منوعات

المليونير صحي من النوم

 

نادين بصت في عينيه وقالت:

 

— لو كان عايش كان رجع.

 

— يمكن ما قدرش يرجع.

 

— ست سنين؟

 

— أيوه.

 

— وإنت مصدق ده؟

 

— أنا مصدق إن أخويا ما اتدفنش قدامي.

 

سكتت نادين.

 

ولأول مرة ظهر التوتر على وشها.

 

قالت:

 

— ياسين أنا عارفة إنك متأثر ومشوش. بس لازم تسيب الموضوع ده.

 

— ليه؟

 

— لأن كريم اختار يختفي.

 

— إنتي متأكدة؟

 

نادين ردت بسرعة:

 

— جدًا.

 

وبعدها خرجت من الغرفة.

 

لكن ياسين ما خرجش وراها.

 

فضل واقف جنب مريم.

 

وبعد ثواني قال:

 

— هي بتكدب.

 

مريم بصت له وقالت:

 

— أنا كنت خايفة أقولك.

 

— من إمتى وإنتي عارفة؟

 

— من خمس سنين.

 

— خمس سنين؟

 

مريم بدأت تبكي.

 

— كريم هو اللي طلب مني ما أقولش.

 

— ليه؟

 

— لأنه كان مراقَب.

 

— مين كان بيراقبه؟

 

— ناس شغالة مع نادين.

 

ياسين سكت.

 

وبعدين قال:

 

— نادين كانت بتراقب أخويا؟

 

مريم هزت راسها.

 

— أيوه.

 

— وإنتي عرفتي ده إزاي؟

 

مريم بصت للسقف وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها.

 

— لأن كريم هو اللي طلب مني أشتغل عندكم.

 

ياسين اتصدم.

 

— إيه؟

 

— قبل ما أشتغل في الفيلا كنت أعرف كريم من زمان. كان بيعتبرني زي أخته. ولما حصلت الحادثة واختفى هو اتصل بيا بعد فترة.

 

— منين؟

 

— رقم غريب.

 

— وقالك إيه؟

 

مريم مسحت دموعها.

 

— قال لي إن لو حصل له أي حاجة أجيب لك صندوق صغير كان مخبيه عندي.

 

— فين الصندوق؟

 

مريم بصت له.

 

— عندي.

 

— فين؟

 

— في البيت.

 

ياسين وقف فورًا.

 

— هنروح نجيبه.

 

مريم مسكت إيده.

 

— لأ.

 

— ليه؟

 

— لأن البيت مراقَب.

 

— إزاي؟

 

— لأن نادين عرفت إن الصندوق موجود.

 

سكت ياسين.

 

— إنتي كنتي مخبياه فين؟

 

— في مكان ما حدش يعرفه.

 

— ومين حاول يقتلك الليلة دي؟

 

مريم بدأت ترتعش.

 

— نادين.

 

— شوفتيها وهي بتضربك؟

 

— أيوه.

 

— ليه؟

 

مريم بصت له وقالت:

 

— لأنها لقتني وأنا بحاول أهرب بالصندوق.

 

 

—

 

في نفس الوقت كانت نادين واقفة في جراج المستشفى.

 

طلعت تليفونها واتصلت برقم محفوظ من غير اسم.

 

— هي قالت له.

 

جاءها صوت رجل من الطرف التاني:

 

— قالت إيه؟

 

— كل حاجة تقريبًا.

 

— وكريم؟

 

— اسمه اتقال.

 

صمت الرجل.

 

نادين قالت:

 

— لازم نتصرف قبل الصبح.

 

— إنتي متأكدة إنها ما قالتش مكانه؟

 

— لأ.

 

— وياسين؟

 

— بدأ يشك.

 

— يبقى لازم ننهي الموضوع.

 

نادين سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

— مش هقتله.

 

— ليه؟

 

— لأنه لو مات هيفتح تحقيق كبير.

 

— أمال؟

 

نادين بصت ناحية باب المستشفى.

 

— هنخليه يصدق إن أخوه هو اللي خان العيلة.

 

 

—

 

بعد ساعة كان ياسين واقف في مكتب مدير المستشفى.

 

فتح اللابتوب واتصل بمحاميه القديم.

 

— سامح… عايزك تيجي المستشفى فورًا.

 

— حصل إيه؟

 

— عايزك تدور على كل حاجة تخص حادثة كريم من ست سنين.

 

— إنت رجعت تفتح الموضوع؟

 

— لأ. الموضوع هو اللي رجع.

 

— إيه اللي ظهر؟

 

ياسين قال:

 

— دليل إن كريم ممكن يكون عايش.

 

سكت المحامي.

 

— متأكد؟

 

— مش لسه.

 

— طيب ما تتحركش لوحدك.

 

— عشان كده بكلمك.

 

وبعد ما قفل المكالمة رجع لمريم.

 

— ابنك اسمه سيف؟

 

— أيوه.

 

— أنا هجيبه بنفسي.

 

— لأ يا أستاذ ياسين.

 

— ليه؟

 

— لأن نادين لو عرفت مكانه ممكن تأذيه.

 

— مش هتعرف.

 

— هي تعرف ناس في كل مكان.

 

ياسين قال بحزم:

 

— وأنا أعرف ناس أكتر.

 

اتصل بسائق العيلة.

 

— عم صابر؟

 

— أيوه يا باشا.

 

— روح إمبابة. خد سيف من عند الست اللي اسمه عند مريم. وخليه في مكان آمن.

 

— حاضر.

 

مريم مسكت إيده.

 

— ربنا يحميك يا ابني.

 

 

—

 

مع أول ضوء للفجر وصل المحامي سامح.

 

كان في إيده ملف قديم.

 

قال:

 

— الحادثة اتقفلت رسميًا على إنها وفاة محتملة من غير جثة.

 

ياسين قال:

 

— يعني إيه وفاة محتملة؟

 

— المركب اتكسر. اتلاقى جزء من هدوم كريم في البحر. لكن مفيش جثة.

 

— وليه ما دوروش أكتر؟

 

سامح فتح الملف.

 

— لأن التقرير وصل من شركة الإنقاذ إن احتمالية النجاة كانت شبه معدومة.

 

— شركة الإنقاذ مين؟

 

سامح بص له.

 

— شركة خاصة.

 

— اسمها؟

 

— النور للخدمات البحرية.

 

ياسين اتجمد.

 

— شركة النور؟

 

— أيوه.

 

— دي كانت الشركة اللي نادين أبوها شريك فيها.

 

سامح رفع عينيه.

 

— بالضبط.

 

ياسين رجع خطوة.

 

كل حاجة بدأت تركب فوق بعض.

 

الحادثة.

 

اختفاء كريم.

 

نادين.

 

مريم.

 

وسيف.

 

قال:

 

— افتح الملف كله.

 

سامح قلب الأوراق.

 

— فيه حاجة غريبة.

 

— إيه؟

 

— تقرير الحادث مكتوب الساعة تلاتة الفجر.

 

— وإيه الغريب؟

 

— الحادث حصل الساعة عشرة بالليل.

 

— يعني؟

 

— التقرير اتكتب قبل وصول فرق الإنقاذ للمكان.

 

سكت ياسين.

 

قال:

 

— يبقى التقرير كان جاهز.

 

سامح هز راسه.

 

— غالبًا.

 

في اللحظة دي رن تليفون ياسين.

 

كان عم صابر.

 

— ألو؟

 

جاءه صوت السائق مرتبكًا:

 

— يا باشا… أنا وصلت العنوان.

 

— وسيف؟

 

— مفيش حد هنا.

 

— إزاي؟

 

— الجارة بتقول إن الولد اتاخد من هنا من ساعة تقريبًا.

 

ياسين حس ببرودة في جسمه.

 

— مين أخده؟

 

— قالت إن ست جات وقالت إنها قريبة مريم.

 

ياسين قفل عينيه.

 

— نادين.

 

مريم بدأت تبكي.

 

— ابني…

 

ياسين مسك إيدها.

 

— هجيبه.

 

 

—

 

رجع ياسين للفيلا.

 

كان البيت هادي بشكل مخيف.

 

نادين كانت قاعدة في الصالون وكأن مفيش أي حاجة حصلت.

 

قدامها فنجان قهوة.

 

قالت:

 

— رجعت؟

 

— أيوه.

 

— سيف لسه عند جارته؟

 

ياسين وقف مكانه.

 

— إنتي عرفتي منين؟

 

نادين رفعت عينيها.

 

— عرفت إيه؟

 

— إني بدور على سيف.

 

— أنا سمعت مريم بتتكلم عنه.

 

— وإنتي بعتي حد يجيبه؟

 

— أنا؟

 

ضحكت.

 

— إنت بجد بقيت بتشك فيا؟

 

ياسين قرب منها.

 

— ابعدي عن ابني.

 

نادين اتصدمت.

 

— ابنك؟

 

— سيف ابن كريم.

 

نادين سكتت.

 

ياسين قال:

 

— وإنتي عارفة.

 

نادين قامت.

 

— إنت مش فاهم حاجة.

 

— فهميني.

 

— كريم كان خائن.

 

— خائن لمين؟

 

— للعيلة.

 

— وإيه اللي عمله؟

 

نادين قالت:

 

— سرق فلوس.

 

ياسين بص لها باستغراب.

 

— كريم؟

 

— أيوه.

 

— عندك دليل؟

 

نادين سكتت.

 

— عندك؟

 

— كان عنده حسابات سرية.

 

— فين؟

 

— مش عارفة.

 

— يبقى إزاي اتهمتيه؟

 

نادين بدأت تعصب.

 

— لأن أبويا كان عارف!

 

— أبوكي مات من أربع سنين.

 

— لكنه كان سايب كل حاجة مكتوبة.

 

— وريني.

 

نادين سكتت.

 

ياسين قرب منها وقال:

 

— من اللحظة دي إنتي مش هتخرجي من الفيلا.

 

— إنت بتهددني؟

 

— لأ.

 

رفع تليفونه.

 

— أنا ببلغ الشرطة.

 

نادين بصت له بخوف.

 

لكن قبل ما يتصل سمع صوت جرس الباب.

 

اتفتح الباب.

 

ودخل رجل في الخمسينات.

 

كان لابس جاكت غامق وملامحه حادة.

 

ياسين بص له.

 

الرجل قال:

 

— أنا كنت مستني اليوم ده من زمان.

 

ياسين سأله:

 

— حضرتك مين؟

 

الرجل قال:

 

— اسمي فؤاد.

 

نادين شحبت.

 

فؤاد كمل:

 

— وأنا كنت قائد فريق الإنقاذ اللي وصل لمركب كريم ليلة الحادث.

 

ياسين اتجه له فورًا.

 

— إنت اللي كتبت التقرير؟

 

— لأ.

 

— مين كتبه؟

 

فؤاد بص لنادين.

 

— أبوها.

 

نادين قالت:

 

— إنت كداب.

 

فؤاد أخرج فلاشة صغيرة.

 

— عندي تسجيلات تثبت كل حاجة.

 

ياسين مد إيده.

 

— اديني الفلاشة.

 

فؤاد قال:

 

— قبل ما أديها لك لازم تعرف إن أخوك ما غرقش.

 

— أمال حصل إيه؟

 

— اتصاب.

 

— وبعدين؟

 

— لقيناه حي.

 

نادين صرخت:

 

— كفاية!

 

فؤاد بص لها وقال:

 

— أنا كنت هناك.

 

وبعدين قال لياسين:

 

— أخوك كان لسه بيتنفس.

 

ياسين حس إن عينيه دمعت.

 

— أخدوه.

 

— مين؟

 

فؤاد أشار لنادين.

 

— رجالة أبوها.

 

 

—

 

في اللحظة دي دخلت الشرطة.

 

وكان سامح هو اللي بلغهم قبل ما ياسين يرجع للفيلا.

 

نادين حاولت تتحرك ناحية الباب الخلفي.

 

لكن اتنين من رجال الشرطة وقفوا قدامها.

 

— آنسة نادين كامل؟

 

— أيوه.

 

— لازم تيجي معانا.

 

قالت:

 

— على أي أساس؟

 

الضابط رد:

 

— فيه بلاغ اعتداء ومحاولة إخفاء أدلة وخطف طفل.

 

نادين بصت لياسين.

 

— إنت هتندم.

 

ياسين قال:

 

— أنا ندمت فعلًا.

 

— على إيه؟

 

— إني صدقتك كل السنين دي.

 

نادين اتقبض عليها.

 

لكن قبل ما تخرج قالت:

 

— كريم مش بريء.

 

ياسين رد:

 

— هعرف الحقيقة.

 

 

—

 

بعد ساعات رجعوا لمستشفى تاني في القاهرة.

 

فؤاد كان معاهم.

 

قال:

 

— لازم أوريك آخر مكان شوفنا فيه كريم.

 

وصلوا لمخزن قديم على أطراف الإسكندرية.

 

المكان كان مهجور.

 

فتح فؤاد باب حديد صدئ.

 

دخل ياسين.

 

لقى كرسي خشب.

 

وعلى الحيطة علامة محفورة.

 

كان كريم بيكتب اسمه بالشكل ده من صغره.

 

“كريم الشناوي”

 

ياسين لمس الكتابة.

 

وبدأت دموعه تنزل.

 

— كان هنا.

 

فؤاد قال:

 

— أيوه.

 

— وبعدين؟

 

— رجالة أبو نادين خدوه.

 

— فين؟

 

— ما أعرفش.

 

— يعني كل السنين دي…

 

— هو كان بينقل من مكان لمكان.

 

ياسين سأله:

 

— ليه؟

 

فؤاد أخرج ورقة.

 

— عشان كان معاه دليل.

 

— إيه؟

 

— مستندات تثبت إن أبو نادين كان بيغسل فلوس عن طريق شركات العيلة.

 

ياسين سكت.

 

فؤاد قال:

 

— وكريم كان ناوي يسلمها للشرطة.

 

 

—

 

بعد يومين وصلت نتيجة التحقيقات.

 

مريم كانت في حماية الشرطة.

 

سيف اتنقل لمكان آمن.

 

نادين اتحبست على ذمة التحقيق.

 

والفلاشة اللي قدمها فؤاد كشفت تسجيلات قديمة.

 

وفي تسجيل واضح كان صوت كريم بيقول:

 

— لو حصل لي حاجة ياسين لازم يعرف إن نادين وأبوها كانوا بيستخدموا حسابات شركاتنا من غير علمه.

 

وصوت تاني رد:

 

— وإنت فاكر إنك هتلحق تقول له؟

 

ثم صوت ارتطام.

 

وبعدها التسجيل انقطع.

 

ياسين قعد لوحده في مكتبه.

 

لأول مرة فهم ليه كريم اختفى.

 

مش لأنه خانهم.

 

لكن لأنه كان بيحاول يحميهم.

 

وفي آخر الليل دخل سامح.

 

قال:

 

— في خبر.

 

ياسين رفع عينيه.

 

— كريم؟

 

سامح هز راسه.

 

— لأ.

 

قلب ياسين وقع.

 

لكن سامح كمل:

 

— لقينا أثر جديد.

 

— فين؟

 

— في أسوان.

 

— إيه الأثر؟

 

— مستشفى صغيرة فيها مريض دخل من ست سنين باسم مستعار.

 

— وصفه؟

 

سامح فتح ملف.

 

— نفس سن كريم تقريبًا. وفيه إصابة قديمة في كتفه.

 

ياسين وقف.

 

— هنروح.

 

 

—

 

بعد ساعات كانوا في أسوان.

 

دخل ياسين المستشفى ومعاه فؤاد.

 

الدكتور القديم قلب السجلات.

 

وبعدين قال:

 

— أيوه فاكر الحالة دي.

 

ياسين قرب.

 

— اسمه كان إيه؟

 

— كان بيقول إن اسمه محمود.

 

— وكان عنده إصابة؟

 

— أيوه.

 

— خرج من هنا إمتى؟

 

الدكتور قال:

 

— من حوالي أربع سنين.

 

— راح فين؟

 

— قال إنه مسافر القاهرة.

 

ياسين خرج من المستشفى وهو حاسس إن الأمل رجع لقلبه.

 

لكن في نفس الليلة وصلته رسالة من رقم مجهول.

 

“لو عايز تشوف أخوك… تعالى لوحدك.”

 

وكان تحت الرسالة عنوان.

 

 

—

 

ياسين وصل المكان لوحده.

 

كان بيت قديم على طريق صحراوي.

 

نزل من العربية.

 

فتح الباب.

 

دخل.

 

البيت كان ضلمة.

 

وفجأة سمع صوت يعرفه.

 

— ياسين؟

 

وقف مكانه.

 

الصوت اتكرر.

 

— ياسين…

 

ياسين ما قدرش يتحرك.

 

قال:

 

— كريم؟

 

خرج رجل من آخر الطرقة.

 

كان وشه أنحف.

 

شعره أطول.

 

وفي خده أثر جرح قديم.

 

لكن عينيه كانوا نفس العيون.

 

نفس أخوه.

 

ياسين جرى عليه.

 

وحضنه بقوة.

 

ولا واحد فيهم قدر يتكلم.

 

فضلوا واقفين فترة طويلة.

 

وبعدين كريم قال:

 

— سامحني.

 

ياسين رد وهو بيعيط:

 

— إنت عايش.

 

— أيوه.

 

— ليه ما رجعتش؟

 

كريم قال:

 

— حاولت.

 

— ليه ما كلمتنيش؟

 

— لأن كل مرة كنت بحاول أقرب منك كانوا بيوصلوا لي.

 

— مين؟

 

— ناس نادين.

 

ياسين سكت.

 

كريم كمل:

 

— أنا ما كنتش خايف على نفسي.

 

— أمال؟

 

— عليك.

 

— ليه؟

 

— لأنهم كانوا عايزين ياخدوا الشركة باسمك.

 

ياسين فهم.

 

كريم قال:

 

— نادين ما قربتش منك صدفة.

 

— كانت عايزة فلوس؟

 

— كانت عايزة السيطرة على كل حاجة.

 

— وأنا؟

 

كريم بص له.

 

— إنت كنت المفتاح.

 

 

—

 

رجع ياسين القاهرة ومعاه كريم.

 

كانت لحظة دخول كريم للفيلا من أصعب اللحظات في حياته.

 

البيت اللي كان شاهد على طفولتهم.

 

على ضحك أمهم.

 

على أعياد ميلادهم.

 

على آخر مرة شاف فيها كريم قبل اختفائه.

 

وقف كريم في الصالة.

 

قال:

 

— ماما كانت هنا آخر مرة؟

 

ياسين هز راسه.

 

— أيوه.

 

— كانت مستنياني؟

 

ياسين دمعت عينه.

 

— ماتت وهي مستنياك.

 

كريم نزل رأسه.

 

— سامحيني يا أمي.

 

 

—

 

بعد أسابيع بدأت المحاكمة.

 

الأدلة كانت كثيرة.

 

التسجيلات.

 

التحويلات البنكية.

 

تقارير مزورة.

 

شهادات فؤاد.

 

وشهادة مريم.

 

وفي النهاية ظهرت الحقيقة كاملة.

 

نادين لم تكن وحدها.

 

كان فيه شبكة من رجال أعمال ومسؤولين سابقين كانوا بيستخدموا شركات وهمية لتحويل الأموال.

 

أبو نادين كان العقل المدبر.

 

وبعد موته حاولت نادين تكمل اللي بدأه.

 

أما كريم فكان أول شخص اكتشف الحقيقة.

 

وفي المحكمة قالت مريم:

 

— أنا ما كنتش شغالة عند الأستاذ ياسين بس. أنا كنت بحاول أحمي كريم وابنه.

 

ولما سألها القاضي ليه ما قالتش الحقيقة من الأول قالت:

 

— لأني كنت خايفة.

 

 

—

 

بعد انتهاء القضية بفترة قصيرة رجع سيف للعيش مع أبوه.

 

كريم كان محتار في البداية.

 

كان شايل جواه ست سنين من الخوف والوحدة.

 

لكن وجود ابنه ساعده يرجع للحياة.

 

وفي يوم من الأيام وقف سيف قدامه وقال:

 

— بابا؟

 

كريم ابتسم.

 

— نعم يا حبيبي.

 

— إنت هتفضل معايا المرة دي؟

 

كريم حضنه.

 

— مش هسيبك تاني أبدًا.

 

ياسين كان واقف بعيد وبص لهم.

 

ابتسم.

 

وفي اللحظة دي حس إن أخوه رجع فعلًا.

 

مش بس رجع بجسمه.

 

رجع بروحه.

 

 

—

 

أما مريم فبعد ما خرجت من المستشفى رفضت ترجع للفيلا.

 

قالت لياسين:

 

— أنا عايزة أبدأ حياة جديدة.

 

ياسين قال:

 

— هتبدأيها من غير ما تقلقي.

 

وساعدها تفتح مشروع صغير للأكلات البيتية.

 

وبعد فترة بقى المشروع ناجح جدًا.

 

سيف كان بيزورها أحيانًا.

 

وكان دايمًا يقول:

 

— طنط مريم دي كانت سبب إني ألاقي بابا.

 

وكان كريم يرد:

 

— لأ يا سيف. هي كانت سبب إن باباك يفضل عايش.

 

 

—

 

بعد سنة كاملة وقف ياسين في نفس الطرقة اللي حصل فيها كل شيء.

 

المراية القديمة اتشالت.

 

لكن مكانها حط صورة كبيرة لأمه.

 

وقف قدامها وقال:

 

— كنت فاكر إن أكبر خسارة في حياتي هي إني فقدت كريم.

 

سكت لحظة.

 

— طلعت الخسارة الحقيقية إني كنت عايش وسط ناس ما كنتش أعرف حقيقتهم.

 

كريم وقف جنبه.

 

— بس رجعتلك.

 

ياسين ابتسم.

 

— ودي الحاجة الوحيدة اللي مش هخسرها تاني.

 

دخل سيف يجري عليهم.

 

— بابا! عمو ياسين! ماما مريم جابت حلويات!

 

ضحكوا.

 

وفي آخر الطرقة كانت الشمس داخلة من الشبابيك الكبيرة.

 

البيت اللي عاش سنين في الخوف رجع يسمع صوت الضحك من جديد.

 

أما نادين فصدر ضدها حكم بعد ثبوت مشاركتها في الاعتداء والتخطيط لإخفاء الأدلة والخطف والتستر على الجرائم المالية.

 

وقبل ما تخرج من المحكمة للمرة الأخيرة طلبت تقابل ياسين.

 

دخل لها.

 

بصت له وقالت:

 

— كنت بحبك.

 

ياسين رد بهدوء:

 

— يمكن كنتي بتحبي الفلوس والسلطة أكتر.

 

دمعت عينيها.

 

— ولو رجع الزمن؟

 

قال:

 

— كنت هصدق أخويا من أول مرة.

 

وسابها ومشي.

 

 

—

 

مرت سنوات.

 

كبر سيف.

 

وبقى كريم شريك ياسين في الشركة.

 

أما مريم فأصبح مشروعها واحدًا من أشهر مشاريع الأكل البيتي في القاهرة.

 

وفي كل سنة في نفس اليوم اللي اتكسرت فيه مراية الجدة كانوا بيجتمعوا كلهم في الفيلا.

 

مش عشان يفتكروا الخوف.

 

لكن عشان يفتكروا إن الحقيقة مهما اتدفنت بتفضل موجودة.

 

وفي آخر تجمع ليهم وقف كريم قدام ياسين وقال:

 

— فاكر أول حاجة قلتها لي لما شفتني؟

 

ضحك ياسين.

 

— قلت لك: إنت عايش؟

 

— وأنا قلت لك سامحني.

 

— وإنت عارف أنا قلت إيه بعدها؟

 

— لأ.

 

ياسين حضنه وقال:

 

— قلت لك: المهم إنك رجعت.

 

وبص حواليه.

 

مريم كانت بتضحك مع سيف.

 

والبيت مليان نور.

 

وقال:

 

— بعض الناس ممكن تخدعك سنين.

 

— وممكن تخسر فلوسك.

 

— وممكن تحاول تدفن الحقيقة.

 

— لكن طول ما فيه حد واحد متمسك بالحقيقة… عمر الكذبة ما بتعيش للأبد.

 

ومن يومها ما بقاش ياسين الشناوي يفتكر الساعة 12 و4 دقايق كوقت بدأت فيه أسوأ ليلة في حياته.

 

بقى يفتكرها كوقت اكتشف فيه أخوه.

 

واكتشف الحقيقة.

 

واكتشف كمان إن العيلة مش بالدم بس.

 

العيلة هي الشخص اللي يفضل جنبك وقت ما الكل يختفي.

 

ومريم كانت واحدة من الناس دول.

 

أما كريم…

 

فكان أخوه اللي رجع من الموت.

 

ورجع ومعاه سر قلب حياة ياسين كلها رأسًا على عقب.

 

لكن في النهاية…

 

الحقيقة أنقذتهم.

 

والخيانة انكشفت.

 

والبيت اللي بدأ منه الخوف…

 

انتهت فيه الحكاية بالضحك.

 

تمت.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى