
لا رحمة ولا أصل. باع الشقة لنفسه بتوكيل رسمي بالبيع للنفس والغير، ومن يومها مبقاش في مريم الزوجة… بقى في مريم الشغالة اللي بتصرف على البيت من مرتبها المحاسبي الهزيل، وتتحمل قلة الأدب عشان مفيش مكان تاني تروحه، ولا أهل تلجأ لهم.
أنت فين يا طارق؟ كان عندك حق… سامحني يا أخويا.
الهمسة دي طلعت من قلبها، دافية وسط البرد، وتاهت في هوا الليل.
في نفس الدقيقة دي بالظبط، عند مخرج صالة 3 في مطار القاهرة الدولي، كانت في عربية مرسيدس سودا وافية مستنية على جنب.
طارق نزل من بوابة الخروج. مكنش نفس الشاب اللي سافر من أربع سنين ودموعه محپوسة في عينه من قهرته على أخته. السنين اللي قضاها في شركات التأمين الدولي وعقود الحراسات في دبي وبغداد نحتت ملامحه نحت. دقنه كانت مشذبة بدقة، جسمه بقى أضخم وكتفه عريض زي الباب، ولابس جاكيت جلد تقيل فوق قميص رمادي. عينيه، اللي كانت زمان بتلمع بطيبة مهندس ميكانيكا هادي، بقت حادة ومركّزة زي الصقر، بتقرا كل حركة حواليه من غير ما يرمش.
في إيده الشمال كان ماسك شنطة سفر صغيرة، وتحت
دراعه اليمين فايل جلد أسود، منفوخ أوراق وشهادات ودمغات رسمية ومختوم بخاتم نسر بارز.
أول ما طلع، شاب لابس بدلة كحلي نزل من العربية وجري عليه حمد الله على السلامة يا كابتن طارق. نورت مصر.
طارق مد إيده وسلم بقوة، صوته كان هادي ورخيم الله يسلمك يا رامي. جهزت كل اللي طلبته منك؟
رامي فتح له باب العربية الخلفي وقال وهو بيهز راسه كله على مية بيضا يا باشا. الأستاذ فريد المحامي اشتغل على الملف ده تلت شهور متواصلة، وجاب أصل الأصول. كل حركة، كل تحويل بنكي، وكل ورقة اتسجلت باسم المدعو هشام طلعت من الدفاتر القديمة. الراجل ده مفكر نفسه فهلوي، بس الغبي ساب وراه خيوط تفضحه وتوديه ورا الشمس.
طارق ركب وقفل الباب وراه برزعة مكتومة. فتح الفايل تحت نور الصالون الخفيف بتاع العربية. بص على صورة عقد بيع قديم، وتواريخ، وكشف حساب بنكي راجع لسنة قبل جواز أخته. عروق إيده برزت وهو بيضغط على الورق. همس بين سنانه خمس شهور… الكلب كان مجهز الڼصبة قبل ما يقرأ فاتحتها بخمس شهور.
رامي بص في مراية العربية وسأل هنطلع على الأوتيل الأول
تريح من السفر يا كابتن؟ الطريق كان طويل وأنت بقالك يومين مانمتش.
طارق رفع عينه في المراية، ونظرة واحدة منه خلت السواق يبلع ريقه على مصر الجديدة يا رامي. على عمارة والدي الله يرحمه. الليلة دي مش هتعدي غير لما كل واحد في البيت ده يعرف مقامه وحجمه الحقيقي.
العربية شقت طريق المطار، سرعتها بتزيد مع كل كوبري، متجهة لنفس الشارع اللي مريم واقفة في بلكونته.
الساعة دقت اتناشر ونص بعد نص الليل.
مريم كانت لسه واقفة في البرد لما صوت حماتها زعق من وراها وقطع حبل أفكارها إنتِ يا بت يا مريم! ادخلي جوة واقفلي الهبابة دي، الهوا ھيموتنا برد! ولا هو دلع وخلاص عشان بكرة عيد ميلادك الهباب؟
مريم اتنهدت وفتحت درفتين الألوميتال ودخلت. الصالة كانت مقلوبة؛ قشر لب واقع على السجادة التبريزي بتاعة أمها، كوبايات شاي فاضية ملطشة على ترابيزة الصالون المدهبة، وسجاير هشام مطفية في طبق فاكهة كريستال كان أبوها جايبه من فرنسا.
هشام بص لها من فوق لتحت بنظرة استحقار، وهو بيهز رجليه ما تعمليلنا شاي يا سنيورة. ولا خلاص بقيتي ضيفة عندنا وناقص
نجبلك شربات؟
ت بصوت مبحوح وواطي أنا تعبانة يا هشام، وصاحية من ستة الصبح، وإيدي اتلسعت في المطبخ…
شيماء، أخته، قاطعتها بضحكة مياعة يا حراااام! اتلسعت البت! ما تنشفي كده يا مريم، هو إنتِ هتعملي فيها هانم وبنت ناس؟ ما إحنا عارفين البير وغطاه، أحمدي ربنا إننا صابرين عليكي وسايبينك عايشة في وسطنا بعد ما بقيتي حيلتك مفيش.
حنان، الحما، كملت وهي بتعدل طرحتها بتبجح لو مش عاجبك إننا بنقولك يا بهيمة ولا بنطلب شاي، الباب يفوت جمل يا روح أمك! الشقة دي خلاص، بح، بقت باسم ابني حر مال، ومن حقه يرميكي في الشارع بهدومك دي دلوقتي ومن غير مليم، وتلفي على المحاكم زي الشحاتين!
الكلمة نزلت على مريم زي مية الڼار. زي الشحاتين في ملك أبوها!
الډم غلي في عروقها فجأة، ڠضب تلت سنين اتجمع في ثانية واحدة. حست بكهربا بتمشي في صوابعها. طلعت موبايلي من جيب البيجامة الواسعة، شاشته مکسورة وعليه لزقة قديمة. صوابعها اتحركت على الشاشة، مش عشان ترن على حد، هي مكانتش عارفة أصلاً بترن على مين، مكنش عندها حد ترن عليه. كانت مجرد حركة عصبية من العجز، حركة
إيد بتدور على أي حبل نجاة حتى لو كان قشاية.
هشام ضحك بصوت عالي، ضحكة صفرا مستفزة، وقام وقف بتطلعي التليفون تعملي إيه يا خايبة؟ هترني على مين؟ على طارق حبيب قلبك اللي رماكي وسافر وسابك تشحتي الحنية؟ ما هو باعك وخلع لما لقاكي غبية!
مريم فتحت بقها عشان تصرخ، كانت هتقول حاجة، كانت هتدعي عليهم، كانت هتطلع كل القهر اللي خنقها…
بس في اللحظة دي بالظبط، الحيطان كلها اتهزت.
خبطتين.
مش خبطة جرس، ولا خبطة إيد عادية. خبطة قبضة إيد تقيلة على خشب الباب المصفح. الصوت كان عامل زي رصاصتين ضربوا في قلب الشقة. الصوت كان فيه ڠضب وعڼف خلى الصالة كلها تسكت في ثانية. كوباية الشاي اللي في إيد شيماء اتهزت ووقعت نقط منها على بنطلونها.
حنان اتخضت وحطت إيدها على صدرها بسم الله الرحمن الرحيم! مين قليل الأدب اللي بيهبد كده على نص الليل؟
هشام بربش بعينيه، بص ناحية الباب بنرفزة عشان يداري الخۏف اللي نط في قلبه فجأة. عدل التيشيرت بتاعه ومشى بخطوات سريعة ناحية الباب، وهو بيبرطم مين الحمار اللي برة ده؟ ده أنا هكسر دماغه ودماغ اللي باعتينه!
هشام حط إيده على المقبض وشده بقوة وفتح الباب على آخره وهو بيزعق أنت يا بني آدم، إنت فاكر نفسك فين…
الكلام وقف في زوره. كأنه بلع لسانة.
الهوا اللي كان داخل من الطرقة كان ساقع، والراجل اللي كان واقف برة كان سادد فتحة الباب كلها بجسمه. النور بتاع لمبة السلم كان ضارب في ضهره، فعامل له هيبة وظل طويل مغطي الصالة كلها.
مريم، اللي كانت واقفة بعيد جنب السفرة، ركبتها خابت لما شافت الملامح. النفس اتقطع من صدرها.
طارق.
أخوها.
طارق مكنش باصص لهشام حتى. عينيه كانت متثبتة على مريم. شاف وشها الباهت، الهالات السودة اللي تحت عينيها، كف إيدها اللي محروق، والكسرة اللي مغطية ملامحها الحلوة اللي سرقوها منها. عينين طارق اتحولت لجمر والعضلات اللي في فكه اتشنجت.
هشام رجع خطوة لورا ڠصب عنه، كأنه شاف عفريت، ريقه نشف وصوته طلع مخڼوق ومړعوپ ط… طارق؟
طارق ما ردش بكلمة. مد إيده وزق كتف هشام زقة خفيفة، بس كانت كفاية تطير هشام مترين لورا ويخبط في جدار الصالة من غير توازن.
طارق دخل جوة، وقفل الباب وراه برزعة هادية، بس تكت القفل
بالترباس عملت
صوت رن في ودان الكل. مشى بخطوات تقيلة، حذائه بيعمل صوت منتظم على الباركيه. شيماء وحنان انكمشوا على الكنبة زي الفيران لما تشوف قط، مكنوش مصدقين إن ده نفس الشاب الهادي بتاع زمان.
طارق وصل لحد السفرة الكبيرة. مسك الفايل الجلد الأسود اللي في إيده، ورماه على الترابيزة.
الفايل خبط في الخشب بصوت مكتوم، الورق الأبيض اللي جواه اتفركش
شوية وخرجت منه صور شيكات بنكية وتوكيلات رسمية وعقود بيع.
طارق حط إيديه الاتنين على الترابيزة، وميل بجسمه لقدام، وبص لهشام اللي كان ساند على الحيطة وعينيه بتزوغ في كل حتة.
الصمت كان خانق، ومفيش صوت غير صوت نفس طارق الهادي والمرعب.
طارق شاور بصباعه على الورق، وبص لهشام في عينيه بنظرة تخلع القلوب، وسأل بنبرة تلج
سؤال واحد بس
يا هشام، وعايز إجابته قبل ما أبدأ أعدل مايل البيت ده… هو إنت جهزت ورق الڼصبة والتوكيل المزور ده مع المحامي صاحبك قبل فرحكم بخمس شهور ليه بالظبط؟ كنت مستعجل على ورثنا للدرجة دي؟
هشام وشه بقى أبيض زي الجبس، وعينيه اتسعت كأن ملك المۏت واقف قدامه. وحنان وشيماء بصوله بذهول وړعب، مستنيين الكدبة اللي هتنقذهم، بس مكنش في كدب ينفع
خلاص.




