملات خيرية وبيتبرع للمستشفيات.

أما مريم، فكانت بتقول اسمه وكأنها بتتكلم عن كابوس. نادين سألت بحذر: “هو اللي كان بيأذيكي؟” مريم نزلت راسها. “مش هو لوحده.” سليم قرب خطوة. “مين كمان؟” مريم رفعت عينيها، وفتحت بقها، لكن صوتها اتكسر. “مرات عمي… وابن عمي.

ملفات فيها أسماء ناس، وأرقام حسابات، وتوقيعات… وبعدها بيومين، واحد من الموظفين اللي كان شغال معاه اختفى.” نادين حطت إيدها على بقها من الصدمة، لكن سليم فضل ثابت. “إنتي متأكدة من اللي شوفتيه؟” “أيوه. وأنا لما سألت أبويا قبل ما يمـ,ـوت عن الملفات دي، اتخانق مع عمي، وبعدها بأيام حصلت الحادثة اللي مـ,ـات فيها.

” سليم سكت لحظة، ثم سألها: “إنتي بتقولي إن أبوكي مـ,ـات في حـ,ـادثة؟” مريم دموعها لمعت. “قالوا حادثة عربية. بس أنا عمري ما صدقت.” سليم قرب من الكنبة وقعد قدامها، وقال بصوت هادي: “مريم، الكلام اللي بتقوليه خطير جدًا.

لو عندك أي دليل، لازم نحافظ عليه، لكن مش هنقدر نتهم حد لمجرد الشك. أنا محتاج أعرف إيه اللي خلاهم يطاردوكي دلوقتي، بعد كل السنين دي.” مريم حطت إيديها في جيب الجاكيت القديم اللي كانت لابساه، وطلعت منه مفتاح صغير، مربوط فيه قطعة معدنية عليها رقم محفور.

 

حطته على الترابيزة. “عشان أنا خدت ده من مكتب أبويا قبل ما أهرب.” سليم بص للمفتاح. “مفتاح إيه؟” “مش عارفة. بس أبويا كان مخبيه في درج سري، وكان كاتب في ورقة صغيرة إن المفتاح ده لازم يفضل معايا لو حصل له أي حاجة.

” سليم مد إيده، لكنه وقف قبل ما يلمسه. “فين الورقة؟” مريم شالت نفسًا متقطعًا. “كانت معايا… بس اختفت.” “اختفت إزاي؟” “قبل ما أهرب من البيت بيوم، دخلت أوضتي ولقيت كل حاجتي متبعترة. الورقة اختفت، لكن المفتاح كان في بطانة الجاكيت، ومحدش خد باله منه.

” سليم بص للمفتاح، وبعدها رفع عينيه ليها. “يبقى اللي بره القسم مش بس عايزين يرجعوكي. هما عايزين يعرفوا المفتاح ده بيفتح إيه.” مريم هزت راسها، ودموعها نزلت من غير صوت. “وأنا خايفة أوي يا سليم.” كانت أول مرة تناديه باسمه من غير تردد.

وأول مرة هو يحس إن خوفها بقى مسؤولية شخصية، مش مجرد جزء من قضية. سليم أخذ نفسًا طويلًا، وقال بحزم: “هنوصل للحقيقة، بس من هنا ورايح مفيش قرارات لوحدك، ومفيش هروب من غير خطة. وأنا هبدأ رسميًا في حماية الأدلة والتحقيق في اللي حصل، ومش هسمح لأي حد يستغل نفوذه عشان يدفن الحقيقة.

” مريم بصتله بشيء بين الأمل والخوف. “حتى لو كان عمي أقوى منك؟” سليم ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ثابتة. “القوة مش في مين عنده فلوس أكتر، القوة في مين يقدر يثبت الحقيقة.” ما كانش يعرف إن الجملة دي هتتحط على المحك في أقل من أربع وعشرين ساعة.

في نفس الوقت، وفي فيلا ضخمة في التجمع الخامس، كان جلال عزام واقف قدام شباك مكتبه، ماسك كوباية قهوة ما شربش منها ولا رشفة. قدامه كان واقف شاب في أوائل التلاتينات، طويل، ملامحه حادة، وبدلته غالية، لكن التوتر واضح في عينيه. ده كان فادي عزام، ابن جلال الوحيد.

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى