
أمي قامت بسرعة.
“ميّا!”
ميّا دخلت خطوتين.
وبصت لي.
“إنت كنت عارف؟”
ما فهمتش سؤالها.
“عارف إيه؟”
قربت مني وحطت الظرف في إيدي.
“كل حاجة.”
بصيت للظرف.
“إيه ده؟”
قالت:
“افتحه.”
فتحته.
كان فيه نسخة من مستندات.
نفس اسم الشركة.
ونفس التحويلات.
لكن فيه ورقة أخيرة.
والورقة دي كانت مختلفة.
فيها توقيع ميّا.
بصيت لها.
“إنتي كنتي عارفة؟”
دموعها نزلت.
“عرفت من أسبوع.”
بصيت لأمي.
أمي ما قدرتش تبص لي.
ميّا قالت:
“أنا ما كنتش عارفة إنهم باعوا البيت.”
أبويا قال:
“ميّا…”
“لا يا بابا.”
صوتها كان مكسور.
“كفاية.”
وقفت قدامه.
“أنا كنت فاكرة إنكوا بتساعدوني من فلوسكم.”
أبوها حاول يقرب.
“كنا بنحاول…”
“بعتوا بيت جدتي.”
أمي قالت:
“كان لازم.”
ميّا بصت لها.
“من غير ما تقولولي؟”
“كنا خايفين عليكي.”
“خايفين عليا؟”
ضحكت وسط دموعها.
“طب ليه طلبتوا من أخويا خمسين ألف؟”
سكتوا.
ميّا بصت لي.
“هما قالولي إنهم جايين ياخدوا منك فلوس عشان عيد ميلادي.”
قلت:
“أنا عرفت إن ده مش السبب.”
قالت:
“وأنا عرفت النهارده إن فيه سبب تاني.”
فتحت شنطتها وطلعت ورقة.
“دي جاتلي من المحامي.”
مدتها لي.
قريتها.
كانت إنذار قانوني.
المبلغ المطلوب كان أكبر بكتير من اللي توقعت.
قالت:
“لو ما اتدفعش خلال أسبوع، الشركة هتتحرك قانونيًا.”
بصيت لأبويا.
“الشركة؟”
قال:
“أيوه.”
“مين صاحبها الحقيقي؟”
محدش اتكلم.
ميّا قالت:
“أنا.”
بصيت لها.
“إنتي؟”
هزت راسها.
“الشركة باسمي.”
“يبقى الفلوس اللي اتدفعت من بيع البيت راحت لحسابك؟”
“جزء منها.”
“والباقي؟”
بصت لأبوها.
أبوها نزل عينه.
ميّا فهمت.
“بابا…”
ما ردش.
قالت:
“إنت أخدت الفلوس؟”
أبويا قال:
“أنا كنت بحاول أحميكي.”
“أخدت الفلوس ولا لأ؟”
سكت.
أمي قالت:
“أبوك استخدم جزء منها عشان يسدد التزامات البيت.”
ميّا صرخت:
“بيت مين؟”
“بيتنا.”
“يعني بعتوا بيت جدتي عشان تسددوا ديونكم أنتم كمان؟”
الصمت كان أقوى من أي إجابة.
ميّا قعدت.
وحطت إيدها على وشها.
وأنا لأول مرة شفت أختي مش كالبنت المدللة اللي كنت دايمًا شايفها.
شفت واحدة مرعوبة.
واحدة مش عارفة عملت إيه.
واحدة أهلها أخفوا عنها الحقيقة لحد ما بقت مهددة.
قلت:
“ميّا.”
بصت لي.
“إنتي طلبتي منهم يبيعوا البيت؟”
هزت راسها بسرعة.
“لا.”
“طلبتي مني المبلغ ده؟”
“لا.”
“إنتي كنتي عارفة إنهم هييجوا هنا؟”
“عرفت النهارده.”
بصيت لأمي.
قالت:
“إحنا كنا هنحلها.”
قلت:
“إنتوا ما كنتوش بتحلوا.”
وقفت.
“إنتوا كنتوا بتأجلوا.”
أبويا قال:
“وإنت شايف الحل إيه؟”
بصيت له.
“مش شغلي.”
قال:
“إحنا عيلة.”
رديت:
“العيلة بتظهر وقت الشدة، مش وقت الفلوس بس.”
أمي بكت.
“إنت قلبك حجر.”
بصيت لها.
“يمكن.”
وسكت لحظة.
“بس الحجر ده هو اللي فضل واقف بعد ما اختفيتوا.”
ميّا قامت.
وقفت جنبي.
وقالت:
“أنا عايزة أعرف كل حاجة.”
أبويا قال:
“ميّا، صدقيني…”
“كل حاجة يا بابا.”
ولأول مرة، أبويا ما قدرش يكذب.
حكى.
حكى عن المشروع.
عن الديون.
عن البيت.
عن الصفقة.
عن الحسابات.
عن الأموال اللي اتسحبت.
عن محاولاته إنه يخلي كل حاجة شكلها طبيعي.
وعن اللحظة اللي قرر فيها يبيع بيت جدتي.
أمي كانت بتعيط.
وميّا كانت ساكتة.
وأنا كنت بسمع.
لحد ما أبويا قال:
“وأنا لما كلمتك من ثلاث سنين…”
قاطعته.
“أنت ما كلمتنيش.”
قال:
“أنا كنت متوقع إنك توافق.”
“ولما رفضت؟”
“أمك قالت إنك أناني.”
بصيت لأمي.
قالت:
“كنت متعصبة.”
“وقلتي للعيلة كلها إني قاسي.”
“كنت متعصبة.”
“وقطعتم علاقتكم بيا.”
ما ردتش.
ميّا قالت:
“أنا كنت فاكرة إنه هو اللي بعد.”
بصيت لها.
قالت:
“ماما قالتلي إنك مش عايز تساعدنا وإنك مش فارق معاك.”
قلت:
“وأنتي صدقتي؟”
دموعها نزلت.
“أيوه.”
سكتنا.
قلت:
“ده كان أكتر حاجة وجعتني.”
ميّا قربت.
“أنا آسفة.”
ما رديتش.
قالت:
“بجد.”
سكت.
“أنا غلطت.”
بصيت لها.
“إنتي مش الوحيدة.”
بصيت لأمي وأبويا.
“بس أنا مش هخليكم تبيعوا حاجة تانية عشان تحلوا المشكلة.”
أبويا قال:
“يعني هتساعدنا؟”
بصيت له.
“قلت إني مش هخليكم تبيعوا حاجة تانية.”
“وده معناه؟”
“معناه إني همنع المشكلة تكبر.”
أمي قامت.
“هتدفع؟”
قلت:
“لا.”
وشها اتقفل.
“أمال؟”
قلت:
“هراجع الحسابات.”
أبويا استغرب.
“إنت؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
“لأني عايز أعرف الفلوس راحت فين.”
ميّا قالت:
“وأنا كمان.”
بصيت لها.
“هتكوني معايا؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
قلت:
“يبقى من اللحظة دي، محدش يحرك دولار واحد.”
أبويا قال:
“ده مش سهل.”
“مش مطلوب يكون سهل.”
فتحت اللابتوب.
وبدأت أراجع المستندات.
قعدنا لحد بعد نص الليل.
كل كشف حساب كان بيكشف جزء جديد.
وفي الساعة اتنين وسبعة عشر دقيقة، وقفت عند تحويل معين.
كان مبلغ خمسة وسبعين ألف دولار.
اتحول لشخص ما نعرفوش.
قلت:
“مين ده؟”
أبويا قرب.
وبمجرد ما شاف الاسم، وشه اتغير.
ميّا لاحظت.
“بابا، تعرفه؟”
سكت.
قلت:
“مين؟”
أبويا قال:
“ده… محامي.”
“محامي مين؟”
مفيش رد.
“محامي مين يا بابا؟”
أمي بدأت تعيط.
أبويا قال:
“محامي جدتك.”
بصيت له.
“جدتي ماتت من أربع سنين.”
“عارف.”
“يبقى ليه اتدفع له المبلغ ده السنة اللي فاتت؟”
محدش رد.
فتحت الملف القديم.
وكانت المفاجأة.
اسم المحامي نفسه موجود في وصية جدتي.
لكن تحت بند مختلف.
قرأت السطر أكتر من مرة.
وبعدين قلت:
“البيت ما كانش المفروض يبقى للأحفاد بالطريقة دي.”




