
قالت بصوت مرهق:
«صفاء، أنا عايزة أشوفك.»
قلت: «ممكن نتقابل.»
قالت: «لوحدنا.»
وافقت، واتفقنا نتقابل في كافيه هادي قريب من بيتي.
وصلت قبلها بعشر دقايق، وقعدت عند ترابيزة جنب الشباك.
لما دخلت، حسيت إنها كبرت سنين في أيام.
قعدت قدامي، وحطت شنطتها على الكرسي اللي جنبها.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:
«أنا عارفة إنك مش هتصدقي أي حاجة أقولها بسهولة.»
ما رديتش.
كملت:
«أنا كنت خايفة على البيت. أبوكي ما كانش عارف كل التفاصيل، وأنا كنت بحاول أحل المشكلة قبل ما تكبر.»
قلت: «ليه ما قلتيليش؟»
قالت: «لأني كنت عارفة إنك هتسألي عن كل حاجة، وأنا ما كانش عندي إجابات لكل الأسئلة.»
قلت لها:
«وده سبب يخليكي تحاولي تحولي فلوسي من غير إذني؟»
نزلت عينيها.
«لأ.»
كانت أول مرة تقول «لأ» من غير ما تحاول تبرر.
كملت:
«أنا كنت متعودة إنك بتساعديني، وإنك مهما زعلتي بترجعي تقفي جنبنا. وفي اللحظة دي، فكرت إني لو خلصت المشكلة الأول، هقدر أشرح لك بعدين.»
قلت لها:
«إنتِ ما كنتيش بتحاولي تحلي المشكلة بس يا ماما. إنتِ كنتِ بتقرري عني. وده فرق كبير.»
بدأت دموعها تنزل.
«أنا عارفة.»
سألتها:
«ولما قلتي إني مش من العيلة، كنتِ تقصدي إيه؟»
غطت وشها بإيديها.
«كنت عايزة أضغط عليك عشان تدفعي باقي الرحلة. كنت متوقعة إنك هتزعلي وتخرجي شوية، وبعدين ترجعي وتكملي كل حاجة زي كل مرة.»
حسيت بوجع شديد في صدري.
«يعني إنتِ كنتِ عارفة إن الكلام هيوجعني، وقلتيه عشان تتأكدي إني هعمل اللي إنتِ عايزاه؟»
ما ردتش.
فضلت تبكي.
وأنا فضلت أبص لها، مش عارفة أمد إيدي وأطبطب عليها، ولا أقوم وأمشي.
بعد شوية، قالت:
«أنا آسفة يا بنتي.»
كنت مستنية أسمع الاعتذار ده من يوم العشا.
لكن لما سمعته، ما حسيتش إن كل حاجة رجعت زي الأول.
قلت لها:
«أنا مش عايزاكي تتأسفي عشان ترجعي الفلوس أو عشان موضوع البيت. أنا عايزاكي تفهمي إن اللي حصل كسر حاجة بينا، وإن إصلاحها محتاج وقت.»
هزت راسها.
«هستنى.»
وبعدين طلعت من شنطتها ظرفًا صغيرًا، وحطته قدامي.
قلت: «إيه ده؟»
قالت:
«نسخ من ورق كنت محتفظة بيه. أنا عايزاكي تشوفيه، وتديه للمحامية لو محتاجاه.»
ما فتحتش الظرف.
سألتها: «ليه دلوقتي؟»
قالت:
«عشان أنا تعبت من الخوف، وتعبت من إني أفضل أحاول أبرر كل حاجة. مش عارفة إذا كانت الأوراق دي هتصلح اللي حصل، لكن يمكن تساعدكم تعرفوا الحقيقة.»
خدت الظرف، وحطيته في شنطتي.
قبل ما تمشي، وقفت جنبي وقالت:
«صفاء، أنا عارفة إنك مش هتسامحيني النهارده.»
قلت لها:
«أنا ما قلتش إني مش هسامحك. أنا قلت إن الثقة محتاجة وقت.»
هزت راسها، ومشيت.
فضلت قاعدة مكاني لحد ما الكافيه بدأ يفضى.
كنت عارفة إن الاعتذار خطوة، لكن لسه فيه حقائق لازم تظهر.
تاني يوم، أخدت الظرف للمحامية.
فتحناه مع بعض، وبدأنا نراجع الأوراق واحدة واحدة.
كان فيه مراسلات تخص البيت، وإيصالات قديمة، ونسخ من اتفاقات مالية.
وفي آخر الظرف، لقينا ورقة مكتوبة بخط أمي، بتاريخ يرجع لأكتر من سنة.
كانت عبارة عن ملاحظات شخصية عن الالتزامات اللي لازم تتسدد، والمبالغ اللي كانت بتحاول تدبرها.
في وسط الكلام، لقيت اسمي.
وتحته جملة قصيرة:
«صفاء ممكن تساعد بالمبلغ، لكن لازم تعرف التفاصيل وتوافق بنفسها.»
فضلت باصة للجملة.
المحامية قالت:
«الورقة دي مش دليل على إنك وافقتِ على التحويل، بالعكس، هي بتوضح إن والدتك كانت مدركة إن موافقتك مطلوبة. لكن هنحتفظ بيها ضمن المستندات، ونراجعها مع باقي الأوراق.»
حسيت بحاجة غريبة.
جزء مني كان مرتاح إن الورقة بتأكد إن أمي كانت عارفة إن لازم أوافق.
وجزء تاني كان موجوع، لأنها كانت عارفة ده من البداية، ومع ذلك حاولت تمشي الأمور من غيري.
بعد مراجعة إضافية، المحامية طلبت من أمي تقدم توضيحًا رسميًا عن مصدر بعض المستندات وطبيعة الاتفاقات المرتبطة بالبيت.
أمي وافقت.
أما البنك، فاستمر في تحقيقه بصورة منفصلة عن خلافات العيلة.
ما رجعتش أطلب من أمي فلوس، وما حاولتش أستغل الأزمة عشان أنتقم منها.
كل اللي طلبته كان إن أي التزام مالي يخصني يتوقف لحد ما أعرف تفاصيله، وإن بيانات حسابي تفضل تحت سيطرتي وحدي.
وفي نفس الوقت، قررت أتعامل مع مقدم الرحلة بطريقة عملية.
تواصلت مع المنتجع، وطلبت منهم نسخة من شروط الحجز وسياسة الإلغاء، وعرفت إن جزءًا من المبلغ ممكن يرجع، بينما جزء تاني غير قابل للاسترداد حسب موعد الإلغاء.
قدمت طلب الإلغاء باسمي، وطلبت توثيق كل الإجراءات.
ما كانش هدفي أضايقهم، لكن ما كنتش هسيب فلوسي تضيع في رحلة اتقرر استبعادي منها.
بعد أيام، وصلني تأكيد باسترداد جزء من المقدم، مع خصم الرسوم المتفق عليها.
احتفظت بالإيميل، وقفلته.
الموضوع اللي بدأ بإهانة على ترابيزة العشا، خلاني أتعلم أراجع كل حاجة بهدوء، وأفصل بين مشاعري وبين حقوقي.
لكن أكبر تغيير حصل ما كانش في حساب البنك.
كان في طريقة تعاملي معاهم.
عدى شهر.
ما سافرتش معاهم، والرحلة اتلغت بعد ما الأسرة ما قدرتش تستكمل ترتيباتها بالشكل اللي كانوا مخططين له.
ياسر فضل فترة طويلة ما يكلمنيش، وبعدها بعت لي رسالة قصيرة:
«أنا كنت غلطان لما ضغطت عليك. آسف.»
ما رديتش فورًا.
سيبت الرسالة يومين، وبعدها كتبت له:
«أنا مقدرة اعتذارك، لكن محتاجة أشوف تغيير في التصرفات، مش مجرد كلام.»
أما منار، فكانت أول واحدة تيجي تزورني من غير ما تطلب فلوس.
جت يوم جمعة، ومعاها علبة حلويات صغيرة.
قعدنا في الصالة، واتكلمنا عن شغلها وولادها وحاجات عادية.
بعد ساعة، قالت:
«أنا عايزة أقول لك حاجة من غير ما أبرر لنفسي.»
بصيت لها.
قالت:
«أنا اتعودت إنك دايمًا موجودة، وده خلاني أتصرف كأن وقتك وفلوسك متاحين لينا في أي وقت. ولما ماما قالت إن الرحلة للناس اللي تخصنا، أنا ضحكت عشان كنت عايزة أكون في صفها، مش عشان الكلام كان مضحك.»
سكتت شوية، وبعدها كملت:
«أنا عارفة إن ده ما يبررش اللي عملته.»
قلت لها:
«أنا ما كنتش محتاجة منك تدافعي عني طول الوقت. كنت محتاجة بس ما تشاركيش في إهانتي.»
عينيها دمعت.
«أنا آسفة يا صفاء.»
المرة دي، حضنتها.
مش لأن كل حاجة اتصلحت، لكن لأن اعتذارها كان واضحًا، من غير ما تطلب مني أرجع أدفع حاجة أو أتنازل عن حقي.
ولما مشيت، ما طلبتش منها أي وعد.
سيبت الأيام تثبت إذا كانت فعلًا اتغيرت.
بعد شهرين، المحامية اتصلت بيا وقالت إن مراجعة الالتزامات المالية المرتبطة بالبيت وصلت لمرحلة متقدمة، وإن فيه اتفاقًا مبدئيًا لإعادة تنظيم بعض الأقساط، بعد ما اتجمعت المستندات المطلوبة واتحدد حجم المبالغ المستحقة.
ما كانش الحل سهلًا، وما كانش معناه إن كل المشاكل اختفت، لكن على الأقل بقى فيه طريق واضح للتعامل معاها بدل القرارات السرية.
وفيما يخص محاولة التحويل، البنك خلص الجزء الأساسي من مراجعة العملية، وأبلغني بالإجراءات المتاحة لحماية حسابي، مع استمرار التعامل مع أي تفاصيل أخرى من خلال القنوات الرسمية.
ما استلمتش فلوس من حد، وما طلبتش تعويضًا من عيلتي.
كنت عايزة بس أتأكد إن حسابي آمن، وإن محدش يقدر يستخدمه من غير موافقتي.
وفي يوم، وأنا قاعدة في شقتي براجع شغل، جالي اتصال من أبويا.
قال:
«صفاء، أنا عايزك تيجي تتغدي معانا يوم الجمعة.»
سألته: «مين هيكون موجود؟»
قال:
«أنا وأمك ومنار وياسر والولاد. بس لو مش مرتاحة، نقدر نتقابل في أي مكان تاني.»
فكرت شوية.
كان ممكن أرفض، وأقول إن الوقت لسه بدري.
لكن الحقيقة إني كنت وحشني البيت، ووحشني صوت أبويا، وحتى خناقات منار على الأكل، وضحك الأولاد وهما بيجروا في الصالة.
قلت له:
«هآجي يا بابا.»
يوم الجمعة، وصلت البيت قبل معاد الغدا بعشر دقايق.
أمي فتحت الباب.
كانت لابسة فستان بسيط، وشعرها ملموم، ووشها عليه علامات توتر واضحة.
قالت:
«حمد الله على السلامة يا صفاء.»
دخلت، وسلمت على أبويا، وبعدها على منار وياسر.
الولاد جريوا عليَّ، وكل واحد فيهم عايز يحكي لي حاجة.
قعدنا على السفرة.
نفس السفرة اللي من كام شهر اتقال لي عليها إني مش من العيلة.
لكن المرة دي، ما كانش فيه حد بيضحك عليَّ، ولا حد بيحدد لي أنا أنتمي لمين.
أمي كانت بتقدم الأكل، ولما وصلت عند طبقي، وقفت لحظة وقالت:
«أنا عملت لك المحشي اللي بتحبيه.»
بصيت لها، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
«تسلم إيدك يا ماما.»
بدأنا ناكل، والكلام كان هاديًا في البداية.
بعد شوية، ياسر بدأ يحكي موقف حصل له في الشغل، ومنار ضحكت، وأبويا دخل في الكلام.
وللحظة، حسيت إننا رجعنا عيلة عادية.
لكن أنا كنت اتغيرت.
ما بقيتش الشخص اللي هيوافق على أي حاجة عشان ما يزعلش حد.
ولا الشخص اللي هيدفع ويسكت، ويستنى في المقابل كلمة تقدير.
بعد الغدا، أمي طلبت مني أساعدها في ترتيب المطبخ.
دخلنا سوا، وبدأنا نشيل الأطباق.
بعد شوية، قالت:
«صفاء، إنتِ لسه زعلانة مني؟»
حطيت الطبق في الحوض، وبصيت لها.
«أيوه يا ماما، لسه فيه وجع.»
هزت راسها.
«كنت أتمنى تكوني سامحتيني.»
قلت لها:
«المسامحة حاجة، والثقة حاجة تانية. أنا ممكن أسامحك، لكن ده مش معناه إني أرجع أتصرف زي زمان.»
قالت بصوت هادي:
«أنا فهمت.»
وبعدين سكتت لحظة، وأضافت:
«أنا مش هطلب منك فلوس تاني من غير ما أشرح لك كل حاجة، ومش هتصرف في أي حاجة تخص حسابك.»
بصيت لها طويلًا.
«أتمنى يا ماما.»
ما حضنتهاش، وما وعدتهاش إن كل حاجة هترجع زي الأول.
لكن لأول مرة، حسيت إن فيه مساحة للكلام من غير ما أضطر أتنازل عن نفسي.
بعد الغدا بأسبوع، كنت قاعدة في مكتبي، وبراجع إيميلاتي، لما وصلني بريد من المنتجع.
كان عنوانه: «تأكيد استرداد المبلغ المتبقي».
فتحت الرسالة، ولقيت إن المراجعة انتهت، وإن المبلغ المتبقي بعد الرسوم هيتحول لحسابي خلال أيام.
ابتسمت.
ما كانش المبلغ هو اللي فرحني.
كان إحساسي إن الموضوع اللي بدأ بمحاولة استبعادي من رحلة، انتهى وأنا قادرة أقول «لأ» من غير ما أخاف من رد فعلهم.
قفلت الإيميل، ورجعت لشغلي.
بعدها بدقايق، جالي إشعار برسالة من أمي.
«صفاء، أنا عايزة أقول لك إنك مش مجرد بنتي، إنتِ من أهم الناس في حياتي. أنا عارفة إن كلامي وتصرفاتي وجعوكي، ومش هطلب منك تنسي اللي حصل. بس أتمنى تديني فرصة أثبت لك إني اتغيرت.»
قريت الرسالة بهدوء.
وبعدين رديت:
«أنا كمان نفسي علاقتنا تتحسن يا ماما. بس المرة دي، عايزاها تكون مبنية على الاحترام والوضوح، مش على إني أوافق على كل حاجة عشان أفضل جزء من العيلة.»
ردت:
«موافقة.»
حطيت الموبايل جنبي، ورجعت أبص من الشباك.
كان الجو هادي، والشمس داخلة على المكتب، وأنا لأول مرة من سنين مش حاسة إني مطالبة أحل أزمة حد.
مش مطالبة أنقذ ياسر.
ولا أسدد قسط منار.
ولا أوافق على قرار أمي لمجرد إنها أمي.
كنت صفاء.
بنت عندها أربعة وتلاتين سنة، عندها شغلها وبيتها وحياتها، ومن حقها تختار تساعد مين، وإمتى، وبأي قدر.
وفي مساء اليوم نفسه، جالي اتصال من رقم البنك.
الموظف أكد لي إن كل إجراءات تأمين الحساب اكتملت، وإن محاولة التحويل القديمة أُغلقت من ناحية الحساب بعد استكمال الإجراءات المطلوبة، مع احتفاظ البنك بسجلات المراجعة وفقًا لقواعده.
شكرته، وقفلت.
بعدها فتحت درج المكتب، وطلعت ورقة صغيرة كنت كاتباها من سنين، وقت ما كنت بحاول أتعلم أقول «لأ» من غير إحساس بالذنب.
كان مكتوب فيها:
«مش لازم أخسر نفسي عشان أحافظ على رضا كل الناس.»
ابتسمت، وعلقت الورقة على الحيطة قدام مكتبي.
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.
فتحت، لقيت أمي واقفة، ومعاها علبة صغيرة.
قالت:
«كنت معدية من هنا، وجبت لك حاجة.»
دخلت، وحطت العلبة على الترابيزة.
فتحتها، لقيت ساعة يد بسيطة، شبه ساعة قديمة كانت عندها وأنا صغيرة، وكنت بحبها جدًا.
قالت:
«فاكرة لما كنتِ بتقولي إنك عايزة ساعة زي دي؟»
ضحكت بخفة.
«فاكرة.»
قعدنا نشرب الشاي، واتكلمنا عن حاجات بسيطة.
وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب، وبصت لي وقالت:
«صفاء، أنا عارفة إنك بقيتي تحطي حدود، ويمكن ده غريب علينا كلنا، لكن أنا هحاول أحترمها.»
ابتسمت لها.
«وده كل اللي أنا محتاجاه يا ماما.»
خرجت، وقفلت الباب وراها.
رجعت للصالة، وحطيت الساعة على الرف جنب صورتي وأنا طفلة، وصورة تانية لينا كلنا في مناسبة قديمة.
فضلت أبص للصورتين شوية.
ما كنتش عايزة أنسى الأيام الحلوة، ولا أعيش طول عمري شايلة غضب من عيلتي.
لكن كمان ما كنتش مستعدة أرجع لنفس المكان اللي كنت فيه.
ومن يومها، لما حد من أهلي يطلب مني مساعدة، بقيت بسأل عن التفاصيل، وبقرر على أساس قدرتي ورغبتي، مش على أساس الخوف من الزعل.
ولما أمي كانت تحكي عن رحلة الكريسماس اللي ما حصلتش، ما كنتش بفتح الموضوع القديم.
كنت بسمعها، وأرد بهدوء، وأكمل يومي.
لأن الرحلة اللي خسرتها ما كانتش أغلى حاجة عندي.
أغلى حاجة كانت إني أخيرًا فهمت إن الانتماء مش معناه إنك تدفع تمن وجودك وسط الناس.
وإن البيت اللي تحبيه مش لازم يكون المكان اللي تتنازلي فيه عن كرامتك عشان يفضل بابُه مفتوح.
أما أمي، فكانت لسه بتحاول تصلح اللي اتكسر، وأبويا بقى أوضح في موقفه، ومنار بدأت تعتمد على نفسها أكتر، وياسر بطل يتعامل مع مساعدتي كأنها حق مكتسب.
ما بقيناش عيلة مثالية، ولا كل الخلافات اختفت.
لكن بقي فيه حاجة ما كانتش موجودة قبل كده.
بقى فيه حدود واضحة.
وبقى فيه كلام صريح.
وبقيت أعرف إن من حقي أحبهم، وأسامحهم، وأفضل قريبة منهم، من غير ما أسمح لأي حد فيهم ياخد قرارات تخصني بدالي.
وفي أول عيد ميلاد ليا بعد اللي حصل، اتجمعنا كلنا في بيت أبويا.
المرة دي، أمي هي اللي اتصلت بيا قبلها بأيام، وسألتني:
«تحبي تيجي تحتفلي معانا؟»
ضحكت وقلت لها:
«طبعًا يا ماما، دي عيلتي.»
سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت دافي:
«أيوه يا صفاء، إنتِ مننا، وعمرك ما كنتِ غير كده.»
قفلت المكالمة، وفضلت باصة للموبايل شوية.
يمكن الكلمة اللي كنت مستنياها من زمان وصلت متأخرة، ويمكن الجرح محتاج وقت أطول عشان يخف.
لكن المرة دي، أنا ما كنتش محتاجة الكلمة دي عشان أعرف قيمتي.
كنت عارفاها من غير ما حد يقولها.
وفي يوم الرحلة اللي كان المفروض نسافر فيه، كنت قاعدة في شقتي، قدامي فنجان قهوة، وببص على صور البحر اللي كنت بحلم أشوفه من زمان.
فتحت موقع السفر، واخترت وجهة جديدة، وحددت الميعاد اللي يناسبني.
حجزت الرحلة باسمي، من حسابي، وبقراري أنا.
ولما وصلت رسالة تأكيد الحجز، ابتسمت وأنا بقول لنفسي:
«المرة دي، الرحلة دي ليا أنا.»
وبعد أسبوع، وأنا في المطار، موبايلي نور برسالة من أمي:
«توصلي بالسلامة يا حبيبتي، واستمتعي بكل لحظة.»
ابتسمت، وكتبت لها:
«حاضر يا ماما، أول ما أوصل هطمنك.»
وبعدين قفلت الموبايل، وشلت شنطتي، ومشيت ناحية بوابة السفر.
المرة دي، ما كنتش ماشية وأنا بهرب من وجعهم.
كنت ماشية وأنا رايحة أعيش حياتي.
ولأول مرة من سنين طويلة، ما كنتش مستنية حد يسمح لي أحس إني أنتمي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




