روايات وقصص

من ساعة ماحملت

عينه وقعت عليّا.
وشه اتغير.
وإيده اللي ماسكة الميكروفون ثبتت مكانها.
ابتسمتله.
وقلت:
— إن “الحالة” اللي كتبوا إنها شاركت في التجربة…
عمرها ما وافقت تشارك أصلًا.
وساعتها…
القاعة كلها سكتت.
وكريم نزل الميكروفون من قدام بقه، وبدأ يتحرك ناحيتي.
لكن قبل ما يوصل لي…
مدير الجامعة نفسه وقف من مكانه وقال:
— لحظة يا دكتور كريم.
ثم بصلي.
— مدام سلمى… ممكن توضحي لنا حضرتك تقصدي إيه؟
حطيت إيدي جوه شنطتي على الملف اللي جمعته طوال الأيام اللي فاتت.
ورفعت عيني ناحية كريم.
كان واقف قدام المسرح، وشه شاحب بشكل ما شفتوش عليه قبل كده.
حاول يبتسم، لكن ابتسامته طلعت متكسرة.
قال بسرعة:
— سلمى تعبانة بسبب الحمل، وممكن تكون فهمت الموضوع غلط.
قاطعه مدير الجامعة:
— إحنا هنسمع منها الأول.
سكت كريم.
بصيت للحاضرين.
مئات العيون كانت عليا.
قبل ساعات قليلة كنت مجرد زوجة حامل في بيتها، بتخاف من زعل جوزها، وبتحسب كل جنيه هتصرفه.
دلوقتي بقيت واقفة قدام نفس الناس اللي اتذكر اسمي في بحث من غير ما أعرف.
طلعت أول ورقة.
وقلت:
— أنا مش جاية أعمل مشكلة لجوزي.
كريم أخد نفس براحة.
لكن كملت:
— أنا جاية أقول الحقيقة.
القاعة فضلت ساكتة.
قلت:
— اسمي سلمى محمود. وأنا زوجة الدكتور كريم من خمس سنين. من أول ما حملت، جوزي أصر إني ألبس حذاء عالي عشرة سنتي كل يوم. مش في مناسبة. مش ساعتين. كل يوم.
واحدة من الطالبات بصت لصاحبتها.
كملت:
— لما رجلي كانت بتورم، كان بيمنعني ألبس حذاء مريح. ولما كنت بقول له إني مش قادرة، كان بيهددني إنه هيوقف مصروف البيت.
مدير الجامعة عقد حواجبه.
— وإيه علاقة ده بالبحث؟
رفعت الورقة.
— دي أول صفحة من البحث.
قريتها بصوت واضح:
— “تهدف الدراسة إلى قياس قدرة المشاركات على تحمل بعض الضغوط الجسدية والنفسية في أثناء فترة الحمل، مع رصد تأثير الاعتماد المالي على استجابة المرأة للأوامر…”
وقفت لحظة.
وبعدين قلت:
— المشكلة إني مش مشاركة.
الهمس انتشر في القاعة.
كريم تحرك ناحية المنصة.
— سلمى…
رفعت إيدي.
— لو سمحت.
كانت أول مرة أقولها له قدام ناس كتير.
وسكت فعلًا.
فتحت الملف.
— دي صور من الرسائل بيني وبينه.
رفعت صورة مطبوعة.
— دي رسالة منه بيقول فيها: “لو شوفتك لابسة فلات، مصروف البيت الشهر ده مش هتشوفي منه جنيه.”
ورقة تانية.
— ودي رسالة بعدها بأسبوع: “خلي بالك من الحذاء العالي. الشهر الجاي هنكمل.”
صوت من الصفوف الخلفية قال:
— ده كان متوثق؟
رديت:
— كل حاجة عندي بالتاريخ والوقت.
كريم بدأ يتحرك بعصبية.
مدير الجامعة بص له:
— من فضلك يا دكتور كريم، خلي مدام سلمى تخلص.
حطيت الورق على الطاولة.
— أنا في البداية كنت فاكرة إن هذا مجرد تحكم من جوزي. كنت مستغربة بس. ماكنتش أعرف إن الموضوع له علاقة بالجامعة.
طلعت صورة لغلاف الملف.
— لحد ما شوفت الدكتورة نهى في العيادة وهي بتشرح لطالبات عن “الحالة محل الدراسة”.
وشفت نهى نفسها واقفة في آخر القاعة.
كانت بتبص للأرض.
قلت:
— الملف كان عليه اسمي.
المدير بص ناحية نهى.
— دكتورة نهى، الكلام ده صحيح؟
نهى اتوترت.
— أنا…
سكتت.
كريم بص لها بنظرة حادة.
لكنها ماقدرتش تتكلم.
قلت:
— أنا مش عايزة حد يقول إنهم كانوا بيهزروا. ولا عايزة حد يقول إن الموضوع اتفهم غلط. أنا عايزة أعرف سؤال واحد بس.
بصيت للمدير.
— مين وافق إني أكون جزء من الدراسة؟
سكت الجميع.
ولا صوت طلع.
كرر المدير السؤال:
— مين عنده مستند يثبت موافقة السيدة سلمى محمود على المشاركة؟
واحد من الأساتذة اللي قاعدين في الصف الأول قال:
— المفروض تكون فيه موافقة مكتوبة.
رد مدير الجامعة:
— عارف.
بص لكريم.
— فين الموافقة؟
كريم بلع ريقه.
— موجودة.
أنا ابتسمت لأول مرة.
— لأ.
طلع الورقة من الملف.
— مفيش أي ورقة وقعت عليها أنا.
مدير الجامعة قال:
— إذًا أين هي؟
كريم سكت.
قلت:
— عشان كده جبت نسخة من الأوراق اللي قدرت أوصل لها.
فتحت الملف.
— البحث مقدم باسم فريق بحث، وفيه خانة بتقول إن المشاركة وافقت على الإجراءات.
وبعدين حطيت ورقة قدامه.
— لكن الإمضاء الموجود هنا مش إمضائي.
مدير الجامعة قرب الورقة.
وبص لها.
ثم قال:
— دكتور كريم، هل ده توقيع السيدة سلمى؟
كريم ما ردش.
القاعة كلها بقت كأنها بتحبس نفسها.
وفجأة واحدة من الطالبات رفعت إيدها.
المدير سمح لها.
قالت:
— أنا كنت موجودة في جلسة شرح البحث.
بصيت لها.
كملت:
— الدكتور كريم قال لنا إن زوجته وافقت وإنها حالة مناسبة جدًا لأنهم يقدروا يراقبوا تأثير الضغط المالي والجسدي في البيت.
حسيت قلبي اتقبض.
قالت طالبة تانية:
— وإحنا كنا فاكرين إن الموضوع رسمي.
قلت:
— وأنا كنت فاكرة إن جوزي بيطلب مني ألبس الحذاء العالي عشان هو بيحب شكلي بيه.
سكتت.
وبعدين قلت:
— طلعت بالنسبة له رقم في تجربة.
كريم أخيرًا انفجر:
— كفاية!
صوته دوى في القاعة.
اتخضيت لحظة.
لكن ما رجعتش خطوة.
قال:
— إنتِ بتدمري مستقبلي!
بصيتله.
— وأنا؟
سكت.
— أنا مستقبلي ماكانش مهم؟
ما ردش.
قلت:
— صحتي ماكانتش مهمة؟
سكت.
— ابني اللي في بطني ماكانش مهم؟
بدأت عيون بعض الناس تتحول ناحية بطنِي.
قلت:
— أنا كنت كل ليلة بحط رجلي على المخدة من الوجع، وأنت كنت بتسألني الصبح: لبستيه؟
صوتي بدأ يهتز.
لكنني كملت:
— كنت بعيط في الحمام عشان ما تسمعنيش.
كريم حاول يقاطعني.
— أنا كنت بعمل ده لأجل البحث!
لفيت له.
— البحث اللي أنا ماوافقتش عليه؟
سكت.
— البحث اللي اسمي مكتوب عليه؟
سكت.
— البحث اللي أنت بتقدمه النهارده قدام الجامعة على إنه نموذج للالتزام بأخلاقيات البحث؟
وشه وقع.
هنا واحد من أعضاء لجنة الأخلاقيات وقف.
قال:
— أنا محتاج أشوف كل المستندات فورًا.
مدير الجامعة أومأ.
— وأنا كمان.
مد إيده للملف.
ناولتهوله.
ثم قلت:
— ولسه فيه حاجة تانية.
فتحته على آخر الصفحات.
— دي دعوة المؤتمر.
المدير بص لها.
— عارفة.
— ودي نسخة من العرض التقديمي اللي كان موجود على جهاز الدكتور كريم.
كريم بصلي بصدمة.
— إنتِ دخلتي على اللابتوب بتاعي؟
قلت:
— لا.
وبعدين رفعت عيني له.
— الصور دي أنا لقيتها محفوظة على الجهاز المشترك في البيت، والملف كان مفتوح قدامي بالصدفة.
ما كانش عنده رد.
تابعت:
— وفي العرض مكتوب إن “المشاركة أظهرت التزامًا مرتفعًا بالتعليمات رغم وجود مؤشرات ألم جسدي”.
وقفت.
— يعني حتى ألمي اتحول عندكم لنتيجة إيجابية؟
الصمت كان تقيل جدًا.
الدكتور المسؤول عن لجنة الأخلاقيات قال:
— ده لازم يتراجع بالكامل.
مدير الجامعة قال:
— مش بس يتراجع. كل الإجراءات المتعلقة بالدراسة تتوقف من اللحظة دي.
كريم قرب مني.
— سلمى، ممكن نتكلم برا؟
بصيتله.
— لأ.
— إحنا متجوزين.
— وعشان إحنا متجوزين، كنت متوقع إني أدفن الموضوع؟
ما ردش.
قلت:
— أنت كنت فاكر إن سكوتي موافقة.
ثم بصيت للحاضرين.
— بس السكوت مش موافقة.
الجملة وقعت في القاعة كأنها ختم.
مدير الجامعة طلب من الأمن يقف عند باب القاعة.
مش عشان يمسك كريم.
لكن عشان يمنع أي فوضى.
وبعد دقائق، بدأ أعضاء اللجنة يراجعوا الأوراق.
أنا خرجت من القاعة.
رجلي كانت بتوجعني.
لكن الوجع المرة دي كان مختلف.
ماكنتش خايفة.
كنت حاسة إني أخيرًا شايلة حملًا أكبر من الحمل اللي في بطني، وبدأت أنزله عن كتفي.
في طرقة الجامعة، لقيت الدكتورة نهى ورايا.
قالت:
— سلمى.
وقفت.
— أنا آسفة.
بصيتلها.
قالت:
— أنا ماكنتش أعرف إنك مش عارفة.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— يعني لو كنت عارفة، كان الموضوع هيبقى عادي؟
سكتت.
— نهى، أنتِ شفتي رجلي في العيادة.
دموعها نزلت.
— أنا عارفة.
— وشفتي إني حامل.
— عارفة.
— وسمعتيهم بيتكلموا عني كأني تجربة.
هزت رأسها.
— أيوه.
قلت:
— ليه ماحدش قال لي؟
ما ردتش.
وبعد لحظات قالت:
— كنت فاكرة إن الدكتور كريم أخد موافقتك.
بصيتلها.
— كل واحد فيكم افترض.
قالت:
— أنا غلطت.
— آه.
سكتنا.
ثم قلت:
— الغلط مش بس إنك صدقتيه. الغلط إن محدش فكر يسألني.
هزت رأسها.
— عندك حق.
مشيت.
وأنا خارجة من بوابة الجامعة، موبايلي رن.
كان كريم.
ما رديتش.
رن تاني.
وبعدين رسالة:
“لازم نتكلم.”
مسحت الرسالة.
وبعدها جت رسالة تانية:
“إنتِ فاهمة الموضوع غلط.”
ما رديتش.
بعدها:
“لو سمحتي ما تعمليش أي خطوة قبل ما نرجع البيت.”
وقفت عند العربية.
قرأت الرسالة.
وبعدين حطيت الموبايل في شنطتي.
وقلت لنفسي:
— خلاص.
ركبت.
وأول مكان رحت له كان مكتب المحامية.
كانت الأستاذة مريم.
حطيت قدامها الملف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى