روايات وقصص

بابا قبل جوازي اماني السيد 2

ابتسم الرجل المشوه ابتسامة سخرية مريرة، ورفع يده ليشير نحو الباب الخارجي حيث بدأت أصوات سيارات تقترب في الخفاء عبر الطريق الترابي المظلم:
“لن تحتاج إلى أن أقول لك اسمه.. لقد جاء بنفسه لينهي ما بدأه قبل ثلاثين سنة. ولن يخرج أحد من هذا البيت الليلة كما دخل.”

توقفت المحركات بالخارج، وأُطفئت الأضواء فجأة، ليعم الصمت التام المكان إلا من صوت قطرات المطر وسحب أجزاء الأسلحة بالخارج…

الفصل الأخير والحكمة
مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الفاصل، ستة أشهر كانت كفيلة بإعادة ترتيب كل أحجار الشطرنج في حياتي.

تلك الليلة التي خرجت فيها من مكتب الأستاذ مجدي وأنا أحمل حريتي وحق أبي يرحمه، كانت هي الليلة الأولى التي نِمْتُ فيها ملء جفوني، دون أن أستيقظ على كابوس الظلم أو حسرة الشقاء المهدور.

رجعت إلى بيت أبي، الشقة الصغرى التي طالما شهدت على كفاحه والكدح الحلال. فتحت شبابيكها للنور والشمس، وقررت أن أبدأ مرحلة جديدة لا مكان فيها للضعف أو التردد. استغليت كل جنيه من قيمة الذهب التي استرددتها، وبدأت أوسع مشروعي الخاص. تحولت الشقة من مجرد مكان صغير للخياطة إلى أتيليه متكامل. اشتريت ماكينات خياطة أحدث، واستعنت بفتاتين من بنات المنطقة ليساعدوني في التفصيل بعد ما زاد الإقبال عليّ من كل مكان.

الخبر انتشر في المنطقة كالنار في الهشيم؛ القصة لم تكن مجرد خياطة استردت حقها، بل كانت قصة امرأة رفضت الاستسلام، وأخذت حقها بالذكاء والقانون والأصول دون أن تلوث يديها أو تفرط في كرامتها. زبايني تضاعفوا، والطلب على شغلي أصبح يأتي من أطراف المدينة، والبركة تزيد في إياي، تحقيقًا لوصية أبي التي طالما حفرتها في قلبي: “عايزك تزوديهم مش تنقصيهم”.

أما عن إبراهيم وحماتي…
العدالة الإلهية أسرع بكثير مما يتخيل أي إنسان. إبراهيم لم يخسرني فقط؛ بل خسر ذاته وصورته المزيفة التي طالما حاول أن يجملها أمام الناس. بعدما دفع ثمن الذهب كاملاً وتنازل عن نصيبه في الشقة، أصبح يعيش في انكسار نفسي ومادي لا يُطاق. أسرته وعائلته التي كان يتفاخر أمامهم أصبحوا ينظرون إليه بنظرة احتقار وخزي؛ فالجميع عرف أن بطولته المزيفة كانت مسروقة من عرق امرأة شقيانة.

أما حماتي، فلم تستطع أن تتمتع ببيتها المجدد؛ كانت كل قطعة أثاث تذكرها بالذنب والفضيحة، وبأن حجة بيت الله تسببت في خراب بيت ابنها وفضيحته بين أقاربه.

وفي يوم من الأيام، وأنا واقفة في الأتيليه وسط القماش والمعدات، سمعت خبطاً خفيفاً على الباب. فتحت، فوجدت إبراهيم يقف على العتبة.
كان يبدو كأنه كبر عشر سنوات في أشهر معدودة، ووجهه شاحب وفي عينيه انكسار كامل.

قال بصوت خفيض ومهزوم:
“إزيك يا بنت الأصول…”

رددت ببرود وهدوء تام، وأنا أقف على عتبة بيتي وكرامتي:
“أهلاً يا إبراهيم.. خير؟ في حاجة نسيتها؟”

بلع ريقه بصعوبة وقال والدموع تتجمع في عينيه:
“أنا ما نسيتش حاجة يا بنت الحلال.. أنا اللي أكلت حق نفسي قبل ما آكل حقك. أنا جاي أستسمحك للمرة الأخيرة، عايزك تسامحيني على كل لحظة استضعفتك فيها أو طمعت في شقاكي. أنا من يوم ما مشيتي والبيت بقى زي المقبرة، وأمي طول الليل والنهار بتعيط، والشارع كله بيبصلي بصة الخائن.. أنا خسرت كل حاجة لما خسرتك”.

نظرت إليه بثبات، ولم أجد في قلبي كرهًا ولا شفقة مفرطة، بل وجدت ارتياحًا مطلقًا أنني نجوت من أن أكمل حياتي مع شخص ينظر للشراكة بعين الاستغلال. قلت له بنبرة حاسمة:
“السماح من ربنا يا إبراهيم.. أنا أخذت حقي، ورجعت كرامة أبي يرحمه، وما بقتش شايلة في قلبي منك حاجة لأنك بقيت بالنسبة لي ماضي وانتهى. اتعلم من اللي حصل… ربنا يهديك ويصلح حالك”.

سكت لبرهة، وطأطأ رأسه، وعلم أن الباب قد أُغلق للأبد. استدار ومشى بخطوات ثقيلة يجر أذيال الخيبة والندم. قفلت الباب، ورجعت لعملي وأنا أستشعر نعمة الله وعزته.

الحكمة من القصة:
المال الحلال والكرامة خط أحمر: الشقاء والعرق النقي يخلقان هيبة وقوة لا تستطيع أي قوة استغلالية أن تكسرها.

القوة في العقل وليس في الصراخ: لا يُسترد الحق بالمشاجرات، بل بالتخطيط الهادئ، وتوثيق الحقوق، واستخدام القانون، وإظهار الحقيقة في الوقت المناسب.

النية الصافية والاعتماد على النفس: عندما تصون المرأة أصلها وتعتمد على شقائها برزق حلال، يفتح الله لها أبواب النجاح والأمان، ويجعل من كيد الظالمين دمارًا عليهم ونصرًا لها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى