روايات وقصص

اهلي اختفو من حياتي حكايات صافي هاني

أمي اتوترت.
“إنت بتقول إيه؟”
“الوصية فيها شرط.”
أبويا قرب.
“شرط إيه؟”
قريت.
“البيت يفضل ملكًا للعيلة، لكن في حالة وجود ديون مرتبطة بأي من الأبناء، لا يجوز التصرف فيه إلا بعد موافقة جميع المستفيدين.”
بصيت لهم.
“يعني البيع حصل من غير موافقتنا.”
ميّا قالت:
“أنا ما وافقتش.”
قلت:
“وأنا كمان.”
أبويا قال:
“إحنا كنا مضطرين.”
“الاضطرار مش بيلغي الورق.”
أمي قالت:
“يعني إيه؟”
قلت:
“يعني البيع ممكن يكون قابل للطعن.”
الصمت وقع على المكان.
ميّا بصت لي.
“يعني نقدر نرجع البيت؟”
قلت:
“مش بالسهولة دي.”
“بس ممكن؟”
“ممكن.”
أبويا قعد.
وأنا لأول مرة حسيت إن عندي فرصة أصلح حاجة مش فلوس.
حاجة أكبر.
حق.
تاني يوم الصبح، أخدنا كل المستندات وروحنا للمحامي.
شرح لنا إن البيع محتاج مراجعة قانونية، خصوصًا إن فيه تناقض بين الوصية وبين التصرف اللي حصل.
لكن كان فيه سؤال أهم.
مين اشترى البيت؟
المحامي طلب اسم الشركة.
لما شافه، سكت.
قلت:
“إنت تعرف الشركة دي؟”
قال:
“أيوه.”
“مين صاحبها؟”
بص لي.
“الشركة مملوكة لمجموعة استثمارية.”
“ومين المدير؟”
قال اسم شخص.
وأول ما سمعته، ميّا شهقت.
“مستحيل.”
بصيت لها.
“تعرفيه؟”
قالت:
“ده الشخص اللي دخل معايا في المشروع.”
المحامي بص لها.
“يبقى الموضوع أخطر مما كنت متخيل.”
قلت:
“ليه؟”
قال:
“لأن الشخص ده كان شريكك.”
ميّا قالت:
“كان.”
“وإنتي خرجتي من الشركة؟”
“من سنة.”
المحامي هز راسه.
“حسب السجلات، إنتي ما خرجتيش.”
ميّا اتجمدت.
“إيه؟”
طلع ملف.
“التوقيع موجود.”
قالت:
“ده مش توقيعي.”
بصيت للورقة.
كان فيه توقيع باسمها.
لكن واضح إنه مش توقيعها الحقيقي.
المحامي قال:
“لو ده ثبت، يبقى عندنا تزوير.”
ميّا بدأت ترتجف.
“مين عمل كده؟”
بصيت لأبويا.
أبويا كان ساكت.
قلت:
“بابا؟”
رفع عينه.
“أنا ما عملتش حاجة.”
“طب تعرف مين؟”
سكت.
“بابا.”
قال:
“كنت شاكك.”
“في مين؟”
“الشريك.”
المحامي قال:
“يبقى لازم نتصرف بسرعة.”
بدأت الإجراءات.
ولأول مرة من سنين، أنا وميّا وقفنا في صف واحد.
مش عشان الفلوس.
عشان الحقيقة.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة.
كل يوم ورقة جديدة.
كل يوم حساب جديد.
وكل يوم كنا نكتشف إن المشكلة أكبر بكثير.
كانت فيه عقود اتوقعت باسم ميّا.
تحويلات ما تعرفش عنها.
التزامات ما وافقتش عليها.
وأبويا كان بيحاول يلم كل حاجة من غير ما حد يعرف.
أما أمي، فاكتشفنا إنها كانت تعرف جزء من الموضوع، لكنها ما كانتش تعرف التفاصيل كلها.
وفي يوم، وأنا خارج من مكتب المحامي، ميّا وقفت جنبي.
قالت:
“ممكن أسألك سؤال؟”
“اسألي.”
“إنت ليه ساعدتنا؟”
بصيت قدامي.
“ما ساعدتكمش.”
“ساعدتني.”
“أنا ساعدتك تعرفي الحقيقة.”
قالت:
“بس كان ممكن تسيبنا.”
سكت.
وبعدين قلت:
“لأنك أختي.”
عيطت.
“حتى بعد كل اللي حصل؟”
بصيت لها.
“أنا زعلان منك.”
“عارفة.”
“ومش هنسى اللي حصل.”
“عارفة.”
“بس ده مش معناه إني أتمنى لك الشر.”
مسحت دموعها.
“أنا آسفة.”
قلت:
“خلي الاعتذار بداية، مش نهاية.”
هزت راسها.
وبعد أسبوعين، ظهر أول دليل حقيقي.
المبلغ اللي اتدفع للشركة ما كانش مجرد استثمار.
كان جزء من سلسلة تحويلات.
والشخص اللي اشترى البيت كان بيحاول يستحوذ على أصول تانية مرتبطة بالعيلة.
يعني البيت كان أول خطوة.
المحامي قال:
“لو ما كنتش راجعتوا الورق دلوقتي، كان ممكن تخسروا أكتر.”
بصيت لأبويا.
قال:
“أنا كنت فاكر إني بحميكم.”
قلت:
“أنت كنت بتحاول تحمي صورة العيلة.”
سكت.
“وفي الطريق، ضيعت العيلة نفسها.”
أبويا نزل راسه.
بعد شهرين، صدر قرار مؤقت يمنع التصرف في البيت لحد ما القضية تتحسم.
ميّا أخدت نفس طويل.
وأنا حسيت لأول مرة إن بيت جدتي لسه ممكن يرجع.
لكن المشكلة ما انتهتش.
كان لازم نواجه الشخص اللي وقف ورا كل ده.
دخلنا الاجتماع.
أنا وميّا وأبويا والمحامي.
الرجل كان هادي جدًا.
ابتسم وقال:
“إنتوا مكبرين الموضوع.”
المحامي قال:
“عندنا مستندات.”
رد:
“وأنا عندي مستندات.”
حط ملفه على الترابيزة.
فتح أول ورقة.
كان فيها توقيع ميّا.
قال:
“هي وافقت.”
ميّا قالت:
“ده مش توقيعي.”
قال:
“ده توقيعك.”
أنا بصيت للورقة.
وبعدين قلت:
“إنت متأكد؟”
ابتسم.
“طبعًا.”
قلت:
“لأن فيه مشكلة.”
“إيه؟”
طلعت ورقة.
“التوقيع ده اتعمل يوم كانت ميّا خارج مصر.”
وشه اتغير.
المحامي حط مستند السفر على الترابيزة.
“وده يثبت إنها كانت في دولة تانية.”
سكت.
ميّا بصت له.
“إنت زورت توقيعي.”
بدأ يلف الكلام.
لكن المرة دي ما كانش فيه مفر.
التحقيق بدأ.
وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة.
التوقيع مزور.
والتحويلات غير قانونية.
والصفقة اتعملت باستخدام مستندات تم التلاعب بيها.
أما بيت جدتي، فبعد شهور من الإجراءات، رجع قانونيًا للعيلة.
اليوم اللي استلمنا فيه المفاتيح، ميّا كانت بتعيط.
أبويا كان واقف ساكت.
وأمي دخلت البيت ولمست الحيطان.
قالت:
“أمك كانت بتحب المكان ده.”
قلت:
“جدتي كانت بتحب إننا نبقى مع بعض.”
سكتت.
قلت:
“مش إننا نبيع بعض.”
أمي بكت.
لأول مرة من غير دفاع.
من غير تبرير.
قالت:
“أنا ظلمتك.”
ما رديتش.
قالت:
“كنت دايمًا شايفة إنك الأقوى، فكنت بطلب منك أكتر.”
قلت:
“وده كان غلط.”
“عارفة.”
أبويا قال:
“وأنا كمان.”
بصيت له.
“أنا مش عايز فلوس.”
قال:
“عارف.”
“ولا عايز اعتذار قدام العيلة.”
“عارف.”
“أنا عايز حاجة واحدة.”
بص لي.
“لو حد فينا وقع، ما نرميهوش.”
سكت.
“نساعده، بس من غير ما ندمر واحد تاني عشان ننقذه.”
أبويا هز راسه.
ميّا كانت واقفة جنبنا.
قالت:
“وأنا هبدأ بنفسي.”
بصيت لها.
“إزاي؟”
قالت:
“هقفل كل المشاريع اللي مش قادرة عليها، وأسدد اللي عليا بنفسي.”
قلت:
“مش لازم تعملي ده لوحدك.”
قالت:
“مش هعمله لوحدي.”
ابتسمت.
“بس المرة دي مش هطلب منك توقّع على حاجة.”
ضحكت.
وكانت أول ضحكة حقيقية بينا من سنين.
أما المبلغ المطلوب، ففضل في حسابي.
ما اتدفعش بالطريقة القديمة.
ولا صرفته ميّا عشوائياً.
ولا استخدمه أبويا.
وبعد كام شهر، عيد ميلاد ميّا التلاتين جه.
أمي كانت مصرة تعمل حفلة كبيرة.
لكن ميّا رفضت.
قالت:
“أنا مش عايزة قاعة.”
سألتها:
“عايزة إيه؟”
قالت:
“عايزة نتجمع في بيت جدتي.”
وفعلًا.
اتجمعنا كلنا.
أكل بسيط.
كيكة صغيرة.
صور قديمة.
وضِحك.
ما كانش فيه سفرية مفاجأة.
ولا فستان غالي.
ولا قاعة ضخمة.
لكن كان فيه حاجة أهم.
العيلة كانت قاعدة على ترابيزة واحدة.
بعد ما اتكسرت حاجات كتير.
أمي قربت مني في آخر اليوم وقالتي:
“فاكر يوم ما جينا عندك؟”
ضحكت.
“فاكر.”
قالت:
“أنا وقتها كنت فاكرة إنك هترفض.”
“وكنت هرفض.”
ضحكت.
“بس أنت عملت أكتر من اللي كنا متوقعينه.”
قلت:
“أنا ما عملتش حاجة.”
قالت:
“رجعت لنا البيت.”
بصيت للبيت.
وقلت:
“البيت رجع لوحده.”
هزت راسها.
“لا.”
وبصت في عيني.
“إنت اللي رجعت لنا عقلنا.”
سكت.
أنا ما كنتش محتاج الجملة دي.
بس يمكن كنت محتاج أسمعها من زمان.
بعدها بشهر، وصلني ظرف.
كان من ميّا.
فتحته.
كان جواه شيك بمبلغ رمزي يعبر عن بداية جديدة.
اتصلت بيها فورًا.
“إيه ده؟”
قالت:
“بدايتي الحقيقية.”
“أنا ما طلبتش.”
“عارفة.”
“يبقى ليه؟”
قالت:
“عشان وعدت نفسي إن عمري ما هطلب منك حاجة بالطريقة القديمة تاني.”
“ميّا، أنا مش عايز فلوس.”
“مش علشانك.”
“أمال؟”
قالت:
“علشاني أنا.”
سكت.
“أنا أخدتهم من أول مشروع جديد ناجح عملته.”
“إنتي رجعتي تشتغلي؟”
“أيوه.”
“والفلوس دي؟”
“أول أرباح نظيفة.”
ضحكت.
“أول أرباحي في حياتي بتعب إيدي.”
بصيت للشيك.
وقلت:
“خليه معاكي.”
“ليه؟”
“عشان يبقوا أول حاجة حقيقية تملكيها من تعبك.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“إنت عارف إنك أخويا برضه؟”
ضحكت.
“للأسف.”
ضحكت هي كمان.
وقفلنا.
بعد سنة كاملة، كنت واقف في بيت جدتي قدام صورة العيلة القديمة.
كان فيه صورة تجمعنا وإحنا صغيرين.
أنا وميّا وأبويا وأمي وجدتي.
فضلت أبص للصورة.
فهمت وقتها إن المشاكل عمرها ما كانت بسبب الفلوس وحدها.
المشكلة كانت إن كل واحد فينا كان فاكر إنه بيحمي العيلة بطريقته.
أبويا كان بيحاول يحميها من الديون بالطرق الخاطئة.
أمي كانت بتحاول تحمي ميّا بالتغطية على أخطائها.
وميّا كانت بتحاول تثبت إنها تقدر تنجح بأي ثمن.
وأنا كنت بحاول أحمي نفسي من إن حياتي تضيع وأنا بصلّح أخطاء غيري.
لكن الحقيقة إن العيلة مش معناها إنك توافق على الخطأ.
ومش معناها إنك تدي فلوس كل مرة حد يطلب من غير وعي.
ومش معناها إنك تسكت عشان ما تزعلش حد.
العيلة معناها إن الحقيقة لما تظهر، نواجهها معاً.
وإن الغلط لما يحصل، صاحبه يتحمل مسؤوليته.
وإن السند الحقيقي بيظهر وقت الشدة بالتوجيه الصحيح مش بالاستغلال.
وفي آخر اليوم، أمي دخلت عليا وقالت:
“هنعمل عشا.”
“ليه؟”
“من غير سبب.”
بصيت لها وضحكت.
“من غير سبب؟”
قالت:
“أيوه.”
وبعدين ابتسمت.
“بس المرة دي أنا اللي هطبخ بنفسي.”
قلت:
“دي خطوة جريئة.”
ضحكت.
ومن المطبخ سمعت صوت ميّا:
“أنا شاهدة إن ماما بتحاول تتغير للأفضل!”
أبويا قال من الصالة:
“سيبوها تتغير يا جماعة.”
ضحكنا كلنا من قلبنا.
وبعدها بقليل، قعدنا كلنا على نفس الترابيزة.
نفس الترابيزة اللي كانت عليها كل الخناقات القديمة.
بس المرة دي ما كانش فيه ملفات تزوير.
ولا عقود مشبوهة.
ولا طلبات مالية.
كان فيه أكل.
وكلام هادئ.
وضحك نقي.
وأنا بصيت لأهلي وافتكرت الثلاث سنين اللي اختفوا فيها من حياتي.
ثلاث سنين كنت فاكر إنهم ضاعوا هدرًا.
لكن فهمت إنهم كانوا اختباراً صقُبنا جميعاً.
لأن من غيرهم، ما كناش هنفهم قيمة بعض الحقيقية.
ومن غير الخلاف، ما كناش هنكتشف الحقيقة ونتخلص من الأكذوبة.
ومن غير بيت جدتي، ما كناش هنرجع نتجمع على أساس سليم.
وفي اللحظة دي، بصيت لأمي وقلت:
“على فكرة.”
قالت:
“إيه؟”
ابتسمت.
“عيد ميلاد ميّا القادم…”
ميّا بصت لي بخوف مصطنع.
“إوعى تقول قاعة كبرى.”
ضحكت.
“ولا سفرية مكلفة.”
أبويا قال:
“أمال إيه يا بني؟”
قلت:
“هنعمله هنا في البيت وسطنا.”
ميّا ابتسمت براحة.
“وأنا اللي هجيب الكيكة بنفسي.”
أمي قالت:
“وأنا هعمل الأكل اللي بتحبوه.”
أبويا ضحك:
“وأنا هقعد أتفرج عليكم وأنا مبسوط.”
بصيت لهم كلهم بامتنان.
وقلت:
“بشرط واحد.”
سألوني باهتمام:
“إيه هو؟”
قلت:
“نفضل دايماً صادقين مع بعض مهما حصل.”
ضحكنا كلنا.
ولأول مرة من سنين طويلة، كان البيت مليان طاقة إيجابية وسلام حقيقي.
مش لأننا بقينا أغنياء مفاجأة.
ولا لأن كل مشاكل الدنيا اختفت.
لكن لأننا أخيرًا فهمنا إن أغلى حاجة في الدنيا مش الجدران.
ولا الأموال.
ولا الحسابات البنكية.
أغلى حاجة كانت ولا زالت هي الناس اللي قاعدين جوه القلب، والبيت اللي بيكبر بينا وبصلابتنا معاً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى