روايات وقصص

ابني ساب مراته

سلوى قالت:

— طب مين اللي ورا أمي؟

أبو محمود بص لها.

وبعدين قال اسم واحد.

اسم خلّى محمود يرجع خطوة لورا.

— صبري.

سامي قام مرة واحدة.

— قلتلكم إن الراجل اللي ظهر لنا وقال إنه صبري مش صبري الحقيقي.

محمود قال:

— طب إزاي صبري موجود في الصورة؟

أبو محمود رد:

— لأنه كان موجود في البيت الليلة دي.

أنا بدأت أفتكر.

افتكرت باب المخزن.

افتكرت صوت خبط.

افتكرت إني كنت نازلة بالليل.

افتكرت إني لقيت الصندوق.

وفجأة…

افتكرت حاجة ماكنتش فاكرها طول السنين.

صرخت:

— استنى!

الكل بص لي.

قلت:

— أنا ماخدتش الصندوق لوحدي.

أبو محمود سأل:

— فاكرة؟

هزيت راسي.

— أيوه.

محمود قرب مني.

— فاكرة إيه يا ماما؟

غمضت عيني.

والذكريات بدأت ترجع.

الليلة دي كانت بعد وفاة أبو محمود بأيام.

كنت قاعدة في أوضة النوم وبعيط.

سمعت صوت من ناحية المخزن.

طلعت.

لقيت البلاطة مرفوعة.

وتحتها كان الصندوق.

مديت إيدي آخده.

لكن قبل ما أقدر أطلعه…

سمعت صوت رجل ورايا.

قال:

— متتحركيش.

أنا اتجمدت.

ماقدرتش ألف.

قال:

— لو بتحبي محمود… ماتسأليش مين أنا.

صوته كان واطي.

قلت:

— إنت مين؟

قال:

— أنا واحد عايز أحميه.

وبعدين حسيت بإيده بتاخد الصندوق مني.

لكن أنا حاولت أمسكه.

قال:

— اسمعيني كويس… لو الصندوق وصل للي بيدور عليه… ابنك مش هيعيش.

كنت مرعوبة.

قال:

— هتطلعي من هنا… وهتتصرفي كأنك ماشفتيش حاجة.

سألته:

— والصندوق؟

قال:

— أنا هاخده.

وبالفعل…

هو أخده.

أنا كنت فاكرة إني شيلته.

لكن الحقيقة…

إيده كانت ماسكاه.

أنا بس كنت مسنداه من الناحية التانية.

فتحت عيني.

قلت:

— الصورة مضللة.

حسام بص للصورة.

— قصدك إيه؟

— أنا كنت ماسكة طرف الصندوق… مش هو كله.

أبو محمود ابتسم ابتسامة حزينة.

— أخيرًا افتكرتي.

محمود قال:

— وإنت كنت عارف؟

— كنت عارف إن أمك مش مذنبة.

بصيت لأبو محمود.

— طب ليه ماقلتش؟

قال:

— لأن الشخص اللي كان واقف وراكي كان مراقبك.

سألته:

— مين؟

أبو محمود بص لمحمود.

— صبري.

محمود ضرب إيده على الترابيزة.

— عمي؟

— أيوه.

سامي قال:

— بس إحنا لقينا واحد بيقول إنه صبري.

أبو محمود رد:

— لأنه مش صبري.

حسام قال:

— يبقى صبري الحقيقي فين؟

أبو محمود سكت.

وبعدين أشار للباب.

— برا.

الكل بص ناحية الباب.

أنا حسيت إن قلبي هيقف.

أبو محمود قام.

مشى ناحية الباب.

فتحه.

كان فيه رجل واقف في الضلمة.

أبو محمود قال:

— ادخل.

الرجل دخل ببطء.

كان كبير في السن.

شعره أبيض.

وشه عليه آثار تعب شديد.

محمود أول ما شافه…

اتجمد.

قال:

— عمي صبري؟

الرجل هز راسه.

— أيوه يا محمود.

محمود قرب منه.

— إنت فين كل السنين دي؟

صبري بص لي.

— كنت مستخبي.

قلت:

— مستخبي من مين؟

قال:

— من أخويا.

أبو محمود.

أنا بصيت لأبو محمود.

— أخوك كان بيطاردك؟

صبري قال:

— مش بس بيطارده.

وبص لمحمود.

— كانوا عايزين يخلصوا عليه وعلى ابنه.

محمود قال:

— مين كانوا؟

صبري مد إيده لجيب جلابيته.

طلع مفتاح صغير.

حطه قدام حسام.

— المفتاح ده هيفتح المكان اللي الصندوق الحقيقي موجود فيه.

سامي قرب.

— فين؟

صبري قال:

— مش في البيت القديم.

حسام سأله:

— فين؟

صبري بص لي.

— في بيت أم محمود.

أنا اتصدمت.

— بيتي؟

— أيوه.

محمود قال:

— إحنا فتشنا البيت كله.

صبري رد:

— فتشتوا الأماكن اللي ممكن حد يتوقعها.

وبعدين بص لي.

— لكن أبوك خبّى الصندوق في مكان محدش هيفكر يدور فيه.

قلت:

— فين؟

صبري ابتسم.

— تحت المكان اللي أمك كانت بتنام فيه كل ليلة.

حسام فهم.

— أوضة النوم؟

صبري هز راسه.

— لا.

وسكت ثواني.

— تحت السرير.

محمود قال:

— مستحيل.

صبري رد:

— مش تحت السرير نفسه.

وأخرج ورقة قديمة.

فتحها على الترابيزة.

كانت رسمة بسيطة للبيت.

لكن تحت أوضة نومي كان فيه علامة.

حسام قال:

— ده تجويف أرضي.

أبو محمود قال:

— أنا عملته قبل ما أموت.

محمود بص له.

— إنت كنت مخطط لكل ده؟

— كنت عارف إني ممكن ماقدرش أرجع.

— وكنت سايبنا من غير ما تقول؟

أبو محمود نزل عينيه.

— كنت فاكر إن البعد هيحميكم.

محمود قال بغضب:

— البعد دمرنا.

أبو محمود ما ردش.

وأنا لأول مرة شفت محمود بيتكلم مع أبوه كأنه ابنه الصغير اللي اتوجع منه.

— سيبت أمي تتحمل كل حاجة.

— عارف.

— سيبتني أهرب من مسؤوليتي.

أبو محمود قال:

— عارف.

— وسيبت سلوى تتحمل ذنب حاجة ماعملتهاش.

أبو محمود بص لسلوى.

— ودي أكتر حاجة ندمت عليها.

سلوى كانت واقفة ساكتة.

دموعها نازلة.

لكنها ما قالتش حاجة.

حسام جمع الأوراق.

— لازم نرجع البيت حالًا.

سامي قال:

— مش كلنا.

حسام سأله:

— ليه؟

سامي بص ناحية الباب.

— لأن لو الصندوق لسه في البيت فعلًا…

وسكت.

محمود سأله:

— إيه؟

— يبقى أكيد فيه حد تاني عارف مكانه.

في اللحظة دي…

موبايل محمود رن.

بص للشاشة.

رقم مجهول.

رد.

— ألو؟

مافيش رد.

قال:

— ألو؟

جاله صوت رجل.

صوت بارد.

— لو فتحتوا المكان… هتندموا.

محمود اتجمد.

— إنت مين؟

الصوت قال:

— الشخص اللي أبوك كان بيهرب منه.

وبعدين قفل.

محمود بص لنا.

حسام قال:

— شغل السماعة.

لكن المكالمة كانت انتهت.

سامي أخد الموبايل.

— الرقم مش ظاهر.

صبري قال:

— يبقى بدأوا يتحركوا.

أبو محمود قال:

— لازم نمشي دلوقتي.

ركبنا العربية.

وطول الطريق محدش اتكلم.

كنت قاعدة جنب سلوى.

ومحمود قدام.

وأبو محمود وصبري ورا.

كنت ببص من الشباك وأنا بحاول أفهم إزاي حياتي كلها اتقلبت في يوم واحد.

وصلنا البيت.

دخلنا.

حسام طلع الرسمة.

وقف في أوضة نومي.

قاس المسافة من الحيطة.

وبعدين خبط على الأرض.

طرقة.

طرقة.

طرقة.

لحد ما وصل لمكان معين.

خبط.

الصوت اختلف.

قال:

— هنا.

محمود ركع على الأرض.

شال السجادة.

رفع البلاط.

كان تحته غطاء حديد صغير.

أبو محمود قال:

— المفتاح.

صبري مد المفتاح لحسام.

حسام حطه.

لفه.

سمعنا صوت تكة.

الغطاء اتفتح.

لكن قبل ما حد يمد إيده…

ريحة ورق قديم طلعت.

ومحمود نزل إيده.

طلع صندوق صغير.

مش الصندوق اللي كنا بندور عليه.

صندوق أسود.

حسام فتحه.

جواه ملفات.

صور.

دفتر حسابات.

وفلاشة.

لكن كان فيه ظرف أبيض فوق كل حاجة.

مكتوب عليه:

“إلى أم محمود… لو وصلتِ للظرف ده، يبقى أنا فشلت أحميكم.”

إيدي بدأت ترتعش.

أبو محمود قال:

— افتحيه.

فتحت الظرف.

طلعت ورقة.

قريت أول سطر.

وبعدها ماقدرتش أكمل.

محمود خدها مني.

قرأ.

وشه اتغير.

حسام قال:

— إيه المكتوب؟

محمود رفع عينه.

وقال:

— بابا بيقول إن الشخص اللي سرق الصندوق الأول… مش صبري.

صبري اتنفس بصعوبة.

— كنت عارف.

محمود كمل القراءة.

— وبيقول إن اللي أخد الصندوق…

سكت.

قلت:

— مين؟

محمود بص لي.

وبعدين قال:

— ناهد.

سلوى شهقت.

حسام أخد الورقة.

قرأ بسرعة.

— مستحيل.

محمود قال:

— يعني إيه مستحيل؟

حسام رفع عينه.

— لأن ناهد ماكانتشي بتدور على الصندوق لنفسها.

سامي قال:

— كانت بتدور على حاجة تانية.

أبو محمود سأل:

— إيه؟

حسام قلب الصفحة.

وكان فيها سطر واحد بس.

قرأه بصوت عالي:

“ناهد دخلت حياة محمود بأمر من شخص أقرب إليكم مما تتخيلون.”

محمود اتراجع.

— أقرب لينا؟

صبري بص لأبو محمود.

أبو محمود بص لصبري.

وأنا حسيت إن قلبي وقف.

لأن في اللحظة دي…

سمعنا صوت المفتاح بيتحط في باب البيت.

حد كان بيفتح الباب.

حسام بسرعة قفل الصندوق.

محمود همس:

— مين؟

محدش رد.

الباب اتفتح.

ودخلت ناهد.

لكنها ماكنتش لوحدها.

كان معاها راجل.

راجل أول ما شفته…

عرفته.

لأني شوفته في الصورة القديمة.

نفس الشخص اللي كان واقف ورايا وأنا ماسكة الصندوق.

والأخطر…

إنه كان ماسك في إيده…

الصندوق الأصلي.

بص لنا كلنا.

وبعدين ابتسم.

وقال:

— أخيرًا… اتجمعتم كلكم.

وأبو محمود أول ما شافه…

قال كلمة واحدة:

— مستحيل.

لأن الراجل ده…

كان المفروض يكون ميت من سبع سنين.

الباب اتقفل ورا ناهد والرجل اللي دخل معاها، والبيت كله سكت.

أنا كنت واقفة جنب سلوى، ومحمود واقف قدامنا، وأبو محمود وصبري في الناحية التانية.

لكن أول ما الرجل ده ظهر بالصندوق القديم في إيده، حسيت إن كل حاجة حصلت لنا خلال السنين اللي فاتت كانت بتوصل للحظة دي.

محمود بص له وقال:

— إنت مين؟

الرجل ابتسم.

— أنا الشخص اللي أبوك كان فاكر إنه قدر يهرب منه.

أبو محمود تقدم خطوة.

— اسمه فؤاد.

صبري قال:

— هو اللي كان ماسك الحسابات كلها.

حسام قرب من محمود.

— متتحركش.

فؤاد حط الصندوق على الترابيزة.

— أنا مش جاي أضرب حد ولا أؤذي حد.

محمود رد بغضب:

— أمال جاي تعمل إيه؟

— جاي أقفل الحساب القديم.

ناهد كانت واقفة وراه، ووشها باين عليه الخوف.

سلوى بصت لها وقالت:

— إنتِ كنتي جزء من كل ده؟

ناهد نزلت عينيها.

— أنا دخلت حياة محمود عشان أوصل للصندوق.

محمود اتصدم.

— يعني جوازنا كان كذبة؟

ناهد ردت بصوت ضعيف:

— أيوه.

محمود سكت.

لكن بدل ما يصرخ، قال:

— ليه؟

ناهد رفعت عينيها.

— كانوا مهدديني.

— مين؟

— فؤاد ورجاله.

فؤاد ضحك بسخرية.

— متحاوليش تعملي نفسك ضحية.

ناهد ردت لأول مرة بعصبية:

— وإنت اللي هددتني بأخويا!

الصمت نزل على البيت.

حسام قال:

— كملوا.

ناهد قالت:

— من سنين وأنا شايفة فؤاد بيستغل حسابات الشركات اللي كان أبو محمود شغال معاها. أبو محمود اكتشف الموضوع. ولما حاول يفضحه، فؤاد عرف إنه لازم يسكت.

أبو محمود قال:

— وعلشان كده اختفيت.

— أيوه.

صبري كمل:

— وإحنا ساعدناه.

محمود بص لأبوه.

— بس أنا دفنت واحد على إنه إنت.

أبو محمود قرب منه.

— أنا عارف يا ابني.

— إنت عارف يعني إيه سبع سنين وأنا فاكر إن أبويا مات؟

أبو محمود نزل عينه.

— عارف.

— أمي كانت بتبكي عليك كل ليلة.

— عارف.

— وأنا كنت محتاجك.

أبو محمود دمعت عينه.

— وأنا كنت محتاجكم أكتر مما تتخيل.

محمود سكت.

وبعدين قال:

— بس أنا مش قادر أسامحك دلوقتي.

أبو محمود هز راسه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى