روايات وقصص

زهرة الربيع

وقف على حيله وفضلت شفايفه تتهز:
– “أنتِ.. أنتِ عملتي تحليل؟ جبتي العينات دي منين؟”
قربت منه وشديته من باب القميص وأنا بصرخ بانهيار:
– “انطق يا أيمن! سيف ابن مين؟! التحليل بيقول إن ياسين ابنك وسيف مش ابنك! يعني إيه؟! أنت عملت إيه يوم الولادة؟! المستشفى عملت إيه؟”
أيمن اتراجع لورا وقعد على الكنبة ودفن وشه بين إيديه.. الصوت اللي طلع منه كان شهقة خوف، مش غضب!
– “استهدي بالله يا شيرين.. والله العظيم أنتِ شريفة.. والله العظيم ما شكيت فيكي لحظة!”
– “أومال إيه دااااا؟! فهميييييني!”
رفع راسة وعينيه دموعها نازلة زي المطر، ونبرة صوته مكسورة:
– “سيف.. سيف مش ابننا إحنا الاتنين يا شيرين!”
الكلمة نزلت عليا زي الطوب.. اتسمرت مكاني:
– “يعني إيه؟ أنت بتقول إيه؟ أنا ولدته! أنا شايلاه في بطني 9 شهور!”
أيمن مسك إيدي وهو بينتحب:
– “افهميني.. أنتِ حملتي في توأم فعلاً.. بس بعد الشهر الثالث، الدكتور قالي في سرك إن واحد من التوأم نموه وقف.. ونبضه وقف في بطنك.. مات يا شيرين!”
عقلي وقف.. عيني زغللت:
– “مات؟! أومال مين دا؟!”
– “أمي.. أمي هي السبب!”.. كمل أيمن وهو بيترعش: “لما الدكتور قالنا إن طفل مات وطفل واحد بس اللي هيكمل، أمي جالتها حالة جنون.. قالتلي أخوك مات من سنتين وساب مراته حبلة، ولما ولدت جابت ولد ومات بعد ساعتين.. أمي كانت متفقة مع دكتورة وصاحبة حضانة.. يوم ولادتك، لما نزل ياسين ضعيف ونزل الطفل الميت.. أمي أخدت الطفل الميت ودفنته من وراكي.. وجابت ابن أخويا الله يرحمه! الولد اللي مراته كانت مخلفاه في نفس اليوم وبتموت في غرفة ثانية في نفس المستشفى!”

أنفاسي اتجمعت في زوري..
– “يعني.. يعني سيف.. ابن أخوك الميت؟!”
– “أمي كانت عاوزة اسم أخويا يفضل عايش، وعاوزة تفرحني بتوأم.. وجابت لي ابن أخويا اللي أمه ماتت بعد ولادته بساعة، وبدلوه بالطفل الميت بتاعنا.. وكتبناه باسمنا في أوراق المستشفى بفلوس ورشوة للدكتورة!”
بصيت له وأنا مش مصدقة حجم البشاعة:
– “عشان كدة.. عشان كدة أنت وأمك كنتم طايرين بسيف؟ عشان ابن أخوك الميت؟ ورميتم ابني أنا؟! ابني اللي طلع من أحشائي حقيقي؟! هانت عليكم روحه عشان طفل متأجر ومتبدل؟!”
أيمن مسك رجلي وهو بيبكي:
– “كنت خايف أقولك تتجنني.. كنت فاكر إني هعرف أعدل بينهم، بس أمي كانت كل يوم تضغط عليا.. سامحيني يا شيرين.. أرجوكي ما تفضحنيش!”

تراجعت لورا وأنا بصلة بقرف.. مسحت دموعي بإيد بتترعش بس قوية.. وبصيت لأيمن:
– “الورق دا.. بكرة الصبح هيكون قدام النيابة العامة.. أنت وأمك والدكتورة هتشوفوا الشمس من ورا القضبان.. وياسين ابني.. مش هيشوف وشك تاني لحد ما يموت.”
جريت على الأوضة، جيبت شنطة كبيرة، وبدأت ألم فيها هدوم ياسين وهدومي. أيمن حاول يقف في وشي عند باب الشقة، رفعت تليفوني في وشه وقلت:
– “خطوة واحدة كمان وهكون متصلة بالشرطة!”
اتراجع خطوة لورا. فتحت باب الشقة ونزلت السلم وأنا مش شايفه قدامي من الدموع.. دموع القهرة والعصبية، بس جوايا قوة عمرها ما كانت عندي قبل كدة.

وصلت بيت أختي، وقعدت معهم وحكيت كل حاجه بالورق والتحليل. تاني يوم الصبح بدري، كنت واقفة قدام مكتب وكيل النيابة مع المحامي، ومعايا تقرير الـ DNA، والورق اللي يثبت كل حاجة. المعركة كانت صعبة وموجعة، وفي خلال أسبوعين، كانت النيابة جابت الدكتورة وأيمن وحماتي، واتكشفت كل أوراق التزوير، وحق ياسين رجع له قدام الدنيا كلها، وسيف أتاخد بحكم قضائي ورعاية قانونية عشان يثبت نسبه لأبوه وأمه الحقيقيين. أما أيمن وأمه.. فكان مكانهم الطبيعي ورا القضبان. وأنا طلقت من أيمن بحكم محكمة، ورفعت قضايا نفقة وحضانية، وقدرت أقف على رجلي من تاني وأشتغل في حضانة خاصة.

السنوات مرت.. ياسين بقى عنده ست سنين، والنهاردة كان أول يوم ليه في المدرسة. كنت واقفة قدام باب المدرسة ماسكة إيده الصغننة، لابس الزي الجديد وشايل شنطته، ووشه منور بالضحكة.
حضنني بقوة وطبع بوسة بريئة على خدي قبل ما يجري يدخل من الباب مع باقي الأطفال.
فضلت واقفة مكاني بتابعه بعيني لحد ما اختفى جوة المبنى. تنهيدة راحة طلعت من صدري بعد مشوار طويل من التعب والجري في المحاكم. قدرت أربيه لوحدي، اشتغلت وكافحت لحد ما بقيت مديرة حديقة أطفال كبيرة، وأمنت له عيشة كريمة.

وأنا راجعة، تليفوني رن.. رقم غريب. رديت بنبرة هادية:
– “ألّو؟”
جالي صوت ست كبير في السن، صوت مكسور ومجهد بالبكاء.. صوت أنا مستحيل أنساه:
– “شيرين.. يا بنتي..”
كانت حماتي. بعد ما قضت عقوبتها هي وابنها وخرجوا من السجن، الدنيا دارت بيهم وداس عليهم الزمان. العيلة اتفككت، وأيمن شغله راح.
كملت هي بصوت بيبكي بحرقة:
– “أنا عارفة إني مالياش عين أكلمك.. بس أنا كبرت وعييت يا بنتي، وأيمن مكسور وضهره انحنى.. نفسي.. نفسي بس ألمح ياسين من بعيد قبل ما أقابل ربنا..”
فتحت عيني وبصيت للسما، وبصوت ثابت وقوي:
– “يا أم أيمن.. الحقوق اللي بيننا والقانون أخد مجراه وخلاص.. أنا مش حاقدة عليكم، ولا بكرهكم.. أنا نسيتكم أصلاً وعايشة لابني.. بس ياسين مش ملكي عشان أسامح بداله، وياسين كبر وعارف إن أمه حمت جمرته ودافعت عنه.. سيبوه يعيش نضيف، بعيد عن القذارة والكدب اللي كنتم عاوزين تغرقوه فيها.”
قفلت الخط في وشها من غير ما أستنى رد.. وركبت عربيتي وابتسمت ابتسامة صافية.

وقفت قدام باب المدرسة والساعة بتدق واحدة.. الباب اتفتح والعيال طالعة. عيني كانت بتدور عليه لحد ما لمحته.. ياسين طالع جري، وأول ما شافني صرخ بأعلى صوته:
– “ماماااا!”
جري اترصخ في حضني، طوقت جسمه الصغير بأيدي وبوسته في خدوده بكل حب الدنيا.
مسك إيدي بلهفة وبدأ يحكي لي على أصحابه الجداد. وأحنا ماشيين، حسيت بخطوات تقيلة ورايا.. لفيت وشي بالراحة.. لقيت أيمن واقف على بعد كام متر. شكله كان يوجع القلب.. هدومه دبلانة، وشه شاحن، وعينيه زايغة من الكسرة وخجل. كان واقف مستخبى ورا شجرة، بيبص لياسين ونظرة الشوق ماليانين عينيه.
ياسين حس بإيدي اتشدت، بص لأيمن باستغراب وقال لي:
– “ماما.. هو الراجل دا بيبص لنا كدة ليه؟ هو يعرفنا؟”
الكلمة نزلت على أيمن زي الصاعقة.. “الراجل دا”! ابنه من صلبه ودمه، اللي رماه وفضل عليه طفل متبدل، مش عارفه ولا فاكره!
أيمن خطى خطوة ناحيتنا بضعف وشفايفه بتهتز:
– “شيرين.. أنا..”
رفعت إيدي في بجمود وثبات، وبصيت له بنظرة مفيهاش حتى غضب.. كان فيها مجرد جفاف تام. بصيت لياسين وابتسمت له بنور:
– “لا يا حبيبي.. دا واحد مشبه علينا مش أكتر. يلا بينا عشان نعمل الغدا اللي بتحبه.”
مسكت إيد ياسين وكملت مشي من غير ما ألتفت ورايا خطوة واحدة. سمعت صوت شهقة مكتومة من أيمن وهو بيقعد على الرصيف وبيدفن وشه بين إيديه.. بس رجلي ما اتعطلتش.

ركبنا عربيتنا، وياسين قعد جنبي يغني. بصيت له في المراية، وحسيت إني أخيرًا قفلت الكتاب القديم بالضبة والمفتاح. الماضي بكل قذارته ودنسه اتدفن تحت رجلين الحقيقة، والحاضر مفيش فيه غيري أنا وابني.. حتة مني أصلها طيب، كبرت في النور ورجعت لي حقي وحق الأمومة اللي حاولوا يسرقوه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى