روايات وقصص

قعدو ابني في الجراج حكايات صافي هاني

وقلت

أهو اتعلمت

مرت سنة كاملة

وفي يوم كنت في المطعم وقت الظهر

لقيت دانيال داخل

معاه فيكتوريا

وأولادهم

قلت

إيه ده؟

دانيال قال

جايين ناكل

قلت

منورين

قعدوا

إيثان كان واقف في المطبخ

فيكتوريا راحت له

وقالت

إيثان

قال

أيوه؟

قالت

ممكن تعمل لي سندوتش زي اللي بتعمله لنفسك؟

ضحك وقال

حاضر

وأنا بصيت عليهم

كانت لحظة بسيطة جدا

لكن بالنسبة لي كانت كبيرة

لأن نفس المكان اللي كان ابني فيه بيتكسف من ريحة هدومه

بقى المكان اللي كل العيلة بتيجي تاكل منه

وفوق كل ده

بقى إيثان نفسه واقف في المطبخ وهو فخور بشغله

فيكتوريا كانت بتبص له وهو بيجهز السندوتش

وقالت

أنا مش مصدقة إنك بقيت شاطر كده

إيثان قال

بابا علمني

بصتلي وقالت

هو علمك كويس

قلت

هو اللي اتعلم

بعد الأكل دانيال وقف عندي

وقال

أنا عايز أشكرك

قلت

على إيه؟

قال

الموقف اللي حصل غيرني

قلت

إزاي؟

قال

بقيت أفكر قبل ما أوافق على أي حاجة

وبقيت أسأل نفسي

لو ابني كان مكاني هل هرضى عليه؟

قلت

دي أهم حاجة

قال

وأنا بقيت أقول لأولادي

اللي يشتغل بإيده مش أقل من اللي يشتغل بعقله

واللي يرجع هدومه ريحتها أكل مش عيب

قلت

حلو

قال

بس في حاجة

قلت

إيه؟

قال

فيكتوريا هي اللي علمتني أكتر

بصيت له باستغراب

قال

لأنها اعترفت بغلطها

قلت

وده مش سهل

قال

عارف

فيكتوريا سمعتنا وقالت

أنا كنت محتاجة أتعلم إن إحراج طفل أسهل حاجة

لكن إصلاح الأثر أصعب

قلت لها

المهم إنك حاولتي تصلحي

قالت

أنا كل ما أشوف إيثان بفتكر اللي حصل

قلت

وهو؟

قالت

هو بيقول لي ما تقلقيش

أنا سامحتك

بصيت لإيثان

كان بيضحك مع أولاد عمه

وقلت

هو قلبه كبير

قالت

أيوه

بعدها بفترة حصل موقف تاني

لكن المرة دي كان إيثان هو اللي وقف جنب ولد صغير في المطعم

كان ابن واحد من الزباين

الولد كان عنده حوالي عشر سنين

وقع منه طبق وهو بيحاول يشيله

وبدأ يعيط

أحد العمال قال له

خلي بالك يا شاطر

الولد احمر وشه

إيثان قرب منه

وقال

ما تخافش

أنا وقعت أكتر منك

الولد بص له

قال

بجد؟

قال

أيوه

وبعدين قال

بابا ما زعقليش

أنا بصيت لإيثان

هو كان بيحكي للولد عن أول مرة وقع فيها طبق

والولد ضحك

بعدها إيثان قال له

لو حد قال لك إنك فاشل عشان وقعت طبق ما تصدقوش

الطبق بيتصلح

إنما لو كسرت نفسك من جوه عشان كلام حد هتبقى أصعب

وقفت مكاني

لأن الجملة دي كانت أكبر من سنه

وبعد ما الولد مشي قلت له

إنت بتتكلم زي واحد عنده خمسين سنة

ضحك وقال

أصل أنا عندي خبرة

قلت

خبرة إيه؟

قال

خبرة الجراج

ضحكت

وقلت

خلاص

مش هنسى الجراج طول عمري

قال

ولا أنا

بس المرة دي ضحكنا

مش لأن الذكرى ما كانتش موجعة

لكن لأنها فقدت قدرتها علينا

وده يمكن كان أكبر انتصار حصل لنا

إن الحاجة اللي كانت في يوم سبب دموعه

بقت في يوم سبب ضحكنا

وفي آخر السنة

كنت أنا وإيثان قاعدين على سطح البيت

الجو هادي

والمطعم مقفول

والناس كلها نامت

قال لي

بابا

قلت

نعم

قال

لو رجع بيك الزمن لليلة دي

كنت هتعمل نفس اللي عملته؟

قلت

تقصد لما خبطت الكاسات؟

ضحك

وقال

أيوه

قلت

لا

قال

ليه؟

قلت

كنت هجيب ابني الأول

وبعدين أخبط الكاسات براحتى

ضحك بصوت عالي

وقال

أنا كنت عارف

وبعدين سكت

وقال

أنا مبسوط إنك أبويا

بصيت له

وقلت

وأنا مبسوط إنك ابني

قال

حتى لو ريحتي أكل؟

قلت

خصوصا لو ريحتك أكل

ضحك

وبعدين حط راسه على كتفي

وسكتنا

في اللحظة دي افتكرت الليلة اللي بدأت فيها الحكاية

طفل عنده تلاتاشر سنة

قاعد لوحده في جراج

ماسك سندوتش متغلف

وبيحاول ما يعيطش

وافتكرت نفسي وأنا واقف قدام كل الناس

غضبان

ومكسور

لكن دلوقتي

لما بصيت لإيثان

ما شفتش الطفل اللي اتبعت للجراج

شفت شاب صغير بيتعلم

بيتغير

وبيكبر

وعارف قيمة نفسه

وعارف إن شغله مش عيب

وإن هدومه مش بتحدد قيمته

وإن الناس ممكن تجرحه

لكن وجود حد واحد يحبه بصدق

ممكن يخليه يقوم تاني

وعرفت إن اللي حصل في ليلة العيد ما كانش مجرد موقف عائلي

كان اختبار

واختبار مش بس لفيكتوريا

ولا لدانيال

ولا لأمي

كان اختبار ليا أنا كمان

لأني لو ساعتها قلت لنفسي

خلينا نعدي الليلة وخلاص

كنت هعلم ابني من غير ما أقصد إن كرامته ممكن تتأجل عشان ما نزعلش الناس

لكن لما وقفت

وقلت اللي حصل

يمكن أنا عملت مشكلة في ليلة عيد

لكنني في المقابل علمت ابني درس عمره كله

إنه يستحق مكانه على السفرة

ويستحق الاحترام

ويستحق إن صوته يتسمع

حتى لو كان صوته واطي

وحتى لو كان لسه عنده تلاتاشر سنة

والأهم

إنه عمره ما يكسف من الحاجة اللي تعب عشان يعملها

لأن في الآخر

الناس ممكن تنسى هدومك

وتنسى شكلك

وتنسى إنت كنت لابس إيه

لكن عمرهم ما هينسوا معدن الشخص اللي كنت عليه

وإيثان

كان معدنه من البداية نضيف

هو بس كان محتاج أبوه يفكره بكده

ومن يومها كل ما أشوفه داخل البيت وهدومه فيها ريحة المطبخ

بقول له نفس الجملة

ريحة إيه دي يا بطل؟

فيضحك ويقول

ريحة شغل

وأرد عليه

أحسن ريحة في الدنيا

وفي كل مرة يقولها

أفتكر ليلة العيد

وأفتكر إن بعض المواقف الصغيرة ممكن تغير حياة إنسان

مش لأنها كانت أكبر مأساة

لكن لأنها بتكشف للناس هما مين

مين اللي هيسكت

مين اللي هيبرر

مين اللي هيخاف من المشاكل

ومين اللي هيقف جنب طفل حتى لو كل الناس اختارت تسكت

وأنا يومها اخترت ابني

ومش ندمان على الاختيار ده ولا يوم واحد

لأن العيلة الحقيقية مش هي الناس اللي بتقعد معاك على سفرة واحدة

العيلة الحقيقية هي الناس اللي لما تلاقيك واقف لوحدك

تقوم تقعد جنبك

حتى لو هدومك فيها ريحة مطبخ

حتى لو الدنيا كلها شايفة إن الموضوع بسيط

وحتى لو وجودك على السفرة هيعمل مشكلة

لأن كرامة الإنسان عمرها ما كانت حاجة بسيطة

خصوصا لما يكون الإنسان ده طفل

طفل كل ذنبه إنه حب يساعد أبوه

وطلع من المطبخ بإيده ريحة أكل

لكن قلبه كان مليان حب

وأنا لو في حاجة واحدة اتعلمتها من الليلة دي

فهي إننا أوقات كتير بنربي أولادنا على إنهم ما يردوش على الكبار

وده صح

لكن لازم نعلمهم كمان إن الأدب مش معناه إنهم يقبلوا الإهانة

والاحترام مش معناه إنهم يسكتوا على الظلم

والتسامح مش معناه إنهم ينسوا حدودهم

وإن الواحد ممكن يسامح

لكن يفضل فاكر الدرس

عشان ما يسمحش لنفس الغلط يتكرر

إيثان سامح فيكتوريا

وسامح عمه

وسامح جدته

لكن كلهم اتعلموا منه

ويمكن ده كان أعظم شيء حصل

إن طفل صغير دخل الجراج في ليلة عيد وهو حاسس إنه قليل

وخرج من نفس الموقف وهو عارف إنه غالي

مش عشان أبوه قال له كده وبس

لكن عشان شاف بعينه إن أبوه وقف قدام الكل وقال

ده ابني

وده مكانه

وده حقه

ومن يومها

كل ما نفتكر ليلة العيد

ما بنفتكرش الجراج

ولا الكاسات اللي اتكسرت

ولا السفرة اللي سكتت

ولا حتى الكلام اللي اتقال

بنفتكر إن طفل كان محتاج حد واحد بس يقف جنبه

ولما لقى الشخص ده

رجع يضحك تاني

ورجع يصدق نفسه

ورجع يدخل أي مكان رافع راسه

لأن بعض الجروح ما بتحتاجش علاج كبير

بتحتاج بس حد يقول لك

أنا شايفك

أنا مصدقك

إنت مش غلط

وإنت مش أقل من حد

وإنت مكانك هنا

ودي كانت الرسالة اللي حاولت أوصلها لإيثان

والحمد لله

وصلت

وأنا متأكد إن في يوم لما يكبر

ويبقى عنده أولاد

هيفتكر ليلة العيد دي

ويمكن يحكيها لهم

ويقول لهم

أبويا علمني إن ريحة الشغل عمرها ما كانت عيب

وإن الإنسان ما يتقاسش بريحة هدومه

ولا بشكل بيته

ولا بفلوسه

ولا برأي الناس فيه

الإنسان يتقاس بقلبه

وبأفعاله

وبالطريقة اللي بيعامل بيها اللي أضعف منه

ويمكن وقتها

هيفتكر الجراج

ويضحك

ويقول

كنت فاكر إني كنت لوحدي

لكن الحقيقة

أبويا كان واقف جنبي حتى وأنا بعيد عنه

وكان مستعد يخسر راحته

ويزعل ناس

ويعمل مشكلة

بس عشان ما يخلينيش أصدق للحظة واحدة

إني أقل من أي حد

وده كان كل اللي كنت عايز أعلمهوله

لأن الابن ممكن ينسى نصايح أبوه

وينسى دروسه

وينسى الكلام اللي قاله له

لكن عمره ما هينسى موقف أبوه وقف فيه قدامه الدنيا كلها وقال له

أنا مصدقك

أنا جنبك

وإنت ابني

ومكانك محفوظ

وبالنسبة لي

دي كانت أهم سفرة عيد قعد عليها ابني في حياته

مش لأنها كانت أكبر سفرة

ولا أغنى سفرة

لكن لأنها كانت السفرة اللي رجع لها وهو رافع راسه

بعد ما كان في يوم قاعد لوحده في الجراج

وبيحاول بالعافية ما يعيطش.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى