
“خليها مع أختي”.
ناولها لأختها ثم قال:
“أنا مش هكلمك تاني”.
هدى بصت له:
“ده أحسن قرار تاخده”.
هز رأسه ثم مشى.
أختها فتحت الظرف بعد ما ابتعد، وجدت بداخله ورقة واحدة مكتوب فيها:
“أنا آسف على كل لحظة خلتك تحسي إنك مش كفاية. الغلط كان فيا أنا.”
زوجته قرأت الورقة ثم طوتها وقالت لهدى:
“يلا نمشي”.
وفي طريق العودة قالت هدى:
“أنا كنت خايفة أقولك”.
أختها ردت:
“وأنا كنت خايفة أعرف”.
“سامحتيني؟”
“إنتِ؟”
هزت رأسها:
“أنا عمري ما زعلت منك”.
“بس هو…”
سكتت ثم قالت:
“هو كان عنده اختيار”.
هدى بصت من الشباك:
“وأنا؟”
“إنتِ كان عندك اختيار برضه”.
“اخترتِ إيه؟”
“اخترت أختي”.
هدى ابتسمت لأول مرة منذ شهور:
“وأنا كمان”.
لكن القصة لم تنتهِ هنا، لأن بعد أسبوع وصل لأختها خطاب رسمي كان فيه طلب أخير منه للجلوس معها أمام كبار العائلة. لم يكن يريد العودة، بل كان يريد أن يعترف بكل شيء أمام الجميع ويتحمل نتيجة أفعاله.
في البداية رفضت، لكن والدتها قالت:
“روحي عشان تقفلي الباب ده بنفسك”.
وافقت.. وفي الجلسة جلس الجميع؛ هو في ناحية، وهي في ناحية، وهدى بجوار أختها.
رفع الزوج رأسه وقال:
“أنا مش جاي أطلب منها ترجع”.. سكت الجميع: “أنا جاي أقول قدامكم إني أنا اللي غلطت”.. ثم بص لزوجته: “هي عمرها ما قصرت معايا”.. وبص لهدى: “وهي كمان عمرها ما شجعتني”.
هدى نزلت عينيها.
“الغلط كله بدأ من دماغي أنا”.. ثم قال: “كنت فاكر إني بحب هدى”.. سكت قليلاً: “لكن بعد اللي حصل فهمت إني كنت متعلق بصورة صنعتها في خيالي، وكنت أناني لدرجة إني كنت مستعد أكسر بيت كامل عشانها”.
زوجته لم تتكلم، فقال:
“أنا بطلب منكم تسامحوني على الأقل كإنسان”.
هدى رفعت رأسها وقالت:
“أنا مسامحاك”.
الجميع نظر لها:
“بس المسامحة مش معناها إن اللي حصل كان بسيط”.. ثم نظرت إلى أختها: “وأنا أكتر حاجة فخورة بيها إن أختي ما سمحتش للوجع يحولها لإنسانة قاسية”.
زوجته مسكت إيدها، وبعدها قالت له:
“أنا مسامحاك عشان أقدر أكمل حياتي”.. سكتت: “لكن مش هرجع لك”.
هز رأسه:
“أنا فاهم”.
المشهد الخامس
مرت سنة كاملة.. كل واحد بدأ يبني حياته من جديد. هدى خلصت دراستها وبدأت شغلها، وأختها نقلت بيتها وبدأت مرحلة جديدة بعيداً عن الذكريات.
أما هو فاختفى تماماً من حياتهم؛ اشتغل في مكان آخر، وبعد فترة سمعوا إنه سافر لمحافظة تانية.. لم يتزوج، ولم يحاول الاقتراب منهم.
وفي إحدى الليالي كانت الأختان قاعدين مع بعض، قالت هدى:
“فاكرة أول مرة قالك إني أختك؟”
ضحكت أختها:
“هو قالها إنتِ”.
ضحكت هدى:
“أنا؟”
“آه”.
“وقتها كنت شايفة الدنيا كلها بسيطة”.
أختها قالت:
“الدنيا عمرها ما كانت بسيطة”.. ثم سكتت: “بس عارفة إيه؟”
“إيه؟”
“أنا كنت فاكرة إن الخيانة معناها إن حد يروح لحد تاني”.
هدى بصتلها:
“طلعت إيه؟”
“الخيانة تبدأ قبلها بكتير”.
“إزاي؟”
“لما الواحد يسمح لنفسه يفكر في حاجة عارف إنها غلط… وبعدين يبررها لنفسه… وبعدها يبدأ يخبيها”.
هدى هزت رأسها:
“فعلاً”.
قالت أختها:
“عشان كده لازم الإنسان يلحق نفسه من أول خطوة”.. وبعد لحظة ابتسمت: “بس أنا مبسوطة إنك بقيتي أقوى”.
هدى ضحكت:
“وأنا مبسوطة إننا لسه مع بعض”.
في نفس اللييلة وصل لأختها اتصال من رقم غريب.. ردت:
“ألو؟”
جاءها صوت أمها:
“تعالي بسرعة”.
“في إيه؟”
“خالتك تعبت وعايزينك”.
قفلت ولبست بسرعة، وقالت هدى:
“أنا جاية معاكي”.
وفي طريقهم للمستشفى كانت الأختان بيتكلموا عن حاجات عادية: الدراسة، الشغل، البيت، المستقبل.. ولا واحدة فيهم كانت عايزة ترجع للماضي.
لكن عند باب المستشفى وقفت هدى فجأة وقالت:
“عارفة أنا اتعلمت إيه؟”
“إيه؟”
“إن الإنسان ممكن يبقى طيب ويدخل نفسه في وجع مش بتاعه”.
“وإنتِ عملتي إيه؟”
“بعدت”.
“وده كان أصعب قرار”.
“آه”.. ثم ابتسمت: “بس كان الصح”.
دخلتا المستشفى، ومن بعيد كان في رجل واقف أمام باب المصعد.. لما شافته هدى تجمدت. كان هو.. بعد سنة كاملة.
لكنه لم يقترب، لم ينادها، فقط نظر إليهما للحظة، ثم نزل بعينيه ومشى في اتجاه آخر.
أختها لاحظت، مسكت إيد هدى وقالت:
“متبصيش وراكي”.
هدى أخذت نفساً عميقاً ومشت معها. لكن قبل ما تدخل باب الغرفة سمعت صوته من بعيد:
“هدى”.
وقفت.. أختها بصتلها.
هدى لم تلتفت، قال هو:
“أنا بس كنت عايز أقول…”
ثم سكت.
هدى أغمضت عينيها، وبعد ثواني قالت من غير ما تلتفت:
“مفيش كلام تاني يا أبيه”.
ثم دخلت مع أختها وأغلقت الباب.
وفي اللحظة دي فهم هو أخيراً إن بعض الأبواب لما بتتقفل مش بيكون المطلوب إنك تدور على مفتاحها، المطلوب إنك تحترم إنها اتقفلت.
وقف وحده في الممر ثم ابتعد.
أما الأختان فدخلتا الغرفة، وكانت هدى ماسكة إيد أختها بقوة.. قالت لها:
“أنا آسفة إنك عديتي بكل ده”.
ردت أختها:
“وأنا مش ندمانة على حاجة واحدة”.
“إيه هي؟”
“إني صدقتك”.
هدى ابتسمت ودموعها نزلت:
“وأنا مش ندمانة إني اخترتك”.
حضنتها، وفي وسط كل الوجع اللي عدى عليهم اكتشفوا إن بعض العلاقات لما بتنجو من الأزمات بتخرج أقوى من الأول، وإن اللي بيتكسر مش لازم يتصلح بنفس الشكل، وأحياناً النهاية الحقيقية مش إن البطل ياخد اللي كان نفسه فيه، النهاية الحقيقية إن كل واحد يعرف غلطه، ويتحمل نتيجته، ويتعلم إن مش كل إحساس يستحق إنه يتحول لقرار.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




