
— حاول يمنعهم.
سكتت.
— وبعدها؟
— حصلت الفوضى.
— وأبويا اختفى.
— أيوه.
— وأبو نور؟
أمي قالت:
— خرج من البيت وهو مصاب.
أنا قلت:
— هو بعد كده؟
أمي بصت لي.
— أيوه.
سكت المكان.
لكن جابر قال:
— وإنتِ كنتي فين؟
أمي قالت:
— مع روزا.
— ونور؟
أمي مسحت دموعها.
— كانت رضيعة.
أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
كل حياتي كنت فاكرة إن والدي في .
طلع مرتبط بسر عمره أكتر من حياتي.
جابر قرب مني.
— نور.
بصيت له.
— أنا آسف.
هزيت راسي.
— مش ذنبك.
— بس حياتك اتربطت بحياتي من غير ما تعرفي.
قلت:
— يمكن عشان كده روزا كانت بتحبني.
جابر قال:
— يمكن.
رجعنا المطعم.
في اليوم التالي، جابر ما ظهرش.
ولا اللي بعده.
كنت فاكرة إنه مش هيرجع.
لكن في الليلة التالتة، دخل المطعم لوحده.
كان شكله مختلف.
أهدى.
وأقل توترًا.
قعد في نفس المكان.
قلت:
— كلت؟
قال:
— لأ.
عملت له اليخنة.
حطيتها قدامه.
بص للطبق.
وبعدين قال:
— المرة دي أنا مش خايف.
قلت:
— ليه؟
— عشان عرفت إن الخوف اللي عشت فيه سنين كان مبني على نص حقيقة.
بدأ ياكل.
وبين كل معلقة والتانية، كان بيبص للطبق.
قال:
— روزا كانت صح.
— في إيه؟
— إيد اللي بيطبخ أهم من الأكل.
ضحكت.
— أخيرًا اقتنعت.
ابتسم.
وبعدين قال:
— لقيت أبويا.
المعلقة وقفت في إيدي.
— إيه؟
— لقيته.
— فين؟
— عايش.
ماقدرتش أتكلم.
قال:
— موجود في دار رعاية في محافظة تانية.
— إزاي؟
— اتصاب زمان، وفقد جزء من ذاكرته. اتنقل من مكان لمكان سنين.
— وفؤاد؟
جابر قال:
— هو اللي عرفني مكانه.
— يعني فؤاد مش عدوك؟
— مش بالبساطة دي.
— أمال؟
— فؤاد اعترف إنه كان جزء من اللي حصل.
— واعترف ليه؟
— عشان الشخص اللي كان بيحرك كل حاجة زمان من سنين.
— ومين؟
جابر سكت.
— مين؟
قال:
— عمي.
.
— عمك؟
هز راسه.
— أخو أبويا.
— ليه؟
— عشان كان عايز الشركة.
سكت.
— ونجح؟
— لفترة.
— وإنت؟
— رجعت كل حاجة.
بصيت له.
— طيب وأبوك؟
— هروح له بكرة.
ابتسمت.
— دي حاجة كويسة.
جابر سكت.
وبعدين قال:
— ممكن تيجي؟
— أنا؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأن أبويا لازم يعرف إن فيه بنت كانت سبب إني آكل تاني.
ضحكت.
— دي مبالغة.
قال:
— لأ.
في اليوم التالي، رحت معاه.
دخلنا دار الرعاية.
جابر وقف قدام باب الغرفة وقت طويل.
إيده كانت على المقبض.
لكن ماقدرش يفتحه.
قلت له:
— خايف؟
بص لي.
— آه.
— من إيه؟
— من إن الراجل اللي جوا مايبقاش أبويا اللي في دماغي.
قلت:
— يمكن يكون مختلف.
— وأنا كمان مختلف.
فتح الباب.
الرجل العجوز كان قاعد جنب الشباك.
شعره أبيض.
وشه هادي.
جابر وقف مكانه.
الرجل رفع عينه.
بص له.
سكت.
وبعدين قال:
— جابر؟
جابر انهار من غير صوت.
قعد قدامه.
مسك إيده.
— أنا جيت.
الرجل العجوز دموعه نزلت.
— اتأخرت.
جابر قال:
— عارف.
— سامحني.
جابر سكت.
وبعد ثواني قال:
— أنا كنت مستنيك.
الرجل العجوز ضغط على إيده.
— روزا قالت لي إنك هتستنى.
جابر بص له.
— إنت كنت تعرف روزا؟
— أكيد.
— هي كانت بتحميك؟
— كانت بتحميك إنت.
وبعدين بص لي.
— وإنتِ نور؟
هزيت راسي.
ابتسم.
— روزا كانت بتقول إنك هتبقي بنت قوية.
دموعي نزلت.
— كانت بتحبني.
— كانت بتحبك جدًا.
قعدنا فترة طويلة.
ولأول مرة، شفت جابر مش زعيم.
ولا رجل الناس بتخاف منه.
كان مجرد ابن قاعد جنب أبوه.
ولما خرجنا، قال لي:
— أنا عايز أغير حاجات كتير.
قلت:
— زي إيه؟
— أول حاجة، المطعم ده يفضل مفتوح.
ضحكت.
— دي أهم حاجة؟
— بالنسبة لي آه.
— وليه؟
— لأنه المكان اللي رجعني لنفسي.
بعد شهور، المطعم اتجدد.
لكن عم صبري رفض يغير اسمه.
فضل اسمه “مطعم عم صبري”.
أما أنا، فبطلت أخاف من وردية الليل.
جابر بقى ييجي كل أسبوع.
أحيانًا ياكل.
وأحيانًا يقعد ساكت.
وأحيانًا يساعد عم صبري في الحسابات.
الناس اللي كانوا شايفينه أخطر رجل في المدينة، بقوا يشوفوه واقف في طابور زي أي زبون.
وفي يوم، دخل المطعم طفل صغير.
كان جعان.
وقف بعيد بيتفرج على الأكل.
جابر لاحظه.
نادى عليه.
— تعالى.
الطفل قرب بخجل.
جابر حط قدامه طبق.
الطفل قال:
— أنا معيش فلوس.
جابر ابتسم.
— وأنا طلبت منك فلوس؟
الطفل أكل.
وأنا كنت واقفة بعيد.
افتكرت كلام روزا.
“السر مش في الأكل الغالي يا نور… السر في إيد اللي بيطبخ.”
بعدها بأيام، جابر جالي ومعاه ظرف.
— ده إيه؟
— حاجة تخص روزا.
فتحته.
كان فيه دفتر صغير.
دفتر وصفات.
وفي أول صفحة، كانت مكتوبة جملة:
“إلى نور… لو جابر رجع يومًا للمكان اللي كان بياكل فيه وهو طفل، ساعديه يفتكر إنه كان إنسان قبل ما يبقى اسم الناس بتخاف منه.”
قعدت أقرأ الجملة أكتر من مرة.
جابر كان واقف جنبي.
قلت:
— هي كانت عارفة إنك هتتغير؟
قال:
— كانت بتتمنى.
— وإنت؟
بص للشارع.
عدت سنين على الليلة اللي دخل فيها جابر مطعم عم صبري لأول مرة.
سنين اتغير فيها كل شيء تقريبًا.
لكن المطعم نفسه فضل زي ما هو.
نفس اللافتة القديمة اللي نص نورها كان بيقطع ويرجع.
نفس الباب الخشب اللي بيزيق كل ما حد يفتحه.
نفس الترابيزة اللي قعد عليها جابر أول مرة.
ونفس الحلة الكبيرة اللي كانت نور بتعمل فيها اليخنة.
لكن أكتر حاجة اتغيرت كانت جابر نفسه.
الراجل اللي كان زمان الناس بتبعد عنه الطريق، بقى يدخل المطعم من غير حراسة.
كان يقعد وسط الناس.
يسمع كلامهم.
يضحك مع عم صبري.
يسأل على أولاد العاملين.
ولو شاف حد كبير في السن مش قادر يدفع حسابه، كان يحط الفلوس في الدرج من غير ما حد يعرف.
أما نور، فكانت خلصت دراستها.
اشتغلت في مجال التمريض، لكن ما سابتش المطعم.
كانت بتقسم وقتها بين شغلها والمطعم.
وجابر كان دايمًا يقول لها:
— إنتِ أكتر واحدة قدرت توازني بين حاجتين مالهمش علاقة ببعض.
فتضحك وتقول:
— إيه هما؟
يرد:
— إنك تعالجي الناس الصبح وتطعميهم بالليل.
وكانت ترد عليه:
— وإنت بتعمل إيه؟
فيقول:
— أنا بحاول أتعلم أعيش.
الجملة دي كانت أغرب حاجة فيه.
لأن جابر، لأول مرة، ماكانش بيتكلم عن السيطرة.
ولا عن الفلوس.
ولا عن النفوذ.
كان بيتكلم عن الحياة نفسها.
بعد ما قابل أبوه، فضل يزوره كل أسبوع.
في البداية كان أبوه ضعيف وذاكرته مش دايمًا ثابتة.
أحيانًا كان يفتكره.
وأحيانًا يسأله:
— إنت ابن مين؟
وجابر كان يبتسم ويقول:
— ابنك.
والرجل العجوز يضحك.
— أنا عندي ابن؟
— آه.
— فين؟
— قدامك.
ومع الوقت، بقى أبوه يفتكره أكتر.
وفي يوم، جابر أخده للمطعم.
دخل الرجل العجوز وهو ماسك عصايته.
بص للمكان.
وبعدين شم ريحة الأكل.
وقف فجأة.
— اليخنة.
جابر ابتسم.
— لسه فاكر؟
الرجل قال:
— روزا كانت بتعملها.
نور خرجت من المطبخ.
أول ما شافها، ابتسم.
— إنتِ نور؟
قالت:
— أيوه.
— كنت عارف إني هشوفك.
نور استغربت.
— إزاي؟
قال:
— روزا كانت بتقول إنك هتبقي أهم شخص في حياة جابر.
جابر بص له بسرعة.
— قالت لك كده؟
ضحك الرجل.
— كانت شايفة حاجات إحنا ماكناش شايفينها.
نور بصت لجابر.
هو بص بعيد.
لكن ابتسامته فضحته.
بعدها قعدوا كلهم على نفس الترابيزة.
نور حطت الأكل.
والرجل العجوز أكل أول معلقة.
وبعدها سكت.
دموعه نزلت.
جابر قال:
— وحشة؟
هز راسه.
— لا.
وأخذ معلقة تانية.
— دي طعمها زي زمان.
جابر ابتسم.
— أنا كنت فاكر إني الوحيد اللي فاكر.
أبوه قال:
— الذكريات الحلوة عمرها ما بتروح.
وسكت لحظة.
— إحنا بس ساعات بنحاول نهرب منها.
الجملة أثرت في جابر.
فضل ساكت طول الوجبة.
بعد ما مشي أبوه، قعد جابر في نفس المكان.
نور حطت قدامه كوب شاي.
قال لها:
— عارفة أنا كنت فاكر إيه طول عمري؟
— إيه؟
— إني لازم أبقى أقوى واحد في المكان عشان محدش يقدر يأذيني.
— ودلوقتي؟
— دلوقتي فهمت إن القوة مش إن الناس تخاف منك.
— أمال إيه؟
بص لها.
— إنك تقدر تقول إنك خايف.
نور ابتسمت.
— اتعلمت ده منين؟
— من طبق يخنة.
ضحكت.
— بقى الأكل هو اللي علمك كل حاجة؟
— الأكل، وروزا، وإنتِ.
سكتت نور.
جابر قال:
— لو ما دخلتش المطعم ده الليلة دي، كان زماني لسه عايش في قصر كبير ومش قادر آكل لقمة.
— بس دخلته.
— أيوه.
— يبقى الحمد لله.
هز راسه.
— الحمد لله.
مرت الشهور.
وبدأ جابر يشتغل على مشروع جديد.
مشروع كان مختلف تمامًا عن كل اللي عمله قبل كده.
فتح مطاعم صغيرة في مناطق شعبية.
كان هدفه إن الأكل يكون بأسعار بسيطة.
وكان شرطه الوحيد إن كل مطعم يبقى فيه وجبة يومية مجانية لأي شخص محتاج.
ولما سأله واحد من الصحفيين:
— ليه عملت المشروع ده؟
جابر قال:
— عشان مرة كنت أنا اللي محتاج طبق أكل، ومحدش عرف يساعدني.
الصحفي سأله:
— تقصد إنك كنت فقير؟
جابر ابتسم.
— لأ.
— أمال؟
— كنت فقير في الثقة.
الصحفي ما فهمش.
لكن نور فهمت.
كانت واقفة بعيد.
ابتسمت.
جابر كان لأول مرة بيحكي عن نفسه من غير ما يحاول يخبي حاجة.
بعد فترة، اتفتح فرع جديد للمطعم.
وعلى الباب اتحطت لوحة صغيرة:
“مطاعم روزا — الأكل حق لكل إنسان.”
وفي الافتتاح، جابر وقف قدام الناس.
ماكانش لابس بدلة غالية.
ولا كان حواليه رجال كتير.
كان لابس قميص بسيط.
وقال:
— أنا كنت فاكر إن الناس كلها عايزة مني حاجة.
— فلوس.
— سلطة.
— خوف.
— ولما بقيت أشك في كل حاجة، اكتشفت إني خسرت أهم حاجة.
سكت.
— الأمان.
وبعدين بص لنور.
— في ليلة، بنت بسيطة عملتلي طبق أكل.
— الطبق ده ما أنقذش بطني.
— أنقذني أنا.
الناس صقفت.
نور نزلت عينها من الإحراج.
جابر كمل:
— عشان كده المكان ده مش مشروع بالنسبالي.
— ده رد جميل لست اسمها روزا.
وبص للصورة المعلقة على الحائط.
صورة قديمة لروزا.
— ولناس كتير ساعدوني وأنا ماكنتش حتى عارف.
بعد الافتتاح، نور دخلت المطبخ.
لقيت جابر وراها.
قال:
— محتاجك.
— في إيه؟
طلع من جيبه مفتاح صغير.
حطه قدامها.
— ده مفتاح المكان.
بصت له.
— يعني؟
— المطعم القديم.
— وإنت؟
— هفضل موجود.
— طب المفتاح ليه؟
— عشان لو في يوم أنا ماقدرتش أرجع، يبقى المكان يفضل مفتوح.
نور بصت له.
— إنت ناوي تسافر؟
— لأ.
— أمال؟
ابتسم.
— بس اتعلمت إن الدنيا مش مضمونة.
نور أخذت المفتاح.
وقالت:
— هفضل فاتحاه.
— وعد؟
— وعد.
ومرت سنتين.
كان المطعم القديم بقى أشهر من أي وقت فات.
مش بسبب جابر.
ولا بسبب حكايته.
لكن بسبب الأكل.
وبسبب إن أي حد يدخل وهو محتاج، كان يلاقي طبق مستنيه.
أم أرملة.
شاب لسه بادئ حياته.
عامل يوميته خلصت.
طفل جعان.
كلهم كانوا بياكلوا.
وكان جابر دايمًا يقول:
— محدش يسأل حد محتاج ليه.
في يوم شتوي، دخلت بنت صغيرة المطعم.
كانت واقفة جنب الباب ومش عارفة تطلب.
نور قربت منها.
— عايزة تاكلي؟
البنت هزت راسها.
نور قعدتها.
حطت قدامها طبق.
جابر كان قاعد في الركن.
بص للمشهد.
البنت بدأت تاكل بسرعة.
جابر نادى نور.
— تعالي.
راحت له.
قال:
— شايفة؟
— شايفة إيه؟
— أنا كنت مكانها.
نور بصت له.
— إمتى؟
— وأنا صغير.
— كنت بتاكل بسرعة كده؟
ضحك.
— أسرع.
وبعدين قال:
— روزا كانت بتقولي كل لقمة براحة.
نور قالت:
— وإنت ماكنتش بتسمع كلامها؟
— كنت بسمع.
— وبعدين؟
— بعد ما كبرت، نسيت.
— دلوقتي افتكرت.
— أيوه.
سكتوا.
المطر كان بينزل برا.
جابر بص للشباك.
لكن المرة دي ماكانش فيه خوف.
بس ذكرى.
وبعدين قال:
— نور.
— نعم؟
— لو روزا كانت قدامنا دلوقتي، كنتي هتقولي لها إيه؟
نور سكتت.
وبعدين قالت:
— كنت هقول لها شكرًا.
— وأنا كمان.
— على إيه؟
— إنها ما سابتنيش وأنا طفل.
نور ابتسمت.
— هي ما سابتكش.
— عارفة.
— حتى بعد ما ، فضلت تحاول ترجعك لنفسك.
جابر هز راسه.
— عشان كده أنا متأكد إنها كانت عارفة إنك هتعملي اليخنة دي.
نور ضحكت.
— إنت لسه مصدق إن الموضوع كان صدفة؟
جابر بص لها.
— لأ.
— وأنا كمان.
وسكتوا.
لأن الحقيقة إن بعض اللقاءات بتبان صدفة.
لكن لما تبص وراها، تكتشف إن كل خطوة كانت بتقود للخطوة اللي بعدها.
لو جابر ما كانش خاف من الأكل، ماكانش دخل المطعم.
ولو ما دخلش المطعم، ماكانش قابل نور.
ولو ما أكلش اليخنة، ماكانش افتكر روزا.
ولو ما افتكرش روزا، ماكانش دور على الماضي.
ولو ما دورش، ماكانش لقى أبوه.
ولو ما لاقاش أبوه، كان ممكن يفضل طول عمره شايل غضب على ناس كتير من غير ما يعرف الحقيقة.
لكن طبق بسيط غيّر طريق حياة كاملة.
بعد سنوات، بقى جابر يقعد في المطعم كل يوم جمعة.
مش عشان ياكل.
عشان يشوف الناس.
كان بيحب يشوف طفل بيضحك.
ست كبيرة بتاخد وجبتها.
شاب بيدفع حساب شخص مايعرفوش.
كان كل مرة يشوف حد يعمل خير، يبتسم.
وفي آخر كل يوم، كان يدخل المطبخ.
يمسك المعلقة.
يدوق اليخنة.
ولو نور موجودة، يقول:
— ناقصها حاجة.
فتقول:
— إيه؟
— رشة ملح.
فتقول:
— كل مرة نفس الكلمة.
فيرد:
— عشان أشوفك هتصدقي ولا لأ.
فتضحك.
وفي ليلة من الليالي، نور دخلت المطعم متأخرة.
لقيت جابر قاعد لوحده.
قدامه دفتر قديم.
قربت منه.
— بتعمل إيه؟
قال:
— بكتب.
— إيه؟
قفل الدفتر.
— حاجات ماعرفتش أقولها زمان.
— لمين؟
قال:
— لنفسي.
سكتت.
وبعدين قال:
— عارفة إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟
— إيه؟
— إني قضيت سنين بحاول أخوف الناس بدل ما أطلب منهم يطمنوني.
نور قالت:
— يمكن لو كنت طلبت، ماكنتش لقيت.
— يمكن.
— بس دلوقتي لقيت.
بصلها.
— أيوه.
نور حطت إيدها على الدفتر.
— طب اكتب دي.
— إيه؟
— “أنا أخيرًا بقيت بخاف من فقدان الناس أكتر من خوفي منهم.”
جابر ابتسم.
— دي حلوة.
كتبها.
وبعدين قفل الدفتر.
في اللحظة دي، عم صبري خرج من المطبخ.
— الأكل جاهز.
جابر قال:
— نور تعمل لي الطبق.
عم صبري ضحك.
— ما هي طول عمرها بتعمله.
جابر رد:
— وأنا طول عمري هفضل أطلبه منها.
نور بصت له وضحكت.
حطت الطبق قدامه.
جابر أخذ المعلقة.
لكن قبل ما يأكل، وقف لحظة.
بص للطبق.
وبص لنور.
وقال:
— فاكرة أول مرة قلتي لي “الأكلة دي مفيهاش حاجة تخوف”؟
— أيوه.
— كنتي بتكدبي.
نور ضحكت.
— ليه؟
— كان فيها حاجة تخوف.
— إيه؟
قال:
— كانت بتخوفني من إني أفضل طول عمري عايش لوحدي.
نور سكتت.
جابر أخذ أول معلقة.
أكل.
وبعدين ابتسم.
المطر بدأ ينزل برا.
وصوت المطر خبط على الزجاج.
نفس الصوت اللي كان زمان بيخليه يستخبى تحت الترابيزة.
لكن جابر ما استخباش.
فضل مكانه.
أكل.
وسمع المطر.
وفي آخر الليل، لما المطعم فَضِي، نور طفت الأنوار.
لكنها سابت نور صغير فوق الصورة القديمة.
صورة روزا.
وتحتها كانت الجملة نفسها:
“الأكل اللي يتعمل بمحبة عمره ما يكون عادي.”
نور وقفت قدام الصورة لحظة.
وقالت بهدوء:
— وعدتك يا روزا.
وبعدين بصت لجابر.
كان واقف عند الباب.
قال لها:
— يلا.
— رايحين فين؟
— نروح.
— والمطعم؟
— بكرة نفتح.
— والناس؟
— بكرة تاكل.
ابتسمت.
خرجوا.
اتقفل الباب.
والمطر كان لسه بينزل.
لكن المطعم فضل منور من جوهعدت سنين على الليلة اللي دخل فيها جابر مطعم عم صبري لأول مرة.
سنين اتغير فيها كل شيء تقريبًا.
لكن المطعم نفسه فضل زي ما هو.
نفس اللافتة القديمة اللي نص نورها كان بيقطع ويرجع.
نفس الباب الخشب اللي بيزيق كل ما حد يفتحه.
نفس الترابيزة اللي قعد عليها جابر أول مرة.
ونفس الحلة الكبيرة اللي كانت نور بتعمل فيها اليخنة.
لكن أكتر حاجة اتغيرت كانت جابر نفسه.
الراجل اللي كان زمان الناس بتبعد عنه الطريق، بقى يدخل المطعم من غير حراسة.
كان يقعد وسط الناس.
يسمع كلامهم.
يضحك مع عم صبري.
يسأل على أولاد العاملين.
ولو شاف حد كبير في السن مش قادر يدفع حسابه، كان يحط الفلوس في الدرج من غير ما حد يعرف.
أما نور، فكانت خلصت دراستها.
اشتغلت في مجال التمريض، لكن ما سابتش المطعم.
كانت بتقسم وقتها بين شغلها والمطعم.
وجابر كان دايمًا يقول لها:
— إنتِ أكتر واحدة قدرت توازني بين حاجتين مالهمش علاقة ببعض.
فتضحك وتقول:
— إيه هما؟
يرد:
— إنك تعالجي الناس الصبح وتطعميهم بالليل.
وكانت ترد عليه:
— وإنت بتعمل إيه؟
فيقول:
— أنا بحاول أتعلم أعيش.
الجملة دي كانت أغرب حاجة فيه.
لأن جابر، لأول مرة، ماكانش بيتكلم عن السيطرة.
ولا عن الفلوس.
ولا عن النفوذ.
كان بيتكلم عن الحياة نفسها.
بعد ما قابل أبوه، فضل يزوره كل أسبوع.
في البداية كان أبوه ضعيف وذاكرته مش دايمًا ثابتة.
أحيانًا كان يفتكره.
وأحيانًا يسأله:
— إنت ابن مين؟



