
ت بصحى من الفجر عشان أخدمها هي وبنتها، من طبخ لغسيل لتنضيف، وكل ما أحاول أمسك كتابي، تفتعل أي مشكلة عشان تمنعني من المذاكرة. كنت بذاكر بالعافية، وأوقات كتير كنت بنام وكتبي مفتوحة قدامي من كتر التعب، لكن عمري ما استسلمت، لأني كنت عايزة أحقق هدفي، وأحقق أمنية أمي الله يرحمها اللي كانت نفسها تشوفني متعلمة وناجحة.
ولما جبت مجموع عالي في الثانوية العامة، بدل ما ألاقي تشجيع، لقيت مرات أبويا بتقول بسخرية: “يا فرحة ما تمت! يعني هتدخلي الجامعة وتفضلي قاعدة على قلبنا كمان أربع سنين؟!” وقتها جدتي اتدخلت، وأخدتني أعيش معاها، وقالت لأبويا بوضوح إنها هتتكفل بمصاريف تعليمي كلها، وإنه مش مطلوب منه يدفعلي مليم واحد.
ومن يومها، بدأت أعيش شوية من الحياة اللي كنت بحلم بيها. كنت بروح الجامعة، وأرجع أذاكر، وأساعد جدتي في البيت، ولأول مرة حسيت إن ليا قيمة وإن فيه حد شايف تعبي. لكن رغم كل ده، كان جوايا وجع كبير بسبب أبويا، اللي عمره ما سأل نفسه أنا محتاجة إيه، ولا حاول يعوضني عن مو.
ت أمي، ولا حتى رجّعلي دهبها اللي مراتُه أخدته ولبسته كأنه بقى ملكها. كنت بحاول أنسى، وأركز في مستقبلي، لحد ما في يوم جدتي نادتني وأنا قاعدة بذاكر. “تعالي يا شمس، عايزة أتكلم معاكي في موضوع.
” قفلت الكتاب، وروحت قعدت جنبها. “خير يا جدتي؟” مسكت إيدي، وبصتلي بابتسامة حنينة. “في عريس متقدم لك يا حبيبتي، وأنا سألت عليه، والناس كلها بتشكر فيه.” اتكسفت، ونزلت عيني للأرض. “عريس؟! مين يا جدتي؟” “شاب محترم، ومن عيلة كبيرة وكويسة، وعنده شغل ومركزه كويس، والأهم من ده كله إنه معروف عنه إنه راجل يعتمد عليه.
” سكتت لحظة، وبعدها كملت وهي بتضغط على إيدي بحنان. “أنا مش هضغط عليكي في حاجة يا شمس، لكن نفسي أطمن عليكي. أنا كبرت يا بنتي، ومش عايزاكي تفضلي لوحدك في الدنيا.” حسيت بقبضة في قلبي، فمسكت إيدها بسرعة. “بعد الشر عليكي يا تيتة!
ربنا يديكي الصحة وطولة العمر، إنتي لسه هتفرحي بيا وأنا متخرجة، وهتشوفيني وأنا محققة كل اللي بحلم بيه.” ابتسمت، لكن كان في عينيها حزن حاولت تخبيه. “ربنا يفرح قلبك يا بنتي. وأنا مش عايزاكي توافقي على حد لمجرد إني قلتلك إنه كويس.
لازم تكوني مقتنعة ومرتاحة.” سألتها بخجل: “طب هو اسمه إيه؟” قالتلي اسمه، وبعدها حكتلي شوية تفاصيل عنه، لكني مكنتش شوفته قبل كده، ولا حتى اتكلمت معاه. ومع ذلك، وافقت ، لأني كنت واثقة في جدتي، وعارفة إنها عمرها ما هتختارلي حد يأذيني.
وقررت أرجع بيت أبويا عشان أقوله إن فيه عريس متقدملي، وإنه لازم يحدد معاد ويقابله، ويمكن المرة دي يفرح بيا، ويمكن يحس إني بنته اللي من حقها تعيش زي أي بنت في سني. لكن يا ريتني ما رجعت!
أول ما مرات أبويا سمعت بموضوع العريس، وشافت إني ممكن أتجوز وأبدأ حياة جديدة بعيد عنها، ملامحها اتغيرت. كانت بتبصلي بطريقة غريبة، وكأن مجرد فكرة إني أكون سعيدة بقي كابوس بالنسبالها ومع أول الليل، لقيت نفسي قاعدة في ركن الزريبة، ضامة رجليا ، كله بيرتعش من البرد والتعب.
كنت حاولت أفك الحبل اللي رابط إيديا أكتر من مرة، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل، لحد ما حسيت إن قوتي خلاص بتخلص، وإن عيني مش قادرة تفضل مفتوحة أكتر من كده. همست بصوت مبحوح وأنا بعيط: “يا رب، ماليش غيرك يا رب…
إنت عارف إني مظلومة، وعارف إني معملتش حاجة من اللي بيتهموني بيها. يا رب، ابعتلي حد ينقذني من العذاب ده.” حطيت راسي على الحيطة الخشبية، وحاولت أقاوم النوم، لكن التعب كان أقوى مني. كنت عطشانة وجعانة، وإيديا واجعاني من الحبل اللي كان بيقطع جلدي، ووشي لسه بيوجعني من قلم مرات أبويا.
غمضت عيني، وأنا مش عارفة إذا كنت هصحى تاني ولا لأ، وغرقت في نوم من شدة الإرهاق. مش عارفة عدى قد إيه من الوقت، لكن فجأة حسيت بحد بيقرب مني، وصوت خطوات تقيلة بتتحرك وسط التبن.
في الأول افتكرت إن أبويا رجع عشان تاني، فحاولت أتكور على نفسي، لكني مقدرتش أتحرك بسبب الحبل. وبعدين حسيت بإيد بتلمس الحبل اللي رابط إيديا، وبتحاول تفكه بهدوء. فتحت عيني بفزع، ورفعت راسي بسرعة، لكن أول ما شفت الشخص اللي قدامي، اتجمدت مكاني.
كان شاب طويل وعريض قوي، وملامحه وسيمة بشكل لافت. شعره أسود، وعينيه فيها نظرة ثابتة وقوية، وملامحه كلها بتوحي بالهيبة والثقة. كان لابس قميص غامق، وساعة فخمة في إيده، وطريقته في الوقوف لوحدها كانت كفاية تخلي أي حد يحس إنه قدام شخص ليه هبته .
فضل باصصلي باستغراب، وهو بيحاول يفك آخر عقدة في الحبل، وبعدين سألني : “إنتي إيه اللي حابسك هنا؟ ومين اللي رابطك بالشكل ده؟!” بصيتله بخوف، ورجعت ضهري للحيطة، وقلت بصوت ضعيف: “إنت مين؟ وعايز مني إيه؟” رفع عينيه لوشي، ولاحظ آثار الدموع على خدي، والاحمرار اللي حوالين إيديا، فاتغيرت ملامحه.
“أنا سألتك سؤال، ومش معنى إني بفكك إني هأذيكي. اهدي وخدي نفسك.” فضلت باصة له بحذر، وأنا مش عارفة أصدقه ولا لأ. هو لاحظ خوفي، فبعد إيده عني ووقف على مسافة مناسبة، وقال بنبرة أهدى: “بصي، أنا جاي هنا عشان الزريبة دي ومهرفش بوجودك نهائي متخافيش مني .
” عقدت حواجبي باستغراب. “الزريبة؟! هز راسه، وبص حواليه، وبعدها رجع بصلي. “أيوه. أنا اشتريت البهايم اللي موجودة هنا كلها من صاحبها من أسبوع، والنهارده جاي أعاينها بنفسي قبل ما العمال يحملوها وينقلوها للمزرعة عندي جيت من غير ما حد يعرف لاني سمعت عن الراجل صاحبها انه مالوش كلمة وان مراتة ممشيه كلامها عليه وخوفت يغير البهايم ويديني غيرها فجيت مفاجأة لكن أول ما دخلت، لقيتك مربوطة في الركن بالشكل ده.




