روايات وقصص

خيانه حكايات صافي هاني

وشفت محمود واقف قدام القبر بنفسه.

أنا اللي شوفته وهو بيحط إيده على كتف أرملته وبيقول لها:

“سامح كان أخويا.”

إزاي نفس الراجل يدخل بيتنا من البوابة الشرقية؟

بصيت للرجل اللي كان سايق العربية.

قلت بصوت مبحوح:

“ده سامح العطار.”

قال:

“عارف.”

“سامح مات.”

“عارف.”

“أنا حضرت جنازته.”

“عارف.”

صرخت:

“أمال مين ده؟!”

سكت ثواني.

وبعدين قال:

“دي بالظبط المشكلة يا مدام مريم.”

العربيتين اللي وراينا قربوا.

الراجل زود السرعة.

دخل شارع ضيق، وبعدها لف مرة، وبعدين مرة تانية، لحد ما فقدنا العربيتين من المراية.

أنا كنت لسه ماسكة الصورة.

لكن فجأة لاحظت حاجة صغيرة.

في أسفل الصورة كان فيه رقم مكتوب بالقلم.

“17”.

قلت:

“إيه الرقم ده؟”

رد:

“مش رقم.”

“أمال إيه؟”

“تاريخ.”

“سبعتاشر إيه؟”

بصلي من المراية.

وقال:

“سبعتاشر أكتوبر.”

سكت.

سبعتاشر أكتوبر.

التاريخ ده أنا أعرفه.

كان يوم ميلاد محمود.

من خمستاشر سنة، محمود كان بيحتفل بعيد ميلاده يوم سبعتاشر أكتوبر.

لكن في السنين الأخيرة بطل يحتفل.

بل بالعكس.

كان بيكره حد يفكره بالتاريخ ده.

كنت دايمًا بسأله:

“ليه مش بتحب عيد ميلادك؟”

وكان بيرد:

“في حاجات حصلت في اليوم ده مش بحب أفتكرها.”

وأنا عمري ما ضغطت عليه.

لكن لأول مرة بدأت أربط حاجات ببعض.

سارة.

سامح.

البوابة الشرقية.

عيد ميلاد محمود.

والراجل اللي مات من ست سنين.

قلت:

“أنا عايزة أعرف كل حاجة.”

قال:

“لو عرفتي كل حاجة دلوقتي، ممكن ما ترجعيش.”

“أنا أصلًا مش راجعة لمحمود.”

“أنا مش قصدي محمود.”

سكت.

وبعد دقائق وقف العربية قدام عمارة قديمة في منطقة هادية.

نزل وفتح لي الباب.

دخلت وراه وأنا مش عارفة أنا رايحة فين.

طلعنا للدور التالت.

خبط تلات خبطات.

الباب اتفتح.

وكانت واقفة قدامي ست كبيرة.

أول ما شافتني، وشها اتغير.

وقالت:

“دي مريم؟”

الراجل هز راسه.

الست قربت مني.

مسكت إيدي.

وقالت:

“أبوكِ كان عنده حق.”

اتجمدت.

قلت:

“أبويا؟”

بصت للراجل.

هو قال لها:

“ماتخافيش. هي لازم تعرف.”

رجعت الست خطوة.

وقعدت على الكرسي.

وأشارت لي أقعد قدامها.

وقالت:

“اسمك مريم السيوفي، صح؟”

قلت:

“أيوه.”

“وأبوكي اسمه عبدالرحمن السيوفي؟”

“أيوه.”

ابتسمت بحزن.

وقالت:

“أنا كنت أعرف أبوكي قبل ما تعرفي محمود أصلًا.”

قلبي بدأ يدق.

“إنتِ مين؟”

قالت:

“أنا نادية.”

“نادية مين؟”

“أرملة سامح العطار.”

حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.

بصيت لها.

“بس… سامح مات.”

قالت:

“سامح اللي مات في الجنازة مش سامح.”

سكتُ.

محدش اتكلم.

وبعدين قالت:

“سامح مات فعلًا من ست سنين.”

“أمال مين؟”

ردت:

“أخوه التوأم.”

ضحكت من شدة الصدمة.

“سامح ماكانش عنده أخ توأم.”

قالت:

“كان عنده.”

هزيت راسي.

“أنا كنت أعرف سامح خمستاشر سنة.”

“وأنا عشت معاه تلاتين سنة.”

“محمود كان أقرب واحد له.”

“وعشان كده محمود كان لازم يصدق إن أخوه مات.”

رفعت عيني لها.

“ليه؟”

سكتت فترة طويلة.

وبعدين قالت:

“لأن الراجل اللي شوفتيه في الصورة اسمه شريف.”

الاسم وقع عليا كأنه حجر.

شريف.

سامح كان دايمًا بيتجنب الكلام عن عيلته.

كنت فاكرة إن أهله اتوفوا بدري.

كنت فاكرة إنه وحيد.

طلعت كل السنين دي عايشة وسط كذبة.

قلت:

“إيه علاقة شريف بسارة؟”

الست بصت للرجل اللي جابني.

قال:

“لسه ماجاش وقت الإجابة.”

صرخت:

“أنا تعبت من الجمل دي! كل واحد بيقولي لسه ماجاش وقت! أنا دخلت بيتي لقيت جوزي بيبوس واحدة قال إنها ميتة من حياته من عشرين سنة، وبعدها هربت من بيتي في عربية معرفش صاحبها، ولقيت راجل المفروض إنه ميت من ست سنين داخل بيتي! أنا من حقي أفهم!”

نادية قربت مني.

وقالت:

“وأنا عشان كده هقولك.”

مدت إيدها لدرج صغير.

طلعت ملف بني قديم.

حطته قدامي.

“ده كان عند سامح.”

فتحت الملف.

لقيت صور.

صور قديمة.

مستندات.

تحويلات مالية.

أسماء شركات.

وأخيرًا…

صورة لمحمود.

وكان واقف جنب شريف.

وفي الخلفية مبنى أعرفه.

بيتنا.

قلت:

“الصورة دي إمتى؟”

قالت:

“قبل فرحك بشهر.”

رفعت عيني.

“إيه اللي كان بيعمله شريف في بيتنا قبل فرحي؟”

ماحدش رد.

قلبت الصفحة.

لقيت ورقة مكتوب عليها بخط يد.

الخط كان مألوف.

خط محمود.

قرأت:

“لو مريم عرفت الحقيقة، كل حاجة هتنهار.”

حسيت إن نفسي وقف.

قلت:

“دي كتابة محمود.”

نادية قالت:

“أيوه.”

“إيه الحقيقة؟”

قالت:

“الحقيقة إن جوازك من محمود ماكانش صدفة.”

سكت.

رجعت أقرأ الورقة.

وتحت الجملة كان فيه سطر تاني:

“لكنها لازم تفضل بعيدة عن الموضوع لحد ما أضمن إنها في أمان.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

قلت:

“يعني إيه؟”

نادية مدت لي صورة تانية.

الصورة كانت ليا.

أنا.

في أول يوم اتقابلت فيه مع محمود.

كنت خارجة من الجامعة.

ومحمود واقف بعيد.

لكن الصورة كانت متصورة من مكان بعيد.

قلت:

“مين صورني؟”

نادية قالت:

“سامح.”

“ليه؟”

“عشان يتأكد إن محمود نفذ وعده.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى