
“يعني في حاجة حصلت”.. وسكتت لحظات: “وأنا مش هضغط عليك النهارده”.. وبعدين مشت: “بس لو عرفت إنك أذيت أختي بأي شكل… مش هسامحك”.
الجملة فضلت ترن في دماغه طول الليل.. لم ينم. وفي الصباح فتح موبايله فوجد رسالة من هدى:
“أنا قلتلك متكلمنيش”.
فكتب:
“آخر مرة بس”.
لم ترد. كتب:
“أنا غلطت”.
لا رد.
“أنا مش هطلب منك أي حاجة”.
لا رد.
ثم كتب:
“بس متخليش أختك تعرف مني. لو هتقوليلها قولي لها إنتِ.”
بعد دقائق ظهر الرد:
“أنا مش هقول لها دلوقتي.”
ارتاح، لكن الرسالة التالية جعلته ينهار:
“هستنى لحد ما أكون قوية كفاية عشان أواجهها بالحقيقة.”
ظل ينظر للكلمات، وفي اللحظة دي فهم إن هدى لم تكن تهدده بل كانت تستعد لإنقاذ أختها، لكنها كانت تريد أن تختار الوقت والطريقة التي لا تدمرها.
مرت الأيام وزوجته أصبحت أكثر شكاً. وفي إحدى الليالي كانت بتفتش في درج صغير تبحث عن إيصال، فوجدت علبة قديمة.. فتحتها ووجدت بداخلها أوراق صغيرة ومذكرات شراء وحاجات كان يجيبها لهدى.
تذكرت فجأة سنوات طويلة.. كل مرة كانت تقول له: “هات لهدى الحاجة دي”، وكان يجيب لها حاجات زيادة. كل مرة كان يصر إنه يوصلها، كل مرة كان يعرف موعدها قبل ما تسأله، وكل مرة كان يرجع البيت سعيداً بشكل غريب.
قلبها بدأ يدق، وفي اللحظة دي دخل عليها وشاف العلبة في إيدها.. تجمد.
قالت:
“إيه ده؟”
“حاجات قديمة”.
“ليه كنت بتحتفظ بيها؟”
“معرفش”.
رفعت ورقة:
“دي فاتورة من خمس سنين”.
ثم ورقة أخرى:
“ودي من أربع سنين”.
وبصت له:
“إنت كنت بتشتري لها حاجات كتير أوي”.
قال:
“كانت بتحب حاجات معينة”.
قالت:
“وأنا؟”
سكت.
“كنت بتجيبلي حاجة زي كده؟”
لم يجد جواباً.. ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع:
“أنا كنت غبية”.
“متقوليش كده”.
“لأ كنت غبية فعلاً”.
قرب منها لكنها بعدت:
“متلمسنيش”.
سكت، فقالت:
“أنا مش بس خايفة يكون في حاجة حصلت بينك وبين هدى”.. ثم رفعت عينيها إليه: “أنا خايفة إن الحاجة دي تكون حصلت من ناحيتك إنت”.
لم يستطع الرد، فقالت:
“إنت بتحب أختي؟”
الصمت كان الإجابة. زوجته لم تصرخ، لم تضربه، لم تبكي حتى.. فقط قالت:
“اطلع بره الأوضة.”
المشهد الثالث
خرج من الغرفة وقلبه بيتقطع، لكن زوجته لم تنم.. قعدت لوحدها حتى الفجر تفتكر كل التفاصيل: أختها لما كانت صغيرة، وهو لما كان يضحك معاها، الهدايا، العزومات، المشاوير، الانتظار أمام الجامعة.
ثم بدأت تسأل نفسها السؤال الأصعب: “من إمتى؟”
وفي الصباح اتصلت بهدى:
“تعالي لي”.
هدى فهمت من صوتها إن كل شيء انكشف.. جاءت بسرعة ودخلت الشقة، ولما شافت أختها كانت عينيها حمرا، قالت:
“إنتِ عارفة؟”
هدى قربت منها:
“عرفتي إيه؟”
أختها ردت:
“إن جوزي مش شايفني من سنين زي ما أنا كنت شايفاه”.
هدى دموعها نزلت:
“أنا آسفة”.
أختها شهقت:
“يعني الكلام صح؟”
هدى سكتت.
“هدى ردي عليا”.
هزت رأسها:
“هو قال لي”.
انهارت أختها على الكرسي:
“قالك إيه؟”
هدى بدأت تحكي.. من أول يوم ركبوا فيه العربية، إلى اعترافه، إلى كلامه عن الطلاق والزواج منها. كل كلمة كانت بتخرج منها كانت بتوجعها هي كمان، لكن أختها كانت ساكتة.
ولما انتهت هدى قالت:
“أنا رفضته”.
رفعت أختها عينيها إليها:
“ليه؟”
“عشان إنتِ أختي”.. بكت: “وعشان مهما حصل هو عمره ما كان المفروض يحطك في الموقف ده”.
أختها قامت واحتضنتها، والاثنتان بكيتا طويلاً. وبعد دقائق قالت الزوجة:
“إنتِ متخيلة إني ممكن ألومك؟”
هدى هزت رأسها:
“أنا كنت خايفة”.
“من إيه؟”
“خايفة تقولي إني السبب”.
أختها مسكت وشها بين إيديها:
“إنتِ أكتر واحدة وقفت جنبي”.
هدى بكت:
“أنا مش عايزة أخسرهالك”.
ردت:
“إنتِ مش هتخسريني”.. ثم سكتت: “لكن هو… خسرني”.
في المساء رجع الزوج.. فتح الباب وجد حقيبته عند المدخل. زوجته كانت واقفة.
قال:
“إنتِ عملتي إيه؟”
قالت:
“جهزت حاجتك”.
“اسمعيني”.
“سمعتك كفاية”.
“أنا ندمت”.
“الندم مش بيرجع السنين”.
“أنا مستعد أصلح كل حاجة”.
ضحكت بمرارة:
“إزاي؟”
سكت.
قالت:
“هتصلح إيه؟ الثقة؟”.. ثم أشارت إلى الباب: “ولا هتصلح الصورة اللي كنت شايفاك بيها؟”
“أنا بحبك”.
قالت:
“الحب مش كلمة تقولها بعد ما تكتشف إنك ممكن تخسر بيتك”.
“أنا فعلاً بحبك”.
ردت:
“لو كنت بتحبني كنت حميتني من الفكرة دي أصلاً”.
سكت.
قالت:
“كنت ممكن تعتبر هدى بنتك الصغيرة”.
“عارف”.
“لكن إنت اخترت تشوفها بطريقة تانية”.
نزل رأسه:
“أنا غلطت”.
“آه”.. ثم قالت: “وأنا مش هطلب منك تطلقني دلوقتي عشان أوجعك”.
بص لها:
“هتطلبي إيه؟”
قالت:
“هتخرج من البيت”.
“وهدى؟”
رفعت عينيها إليه بغضب:
“متجيبش سيرتها”.
“أنا…”
“أختي مش جزء من طلاقنا. هي مش جائزة هتاخدها بعد ما تسيبني”.
الكلمة كسرت آخر أمل عنده. خرج من البيت، لكن قبل ما يقفل الباب سمع زوجته تقول:
“إنت خسرت بيتك يوم ما قررت إن قلبك أهم من أمانة كانت في رقبتك.”
المشهد الرابع
بعد شهر بدأت إجراءات الانفصال. هو حاول يرجع.. مرة عن طريق أهله، ومرة عن طريق أصدقاء مشتركين، ومرة برسائل طويلة، لكن زوجته كانت رافضة.
أما هدى فاختفت تقريباً من حياته؛ غيرت مواعيدها، وغيرت طريقها، ورفضت أي مساعدة منه.
وفي يوم تخرجها من الجامعة، كانت الأسرة كلها موجودة. هو لم يكن مدعواً، لكن من بعيد وقف أمام بوابة القاعة.. كان يريد فقط أن يراها.
وعندما خرجت هدى مع أختها ووالدتها، لمحت وجوده.. توقفت. أختها لاحظت لكنها لم تمنعها.
هدى أخذت نفساً عميقاً ثم مشت نحوه وقالت:
“إنت هنا ليه؟”
“كنت عايز أقول مبروك”.
“شكراً”.
ثم سكت، فقال:
“أنا عارف إني خسرت كل حاجة”.
هدى ردت بهدوء:
“إنت خسرت مراتك”.
“وخسرتك”.
“إنت عمرك ما كنت تملكني عشان تخسرني”.
الجملة أصابته، فقال:
“عندك حق”.
ثم مد لها ظرفاً:
“ده كل حاجة كنت محتفظ بيها تخصك. صور الجامعة اللي كانت عندي، وأي أوراق أو حاجات تخصك”.
لم تمد يدها:



