روايات وقصص

علي العشاء حكايات صافي هاني

 

إيثان سكت

 

وبص لي

 

وبعدين قال

 

“عشان كنت غبي”

 

ضحكت

 

قال

 

“كنت فاكر إن قيمة الإنسان في الناس اللي يعرفهم والفلوس اللي معاه والمكان اللي بيقعد فيه”

 

وبعدين بص لليلي

 

“لكن جدتك علمتني إن أغنى إنسان ممكن يكون أفقر واحد لو فقد الرحمة”

 

ليلي ابتسمت

 

وقالت

 

“وتيتا غنية؟”

 

إيثان ضحك

 

“جداً”

 

ليلي بصت لي

 

“قد إيه؟”

 

قلت

 

“على قد الناس اللي بتحبهم”

 

ضحكت

 

وفي اللحظة دي دخل سامي

 

وحط قدامي طبق صغير

 

قلت

 

“إيه ده؟”

 

قال

 

“الوصفة القديمة”

 

بصيت للطبق

 

كانت نفس الوصفة اللي بدأت بيها قصة المطعم من عشرين سنة

 

لكن سامي قال

 

“المرة دي مش هتاكليها لوحدك”

 

وأشار لإيثان وليلي

 

وقعدنا كلنا

 

أكلنا مع بعض

 

ومن غير ما حد يعرف

 

إني كنت محتفظة طول السنين برسالة صغيرة في شنطتي

 

رسالة كتبها إيثان وهو عنده سبع سنين

 

كان مكتوب فيها بخط طفل متلخبط

 

“لما أكبر هخلي ماما تعيش أحسن حياة”

 

كنت دايمًا محتفظة بيها

 

وفي آخر الليل

 

لما رجعت البيت

 

طلعتها من الشنطة

 

وحطيتها على الترابيزة

 

وبصيت لها

 

لقيت إن ابني فشل يحقق الوعد بالشكل اللي كنت متخيلته

 

لكنه في النهاية حققه بطريقة أهم

 

خلاني أعرف إن تعب السنين ما راحش هدر

 

وإن الإنسان ممكن يقع

 

وممكن ينسى فضل أمه

 

وممكن يخجل من أصله

 

لكن لو عنده شجاعة يرجع ويصلح

 

يبقى لسه فيه أمل

 

أما أنا

 

فما بقيتش الست اللي قاعدة في آخر الترابيزة مستنية حد يسمح لها تاكل

 

أنا إليانور هايز

 

الست اللي عاشت عمرها كله تدي

 

من وقتها

 

كل ما أدخل المطعم

 

الشيف سامي يخرج بنفسه

 

ويمد لي إيده

 

ويقول

 

“أهلًا بصاحبة المكان”

 

وأنا دايمًا أرد عليه

 

“أنا مش صاحبة المكان”

 

فيضحك ويقول

 

“أنتِ صاحبة الحكاية”

 

وأبص حواليا

 

وأفتكر الكوباية اللي اتحطت قدامي زمان

 

وأفتكر كلمة إيثان

 

“افتكري مقامك”

 

وأبتسم

 

لأن النهارده أنا عرفت مقامي كويس

 

مش من الفلوس

 

ولا من المطعم

 

ولا من الورق

 

ولا من احترام الناس

 

عرفت مقامي من نفسي

 

وعرفت إن اللي يستهين بأم قضت عمرها عشان ابنها

 

هو اللي محتاج يعرف مقامه

 

أما الأم

 

فمقامها محفوظ عند ربنا قبل أي حد

 

والجميل إن إيثان فهم ده متأخر

 

لكن فهمه

 

وعشان كده سامحته

 

مش لأنه ما وجعنيش

 

لكن لأن قلبي ما كانش عايز يعيش باقي عمره شايل غضب من ابني

 

وفي آخر مرة قعدنا فيها كلنا على السفرة

 

إيثان رفع كوباية المية وقال

 

“عن إذنك يا أمي”

 

قلت

 

“في إيه؟”

 

قال

 

“كنت عايز أقول حاجة”

 

وسكت

 

وبعدين قال

 

“أنا آسف قدام كل الناس”

 

ابتسمت

 

وقلت

 

“خلاص يا إيثان”

 

قال

 

“يعني سامحتيني؟”

 

قلت

 

“سامحتك من زمان”

 

“بس”

 

بص لي بخوف

 

ضحكت

 

وقلت

 

“بس عمرك ما تقول لحد تاني افتكري مقامك”

 

ضحك وقال

 

“وعد”

 

وبعدين مد إيده

 

مسكتها

 

وكانت نفس اليد اللي مسكتها وأنا عنده ست سنين

 

بس المرة دي

 

هو اللي كان ماسك إيدي

 

مش أنا اللي بمسك إيده

 

وفي اللحظة دي فهمت إن بعض الأمهات بتربي أولادها عشان تحميهم من الدنيا

 

لكن أحيانًا

 

الدنيا هي اللي بتربيهم عشان يعرفوا قيمة الأم اللي كانت بتحميهم.

 

ومن يومها

 

كل ما أفتكر اللي حصل في العشا ده

 

ما بفتكرش كوباية المية

 

ولا الطبق الغالي

 

ولا الكرسي اللي حطوني فيه

 

أنا بفتكر اللحظة اللي الشيف وقف قدامي وقال

 

“مدام إليانور”

 

وساعتها عرفت إن ربنا ممكن يخلي الإنسان يسكت سنين

 

مش عشان يذله

 

لكن عشان في الوقت المناسب

 

يكشف له الحقيقة

 

ويثبت له إن الكرامة عمرها ما كانت في مكانة اجتماعية

 

ولا في فلوس

 

ولا في لقب

 

الكرامة في إنك تعرف قيمتك

 

وما تسمحش لحد يقلل منك

 

حتى لو كان أقرب الناس ليك.

 

أما كلير

 

فبعد كل اللي حصل اختفت من حياتنا

 

وإيثان بدأ من جديد

 

وليلي كبرت وهي عارفة إن جدتها مش ست فقيرة محتاجة حد يشفق عليها

 

لكن ست اشتغلت وتعبت وبنت حياة كاملة بإيديها

 

وفي يوم ليلي سألتني

 

“تيتا إنتِ ليه ما قلتيش لهم من الأول إنك مهمة؟”

 

بصيت لها وابتسمت

 

وقلت

 

“عشان يا حبيبتي الإنسان الحقيقي مش محتاج يثبت للناس هو مين”

 

“الناس هي اللي بتعرف قيمته لما الأيام تكشف الحقيقة”

 

حضنتني وقالت

 

“أنا عارفة قيمتك”

 

قلت

 

“عارفة؟”

 

قالت

 

“أيوه”

 

وبعدين ضحكت

 

“إنتِ أحلى تيتا في الدنيا”

 

حضنتها

 

وقلت

 

“وده أغلى من كل المطاعم اللي في الدنيا”

 

ومن يومها

 

ما بقيتش أسمح لحد يحدد لي مقامي

 

لأن مقامي مش في عين كلير

 

ولا في رأي أهلها

 

ولا حتى في رأي إيثان

 

مقامي عند ربنا

 

وفي قلبي

 

وفي كل سنة من عمري قضيتها وأنا بحاول أعمل الصح

 

والحمد لله

 

لما بصيت ورايا

 

لقيت إن التعب ما ضاعش

 

وإن ابني رجع

 

وإن حفيدتي كبرت وهي بتحبني

 

وإن كل اللي حاولوا يقللوا مني

 

هم نفسهم اللي اضطروا في النهاية يعترفوا بقيمتي.

 

وساعتها بس

 

فهمت إن بعض الناس لما يحطوك في آخر السفرة

 

ما يعرفوش إنهم بيحطوا نفسهم في آخر قائمة الناس اللي تستحق وجودك.

 

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى