
عندك حق
تعالوا نقعد
لكن مفيش حد في البيت كان قادر يتصرف كأن اللي حصل عادي
لأن الليلة دي كانت بداية حساب طويل
مش بيني وبين كونراد
لكن بين كونراد ونفسه
المشهد الثاني
العشا اتحط على الترابيزة
لكن محدش كان عنده نفس ياكل
البيت كان متزين بشكل مبالغ فيه
شجرة كبيرة
أنوار
هدايا
أطباق كتير
لكن فجأة كل الزينة دي بقت مالهاش معنى
لأن أربعة أطفال كانوا قاعدين قدام رجل اكتشف فجأة إنه أبوهم
كونراد قعد قدامهم
وكان واضح إنه مش عارف يبدأ منين
آدم كان بيأكل في هدوء
يوسف بيلف الشوكة في طبقه
عمر بيبص لكونراد من وقت للتاني
ومريم كانت بتسأل عن كل حاجة في البيت
قالت
هو البيت ده بتاعك؟
كونراد قال
أيوه
قالت
إنت عايش هنا لوحدك؟
قال
كنت عايش هنا
مريم قالت
وداليا كانت هتعيش هنا؟
سكت
وبعدين قال
كان فيه نية
مريم قالت
طب ليه مشيت من عند ماما؟
السؤال ده خلى كونراد يحط الشوكة
وقال
لأني كنت فاكر إني فاهم كل حاجة
يوسف رفع عينه وقال
وطلعت مش فاهم؟
كونراد ابتسم
وقال
طلعت مش فاهم حاجة
آدم قال
طب ليه ماما عمرها ما اتجوزت؟
أنا بصيت له
لكنه كمل
هي كانت ممكن تتجوز
كونراد بصلي
وأنا قلت
لأني مكنتش عايزة أدخل حد حياتكم وهو مش مستعد يحبكم كأنكم أولاده
كونراد سكت
واضح إن الجملة وجعته
قال
يعني كان فيه ناس؟
قلت
كان فيه
لكن أنا رفضت
عمر قال
ليه؟
قلت
لأنكم أهم
كونراد نزل عينه
وبص للأولاد
وقال
أنا آسف
آدم قال
على إيه؟
قال
على تمن سنين
عمر سأله
إنت كنت بتفكر فينا؟
كونراد سكت
وكان واضح إنه بيحاول يجاوب بصدق
قال
كنت فاكر إني مفيش أطفال
عمر قال
بس كنت عارف إن ماما حامل
كونراد قال
أيوه
عمر قال
يعني كنت عارف إن ممكن يكون فيه طفل
كونراد قال
أيوه
عمر قال
ومسألتش؟
كونراد غمض عينه
وقال
لأ
عمر قال
ليه؟
كونراد قال
لأني كنت أناني
الكلمة دي كانت أهم من أي تبرير
لأنه لأول مرة ماحاولش يحط الغلط على حد
ولا قال إن أمه خدعته
ولا قال إن الظروف منعته
قال أنا كنت أناني
أنا بصيت له
وقلت
دي أول مرة تقول الحقيقة
كونراد بصلي
وقال
أنا مش مستني منك تسامحيني
قلت
أنا مش صاحبة القرار لوحدي
اللي يهمني دلوقتي أولادي
لو هتدخل حياتهم
تدخلها باحترام
ومتوعدهمش بحاجة مش هتقدر تعملها
ومتظهرش يوم وتختفي شهر
كونراد قال
أنا مش هعمل كده
قلت
إنت لسه بتوعد
قال
أنا هثبت
سكت
ثم قال
بس فيه حاجة أنا مش فاهمها
قلت
إيه؟
قال
ليه أمي قالت إنها كانت بتحميني؟
أمه كانت قاعدة بعيد
قالت
لأني كنت شايفة إن سيسيلي هتسحبك من حياتك
كونراد بص لها
قال
كانت مراتي
قالت
إنت كنت عايز تطلق
قال
وده كان قرار غلط
قالت
أنا كنت شايفة إنك بتتدمر
كونراد رد
لأ
أنا كنت بهرب
أمه بدأت تعيط
وقالت
كنت خايفة عليك
قال
وخوفك خلاني أخسر تمن سنين من أولادي
الأم حطت إيدها على وشها
وقالت
سامحني يا ابني
كونراد سكت
لكن بعد لحظة قال
المسامحة بيني وبينك هتتحل بعدين
دلوقتي أنا محتاج أفهم كل اللي حصل
وبصلي
وقال
أنا عايز أعرف كل حاجة
من أول يوم عرفتي فيه إنك حامل
حكيت له
عن أول كشف
عن اليوم اللي عرفت فيه إن الحمل مش طفل واحد
عن الخوف اللي عشته
عن الولادة
عن الأيام اللي كنت فيها شايلة أربعة أطفال لوحدي
عن أول مرة مرضوا كلهم في نفس الأسبوع
عن الليالي اللي كنت بذاكر فيها شغل وأنا سامعة بكاء واحد منهم
عن أول يوم مدرسة
عن أول حفلة
عن أول عيد
عن كل مرة كانوا بيسألوا فيها
بابا فين؟
كونراد كان ساكت
لكن دموعه نزلت
قلت له
أنا مش بحكيلك عشان أذلك
أنا بحكيلك عشان تعرف إنهم مش ظهروا فجأة
إنت اللي غبت فجأة
كان فيه فرق كبير
كونراد قال
أنا فاهم
قلت
لأ
إنت لسه مش فاهم
الغياب مش بس إنك متكونش موجود
الغياب إن طفل صغير يستنى حد ومحدش ييجي
إنه يرسم صورة عيلة في المدرسة وميرسمش أب
إنه يسمع زمايله بيتكلموا عن آباءهم وميسألش
لأنه عارف إن السؤال هيوجع أمه
مريم بدأت تبكي
وقالت
ماما
قربت منها
قالت
أنا كان نفسي بابا ييجي مرة
كونراد اتكسر
قال
أنا آسف يا مريم
هي قالت
بس أنا مش عايزاك تفضل تقول آسف
كونراد سألها
أمال عايزة إيه؟
قالت
أعرفك
سكت
قالت
عايزة أعرف بابا عامل إزاي
كونراد ابتسم وسط دموعه
وقال
ممكن نبدأ دلوقتي؟
مريم هزت راسها
وقالت
ممكن
وبدأ يحكيلها عن نفسه
عن شغله
عن طفولته
عن الحاجات اللي بيحبها
عن الأكل اللي بيكرهه
عن إنه كان بيحب كرة القدم وهو صغير
الأطفال بدأوا يسألوه
وبعد وقت قصير
الجو اتغير
مش بقى طبيعي
لكن بقى أقل توترًا
كونراد كان بيحاول يعرفهم
وهم كانوا بيحاولوا يعرفوه
وبعد العشا
طلع أربعة هدايا صغيرة من العربية
كان جايبهم في الأصل لأولاد أخته
لكن بعد ما عرف الحقيقة
حطهم قدام الأطفال
وقال
أنا مكنتش عارف أجيب لكم إيه
فجبت حاجات بسيطة
عمر فتح هديته
وكانت كرة
ضحك
وقال
دي حلوة
يوسف فتح هديته
وكان كتاب عن الفضاء
آدم فتح هديته
وكانت سماعة صغيرة
ومريم فتحت هديتها
وكانت علبة ألوان
بصتله وقالت
إنت اخترتهم لينا؟
قال
لأ
ممكن تكون مش مناسبة
قالت
لا
مناسبة
لأنك أول مرة تجيبلي حاجة
الجملة دي كانت بسيطة
لكن كونراد فضل ساكت بعدها فترة طويلة
وفي آخر الليل
الأولاد ناموا في غرفة الضيوف
وأنا كنت قاعدة في الصالة
كونراد دخل وقال
أنا مش عارف أنام
قلت
ولا أنا
قال
أنا ضيعت تمن سنين
قلت
أيوه
قال
ومش عارف أرجعهم
قلت
محدش يقدر
قال
طب أعمل إيه؟
قلت
ابدأ من النهارده
قال
وإنتي؟
قلت
أنا مش محتاجة منك حاجة
قال
متأكدة؟
قلت
أيوه
أنا كنت محتاجة منك حاجات من تمن سنين
دلوقتي مش محتاجاها
اللي محتاجك هم أولادك
سكت
وبعدين قال
أنا عايز أثبت لهم إني أبوهم
قلت
متثبتش بالكلام
اثبت بالوقت
قال
هعمل كده
وقبل ما يخرج
قلت له
كونراد
وقف
قلت
متطلبش مني أسامحك دلوقتي
قال
مش هطلب
قلت
ومتطلبش من الأولاد يحبّوك بسرعة
قال
مش هطلب
قلت
سيبهم ياخدوا وقتهم
قال
هستنى
خرج
وأنا فضلت قاعدة لوحدي
لكن لأول مرة من تمن سنين
حسيت إن حمل كبير بدأ يتحرك من فوق قلبي
مش لأنه رجع
لكن لأن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور
المشهد الثالث
الصبح التاني كان مختلف
الأطفال صحوا بدري
ولما خرجوا من الغرفة لقوا كونراد في المطبخ بيحاول يعمل فطار
مريم وقفت عند الباب
وقالت
إنت بتعرف تطبخ؟
كونراد بص للحلة
وقال
بصراحة؟
لأ
عمر ضحك
قال
ماما هتغضب منك لو حرقت الأكل
كونراد ضحك
وقال
أنا مستعد للمخاطرة
دخلت المطبخ
لقيت الفوضى
ضحكت رغمًا عني
قلت
إنت كنت بتطبخ وأنا معاكي؟
قال
كنت بعرف أعمل مكرونة
قلت
إنت كنت بتحرق المكرونة
قال
ممكن
الأطفال ضحكوا
كانت لحظة بسيطة
لكنها كانت أول مرة أضحك فيها مع كونراد من سنين
بعد الفطار
اتفقنا إننا نرجع أريزونا
كونراد قال إنه عايز يزورنا
أنا قلت
الزيارة لازم تكون باتفاق واضح
مش هتظهر فجأة
ومش هتطلب تشوف الأطفال في أي وقت
اتفقنا على جدول
مرة في الأسبوع مكالمة
ومرة كل فترة زيارة
وبدأ فعلًا
أول أسبوع اتصل
الأطفال كانوا متوترين
مريم اتكلمت معاه خمس دقايق
عمر اتكلم معاه عشرين دقيقة
يوسف كان ساكت
آدم سأل عن شغله
الأسبوع التاني
اتصل تاني
التالت
والرابع
ومع الوقت
الأطفال بدأوا يستنوه
لكن المشكلة بدأت لما كونراد حاول يرجع لحياته القديمة
داليا رجعت تكلمه
لكن علاقتهم اتكسرت
هي قالت له
أنا مش قادرة أكمل وأنا عارفة إن فيه أربعة أطفال محتاجينك
كونراد قال
ده سبب إنك تمشي؟
قالت
لا
السبب إني اكتشفت إنك طول الوقت كنت عايش من غير ما تواجه نفسك
أنا مش عايزة أتجوز رجل لسه بيهرب من ماضيه
كونراد حاول يتمسك بيها
لكنها قالت
روح لأولادك
وبعدين لما تعرف أنت عايز إيه فعلًا
ابقى شوف حياتك
وانتهت الخطوبة
أنا لما عرفت مقلتش حاجة
لأن دي كانت حياته
لكن كونراد بدأ يتغير
بقى يزور الأطفال
ويحضر مناسباتهم
ويقعد معاهم
وفي مرة آدم كان عنده مسابقة في المدرسة
قال لكونراد
هتيجي؟
كونراد قال
أكيد
آدم قال
وعد؟
قال
وعد
يوم المسابقة
فضل آدم واقف عند باب المدرسة
كل ما عربية تقرب يبص
وأنا كنت خايفة
لأنني عارفة إن خيبة الأمل عند الأطفال بتكون أقسى من أي خيبة عند الكبار
وفجأة عربية كونراد وصلت
نزل منها
آدم جري عليه
كونراد فتح دراعه
وضمه
وقال
قلتلك هاجي
آدم قال
أنا كنت خايف متجيش
كونراد رد
أنا كمان كنت خايف
آدم استغرب
خايف من إيه؟
قال
خايف أخيب ظنك
آدم ابتسم
وقال
متخافش
إنت جيت
الجملة دي أثرت فيه جدًا
ومع الوقت بقى وجوده جزء من حياتهم
لكن أنا كنت حريصة على حاجة
إن الأولاد ميتحولوش لسلاح بينا
كنت بقول لكونراد
ماتستخدمش الأولاد عشان تقرب مني
وهو احترم ده
في المقابل
أمه بدأت تحاول تصلح علاقتها بالأطفال
لكن مريم كانت رافضاها
وفي يوم قالت لها
إنتي كنتي عارفة إن بابا موجود ومقلتيش؟
الأم بكت
وقالت
أيوه
مريم قالت
ليه؟
قالت
كنت خايفة
مريم قالت
بس إحنا كنا محتاجين بابا
الأم قالت
أنا عارفة
مريم ردت
يبقى متخافيش تاني
الأم حضنتها
وأنا كنت واقفة بعيد
شايفة المشهد
وقتها فهمت إن الأطفال أحيانًا عندهم قدرة على التسامح أكبر من الكبار
لكن الجرح مش بيختفي
بيحتاج وقت
بعد شهور
كونراد طلب يقابلني لوحدنا
قعدنا في كافيه هادي
قال
أنا عايز أقولك حاجة
قلت
قول
قال
أنا بدأت علاج نفسي
استغربت
قال
مش عشان الأولاد بس
عشاني أنا
أنا محتاج أفهم ليه كنت بهرب
ليه كنت بصدق أسوأ احتمال عن الناس اللي بتحبني
وليه لما كنت خايف من المسؤولية اخترت أهرب بدل ما أواجه
قلت
دي خطوة كويسة
قال
أنا مش بقولك كده عشان تمدحيني
بقولك عشان عايزك تعرفي إني أخيرًا بحاول أبقى إنسان أفضل
قلت
المهم الأولاد يشوفوا النتيجة
قال
عارف
سكت شوية
وبعدين قال
إنتي عمرك حبيتي حد بعدي؟
السؤال فاجأني
قلت
ليه بتسأل؟
قال
مش عارف
يمكن عشان أعرف إذا كنت أنا السبب إنك عيشتي لوحدك
قلت
أنا مكنتش لوحدي
كان عندي أربعة
ضحك
وقال
صح
وبعدين قلت
أنا اخترت أركز في حياتي
اشتغلت
وكبرت مشروعي
وربيتهم
ومبقتش مستنية حد ينقذني
كونراد قال
أنا فخور بيكي
قلت
مش محتاجة فخر منك
قال
عارف
بس أنا فخور
سكت
وبعدين قال
هل ممكن في يوم تسامحيني؟
بصيت له
وقلت
ممكن
بس التسامح مش معناه نرجع زي زمان
قال
أنا فاهم
قلت
واللي حصل مينفعش يتنسى
قال
مش عايزك تنسي
قلت
ليه؟
قال
عشان لو نسيت هنسى أنا كمان
ومرت الأيام
الأطفال كبروا
وعلاقتهم بكونراد بقت أقوى
لكن فجأة حصل شيء قلب كل شيء من جديد
كنت في البيت لما وصلني اتصال من كونراد
صوته كان متوتر
قال
سيسيلي
لازم نتكلم
قلت
فيه إيه؟
قال
لقيت حاجة تانية في مكتب أمي
قلت
إيه؟
قال
ورقة من المحكمة
وقفت
قال
الورقة دي فيها حاجة أخطر من الجواب
قلت
قول
قال
فيها إثبات إن أمي كانت عارفة عنواني وقتها
وكان فيه محضر استلام لرسائل منك
يعني
كل الرسائل اللي بعتها
وصلت
وهي أخفتها
قلبي وقع
قلت
إنت متأكد؟
قال
أيوه
وبعدين قال
فيه حاجة تانية
قلت
إيه؟
قال
أمي مش بس خبت الرسائل
هي كمان كلمت المحامي بتاعي وقتها
وطلبت منه يسرّع إجراءات الطلاق
سكت



