روايات وقصص

زعيم المافيا

 

وجابر كان يبتسم ويقول:

 

— ابنك.

 

والرجل العجوز يضحك.

 

— أنا عندي ابن؟

 

— آه.

 

— فين؟

 

— قدامك.

 

ومع الوقت، بقى أبوه يفتكره أكتر.

 

وفي يوم، جابر أخده للمطعم.

 

دخل الرجل العجوز وهو ماسك عصايته.

 

بص للمكان.

 

وبعدين شم ريحة الأكل.

 

وقف فجأة.

 

— اليخنة.

 

جابر ابتسم.

 

— لسه فاكر؟

 

الرجل قال:

 

— روزا كانت بتعملها.

 

نور خرجت من المطبخ.

 

أول ما شافها، ابتسم.

 

— إنتِ نور؟

 

قالت:

 

— أيوه.

 

— كنت عارف إني هشوفك.

 

نور استغربت.

 

— إزاي؟

 

قال:

 

— روزا كانت بتقول إنك هتبقي أهم شخص في حياة جابر.

 

جابر بص له بسرعة.

 

— قالت لك كده؟

 

ضحك الرجل.

 

— كانت شايفة حاجات إحنا ماكناش شايفينها.

 

نور بصت لجابر.

 

هو بص بعيد.

 

لكن ابتسامته فضحته.

 

بعدها قعدوا كلهم على نفس الترابيزة.

 

نور حطت الأكل.

 

والرجل العجوز أكل أول معلقة.

 

وبعدها سكت.

 

دموعه نزلت.

 

جابر قال:

 

— وحشة؟

 

هز راسه.

 

— لا.

 

وأخذ معلقة تانية.

 

— دي طعمها زي زمان.

 

جابر ابتسم.

 

— أنا كنت فاكر إني الوحيد اللي فاكر.

 

أبوه قال:

 

— الذكريات الحلوة عمرها ما بتروح.

 

وسكت لحظة.

 

— إحنا بس ساعات بنحاول نهرب منها.

 

الجملة أثرت في جابر.

 

فضل ساكت طول الوجبة.

 

بعد ما مشي أبوه، قعد جابر في نفس المكان.

 

نور حطت قدامه كوب شاي.

 

قال لها:

 

— عارفة أنا كنت فاكر إيه طول عمري؟

 

— إيه؟

 

— إني لازم أبقى أقوى واحد في المكان عشان محدش يقدر يأذيني.

 

— ودلوقتي؟

 

— دلوقتي فهمت إن القوة مش إن الناس تخاف منك.

 

— أمال إيه؟

 

بص لها.

 

— إنك تقدر تقول إنك خايف.

 

نور ابتسمت.

 

— اتعلمت ده منين؟

 

— من طبق يخنة.

 

ضحكت.

 

— بقى الأكل هو اللي علمك كل حاجة؟

 

— الأكل، وروزا، وإنتِ.

 

سكتت نور.

 

جابر قال:

 

— لو ما دخلتش المطعم ده الليلة دي، كان زماني لسه عايش في قصر كبير ومش قادر آكل لقمة.

 

— بس دخلته.

 

— أيوه.

 

— يبقى الحمد لله.

 

هز راسه.

 

— الحمد لله.

 

مرت الشهور.

 

وبدأ جابر يشتغل على مشروع جديد.

 

مشروع كان مختلف تمامًا عن كل اللي عمله قبل كده.

 

فتح مطاعم صغيرة في مناطق شعبية.

 

كان هدفه إن الأكل يكون بأسعار بسيطة.

 

وكان شرطه الوحيد إن كل مطعم يبقى فيه وجبة يومية مجانية لأي شخص محتاج.

 

ولما سأله واحد من الصحفيين:

 

— ليه عملت المشروع ده؟

 

جابر قال:

 

— عشان مرة كنت أنا اللي محتاج طبق أكل، ومحدش عرف يساعدني.

 

الصحفي سأله:

 

— تقصد إنك كنت فقير؟

 

جابر ابتسم.

 

— لأ.

 

— أمال؟

 

— كنت فقير في الثقة.

 

الصحفي ما فهمش.

 

لكن نور فهمت.

 

كانت واقفة بعيد.

 

ابتسمت.

 

جابر كان لأول مرة بيحكي عن نفسه من غير ما يحاول يخبي حاجة.

 

بعد فترة، اتفتح فرع جديد للمطعم.

 

وعلى الباب اتحطت لوحة صغيرة:

 

“مطاعم روزا — الأكل حق لكل إنسان.”

 

وفي الافتتاح، جابر وقف قدام الناس.

 

ماكانش لابس بدلة غالية.

 

ولا كان حواليه رجال كتير.

 

كان لابس قميص بسيط.

 

وقال:

 

— أنا كنت فاكر إن الناس كلها عايزة مني حاجة.

 

— فلوس.

 

— سلطة.

 

— خوف.

 

— ولما بقيت أشك في كل حاجة، اكتشفت إني خسرت أهم حاجة.

 

سكت.

 

— الأمان.

 

وبعدين بص لنور.

 

— في ليلة، بنت بسيطة عملتلي طبق أكل.

 

— الطبق ده ما أنقذش بطني.

 

— أنقذني أنا.

 

الناس صقفت.

 

نور نزلت عينها من الإحراج.

 

جابر كمل:

 

— عشان كده المكان ده مش مشروع بالنسبالي.

 

— ده رد جميل لست اسمها روزا.

 

وبص للصورة المعلقة على الحائط.

 

صورة قديمة لروزا.

 

— ولناس كتير ساعدوني وأنا ماكنتش حتى عارف.

 

بعد الافتتاح، نور دخلت المطبخ.

 

لقيت جابر وراها.

 

قال:

 

— محتاجك.

 

— في إيه؟

 

طلع من جيبه مفتاح صغير.

 

حطه قدامها.

 

— ده مفتاح المكان.

 

بصت له.

 

— يعني؟

 

— المطعم القديم.

 

— وإنت؟

 

— هفضل موجود.

 

— طب المفتاح ليه؟

 

— عشان لو في يوم أنا ماقدرتش أرجع، يبقى المكان يفضل مفتوح.

 

نور بصت له.

 

— إنت ناوي تسافر؟

 

— لأ.

 

— أمال؟

 

ابتسم.

 

— بس اتعلمت إن الدنيا مش مضمونة.

 

نور أخذت المفتاح.

 

وقالت:

 

— هفضل فاتحاه.

 

— وعد؟

 

— وعد.

 

ومرت سنتين.

 

كان المطعم القديم بقى أشهر من أي وقت فات.

 

مش بسبب جابر.

 

ولا بسبب حكايته.

 

لكن بسبب الأكل.

 

وبسبب إن أي حد يدخل وهو محتاج، كان يلاقي طبق مستنيه.

 

أم أرملة.

 

شاب لسه بادئ حياته.

 

عامل يوميته خلصت.

 

طفل جعان.

 

كلهم كانوا بياكلوا.

 

وكان جابر دايمًا يقول:

 

— محدش يسأل حد محتاج ليه.

 

في يوم شتوي، دخلت بنت صغيرة المطعم.

 

كانت واقفة جنب الباب ومش عارفة تطلب.

 

نور قربت منها.

 

— عايزة تاكلي؟

 

البنت هزت راسها.

 

نور قعدتها.

 

حطت قدامها طبق.

 

جابر كان قاعد في الركن.

 

بص للمشهد.

 

البنت بدأت تاكل بسرعة.

 

جابر نادى نور.

 

— تعالي.

 

راحت له.

 

قال:

 

— شايفة؟

 

— شايفة إيه؟

 

— أنا كنت مكانها.

 

نور بصت له.

 

— إمتى؟

 

— وأنا صغير.

 

— كنت بتاكل بسرعة كده؟

 

ضحك.

 

— أسرع.

 

وبعدين قال:

 

— روزا كانت بتقولي كل لقمة براحة.

 

نور قالت:

 

— وإنت ماكنتش بتسمع كلامها؟

 

— كنت بسمع.

 

— وبعدين؟

 

— بعد ما كبرت، نسيت.

 

— دلوقتي افتكرت.

 

— أيوه.

 

سكتوا.

 

المطر كان بينزل برا.

 

جابر بص للشباك.

 

لكن المرة دي ماكانش فيه خوف.

 

بس ذكرى.

 

وبعدين قال:

 

— نور.

 

— نعم؟

 

— لو روزا كانت قدامنا دلوقتي، كنتي هتقولي لها إيه؟

 

نور سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

— كنت هقول لها شكرًا.

 

— وأنا كمان.

 

— على إيه؟

 

— إنها ما سابتنيش وأنا طفل.

 

نور ابتسمت.

 

— هي ما سابتكش.

 

— عارفة.

 

— حتى بعد ما ، فضلت تحاول ترجعك لنفسك.

 

جابر هز راسه.

 

— عشان كده أنا متأكد إنها كانت عارفة إنك هتعملي اليخنة دي.

 

نور ضحكت.

 

— إنت لسه مصدق إن الموضوع كان صدفة؟

 

جابر بص لها.

 

— لأ.

 

— وأنا كمان.

 

وسكتوا.

 

لأن الحقيقة إن بعض اللقاءات بتبان صدفة.

 

لكن لما تبص وراها، تكتشف إن كل خطوة كانت بتقود للخطوة اللي بعدها.

 

لو جابر ما كانش خاف من الأكل، ماكانش دخل المطعم.

 

ولو ما دخلش المطعم، ماكانش قابل نور.

 

ولو ما أكلش اليخنة، ماكانش افتكر روزا.

 

ولو ما افتكرش روزا، ماكانش دور على الماضي.

 

ولو ما دورش، ماكانش لقى أبوه.

 

ولو ما لاقاش أبوه، كان ممكن يفضل طول عمره شايل غضب على ناس كتير من غير ما يعرف الحقيقة.

 

لكن طبق بسيط غيّر طريق حياة كاملة.

 

بعد سنوات، بقى جابر يقعد في المطعم كل يوم جمعة.

 

مش عشان ياكل.

 

عشان يشوف الناس.

 

كان بيحب يشوف طفل بيضحك.

 

ست كبيرة بتاخد وجبتها.

 

شاب بيدفع حساب شخص مايعرفوش.

 

كان كل مرة يشوف حد يعمل خير، يبتسم.

 

وفي آخر كل يوم، كان يدخل المطبخ.

 

يمسك المعلقة.

 

يدوق اليخنة.

 

ولو نور موجودة، يقول:

 

— ناقصها حاجة.

 

فتقول:

 

— إيه؟

 

— رشة ملح.

 

فتقول:

 

— كل مرة نفس الكلمة.

 

فيرد:

 

— عشان أشوفك هتصدقي ولا لأ.

 

فتضحك.

 

وفي ليلة من الليالي، نور دخلت المطعم متأخرة.

 

لقيت جابر قاعد لوحده.

 

قدامه دفتر قديم.

 

قربت منه.

 

— بتعمل إيه؟

 

قال:

 

— بكتب.

 

— إيه؟

 

قفل الدفتر.

 

— حاجات ماعرفتش أقولها زمان.

 

— لمين؟

 

قال:

 

— لنفسي.

 

سكتت.

 

وبعدين قال:

 

— عارفة إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟

 

— إيه؟

 

— إني قضيت سنين بحاول أخوف الناس بدل ما أطلب منهم يطمنوني.

 

نور قالت:

 

— يمكن لو كنت طلبت، ماكنتش لقيت.

 

— يمكن.

 

— بس دلوقتي لقيت.

 

بصلها.

 

— أيوه.

 

نور حطت إيدها على الدفتر.

 

— طب اكتب دي.

 

— إيه؟

 

— “أنا أخيرًا بقيت بخاف من فقدان الناس أكتر من خوفي منهم.”

 

جابر ابتسم.

 

— دي حلوة.

 

كتبها.

 

وبعدين قفل الدفتر.

 

في اللحظة دي، عم صبري خرج من المطبخ.

 

— الأكل جاهز.

 

جابر قال:

 

— نور تعمل لي الطبق.

 

عم صبري ضحك.

 

— ما هي طول عمرها بتعمله.

 

جابر رد:

 

— وأنا طول عمري هفضل أطلبه منها.

 

نور بصت له وضحكت.

 

حطت الطبق قدامه.

 

جابر أخذ المعلقة.

 

لكن قبل ما يأكل، وقف لحظة.

 

بص للطبق.

 

وبص لنور.

 

وقال:

 

— فاكرة أول مرة قلتي لي “الأكلة دي مفيهاش حاجة تخوف”؟

 

— أيوه.

 

— كنتي بتكدبي.

 

نور ضحكت.

 

— ليه؟

 

— كان فيها حاجة تخوف.

 

— إيه؟

 

قال:

 

— كانت بتخوفني من إني أفضل طول عمري عايش لوحدي.

 

نور سكتت.

 

جابر أخذ أول معلقة.

 

أكل.

 

وبعدين ابتسم.

 

المطر بدأ ينزل برا.

 

وصوت المطر خبط على الزجاج.

 

نفس الصوت اللي كان زمان بيخليه يستخبى تحت الترابيزة.

 

لكن جابر ما استخباش.

 

فضل مكانه.

 

أكل.

 

وسمع المطر.

 

وفي آخر الليل، لما المطعم فَضِي، نور طفت الأنوار.

 

لكنها سابت نور صغير فوق الصورة القديمة.

 

صورة روزا.

 

وتحتها كانت الجملة نفسها:

 

“الأكل اللي يتعمل بمحبة عمره ما يكون عادي.”

 

نور وقفت قدام الصورة لحظة.

 

وقالت بهدوء:

 

— وعدتك يا روزا.

 

وبعدين بصت لجابر.

 

كان واقف عند الباب.

 

قال لها:

 

— يلا.

 

— رايحين فين؟

 

— نروح.

 

— والمطعم؟

 

— بكرة نفتح.

 

— والناس؟

 

— بكرة تاكل.

 

ابتسمت.

 

خرجوا.

 

اتقفل الباب.

 

والمطر كان لسه بينزل.

 

لكن المطعم فضل منور من جوه بنور صغير.

 

نور ماعرفتش ليه فضلت تبص عليه.

 

يمكن عشان المكان ده شهد بداية حكاية ماكانش حد متوقعها.

 

حكاية راجل قضى عمره كله بيهرب من الماضي.

 

وبنت بسيطة فتحت له بابًا كان فاكر إنه اتقفل للأبد.

 

وفي النهاية، جابر ماكانش محتاج حد ينقذه من الناس.

 

كان محتاج حد يفكره إنه لسه إنسان.

 

وماكانتش نور محتاجة تعرف أسرار الماضي عشان تساعده.

 

كانت محتاجة بس تحط قدامه طبق أكل وتقول له الجملة اللي غيرت كل شيء:

 

— جرب… الأكلة دي مفيهاش حاجة تخوف.

 

ومن يومها، جابر ما بقاش يخاف من الأكل.

 

ولا من المطر.

 

ولا من ذكريات الطفولة.

 

ولا حتى من الماضي.

 

لأنه أخيرًا فهم إن الماضي مهما كان مؤلم، مش لازم يفضل يحكم باقي العمر.

 

وإن بعض الجروح ما بتختفيش.

 

لكنها ممكن تتحول لحاجة أهدى.

 

لحكاية.

 

لذكرى.

 

لخير يتعمل للناس.

 

وأحيانًا…

 

لطبق يخنة بسيط.

 

يبدأ بيه إنسان حياة جديدة. بنور صغير.

 

نور ماعرفتش ليه فضلت تبص عليه.

 

يمكن عشان المكان ده شهد بداية حكاية ماكانش حد متوقعها.

 

حكاية راجل قضى عمره كله بيهرب من الماضي.

 

وبنت بسيطة فتحت له بابًا كان فاكر إنه اتقفل للأبد.

 

وفي النهاية، جابر ماكانش محتاج حد ينقذه من الناس.

 

كان محتاج حد يفكره إنه لسه إنسان.

 

وماكانتش نور محتاجة تعرف أسرار الماضي عشان تساعده.

 

كانت محتاجة بس تحط قدامه طبق أكل وتقول له الجملة اللي غيرت كل شيء:

 

— جرب… الأكلة دي مفيهاش حاجة تخوف.

 

ومن يومها، جابر ما بقاش يخاف من الأكل.

 

ولا من المطر.

 

ولا من ذكريات الطفولة.

 

ولا حتى من الماضي.

 

لأنه أخيرًا فهم إن الماضي مهما كان مؤلم، مش لازم يفضل يحكم باقي العمر.

 

وإن بعض الجروح ما بتختفيش.

 

لكنها ممكن تتحول لحاجة أهدى.

 

لحكاية.

 

لذكرى.

 

لخير يتعمل للناس.

 

وأحيانًا…

 

لطبق يخنة بسيط.

 

يبدأ بيه إنسان حياة جديدة.

— يمكن كنت محتاج حد يفكرني أنا مين.

 

سكتنا.

 

وبعدين قال:

 

— نور.

 

— نعم؟

 

— عايز أقولك حاجة.

 

— قول.

 

— أنا أول مرة أكلت من إيدك، افتكرت آخر مرة كنت فيها طفل.

 

— وده معناه إيه؟

 

ابتسم.

 

— معناه إن الأكلة دي ما رجعتليش ذكريات وبس.

 

— أمال؟

 

— رجعتلي جزء مني كنت فاكره .

 

ابتسمت.

 

— يبقى روزا نجحت.

 

هز راسه.

 

— أيوه.

 

وبعد سنة، جابر باع جزء كبير من أعماله، وبدأ مشروع مطاعم صغيرة باسم روزا.

 

ماحطش صورته.

 

حط صورة حلة قديمة.

 

وتحتها جملة واحدة:

 

“الأكل اللي يتعمل بمحبة عمره ما يكون عادي.”

 

أما المطعم الأول، ففضل زي ما هو.

 

نفس الترابيزة.

 

نفس الشباك.

 

نفس الحلة القديمة.

 

وفي كل ليلة مطر، كان جابر يقعد في نفس الركن.

 

وأنا أعمل له نفس اليخنة.

 

وفي مرة، وهو بياكل، سألني:

 

— فاكرة أول مرة شفتيني فيها؟

 

قلت:

 

— أيوه.

 

— كنت شكلي مخيف؟

 

ضحكت.

 

— بصراحة؟

 

— قولي.

 

— كنت شكلك جعان أكتر ما كنت مخيف.

 

ضحك.

 

ضحكة حقيقية.

 

مش الضحكة اللي الناس كانت تخاف منها.

 

وبص للطبق.

 

— الحمد لله إني دخلت المطعم ده.

 

قلت:

 

— وأنا الحمد لله إني كنت شغالة الليلة دي.

 

سكتنا.

 

والمطر كان بينزل برا.

 

لكن المرة دي، جابر ماخافش من صوته.

 

فضل قاعد يسمعه.

 

وبعد شوية قال:

 

— روزا كانت بتحب المطر.

 

ابتسمت.

 

— كانت بتحبك.

 

جابر بص لي.

 

— وأنا كمان لسه بحبها.

 

وبعدها أخذ آخر معلقة من الطبق.

 

وابتسم.

 

لأول مرة من سنين، ماكانش خايف من اللقمة.

 

لأنه أخيرًا عرف إن مش كل حاجة في الدنيا مؤامرة.

 

وإن مش كل إيد بتمد له طبق، عايزة تؤذيه.

 

وإن أحيانًا، الإنسان اللي بيقضي عمره كله وهو بيحاول يحمي نفسه من الناس، بيكتشف في النهاية إن اللي كان ناقصه مش الحماية…

 

كان ناقصه حد يطمنه ويقوله:

 

“كل يا جابر… الأكلة دي مفيهاش حاجة تخوف.”

 

ومن يومها، كل ما المطر ينزل، كان المطعم الصغير يفضل فاتح.

 

وكانت ريحة اليخنة تطلع للشارع.

 

وكان جابر يقعد في مكانه المعتاد.

 

قدامه طبق بسيط.

 

ومعلقة عادية.

 

وذكرى قديمة.

 

لكن المرة دي، الذكرى ما كانتش بتوجعه.

 

كانت بتفكره إنه مهما حصل في حياته…

 

لسه يقدر يبدأ من جديد.

 

7 من 7التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى