
قالت:
— يعني لما كنت بتطلب منها تدفع…
ما كملتش.
بصت لي.
ولأول مرة شفت في عينيها إحساس بالذنب.
قالت:
— أنا مكنتش أعرف.
قلت:
— بس كنتي عارفة إني بدفع كل مرة.
دموعها نزلت.
— أنا كنت فاكرة إنك بتحبي تساعديني.
قلت:
— وأنا كنت فاكرة إنك محتاجة.
سكتت.
المكان كله بقى تقيل.
أمي قالت:
— مهما حصل دي عيلتك.
بصيت لها.
— العيلة مش معناها إن واحد ياخد والتاني يدفع.
قالت:
— إنتي هتسيبي أبوكي وأمك؟
قلت:
— أنا مش بسيبكم. إنتوا اللي اخترتوا تسيبوني أول ما رفضت أدفع 2500 دولار.
أبويا قال:
— مايا كفاية.
قلت:
— لأ. مش كفاية.
كنت لأول مرة بقول كل اللي جوايا.
— أنا كنت دايمًا البنت اللي لازم تكون عاقلة.
— البنت اللي لازم توفر.
— البنت اللي لازم تسكت.
— البنت اللي لازم تدفع.
— البنت اللي لازم تستحمل.
— وكلوي كانت البنت اللي لازم تتدلع.
كلوي غطت وشها بإيديها.
أمي قالت:
— متحطيش أختك في الموضوع.
قلت:
— الموضوع كله بسببها.
وبعدين بصيت لكلوي.
— بس أنا مش بلومك لوحدك.
قالت وهي بتعيط:
— ليه؟
قلت:
— لأن أبويا وأمي علموكي إن دايمًا فيه حد هينقذك.
أبويا غضب.
— إنتي بتتكلمي كأننا أذيناكي!
بصيت له.
— أيوه.
الكلمة خرجت مني بهدوء.
— أذيتوني.
سكت.
— يمكن مكنش ضرب ولا شتيمة كل يوم.
— بس الإحساس إنك طول الوقت لازم تثبتي إنك تستحقي الحب كان مؤذي.
أمي بدأت تعيط.
لكن المرة دي دموعها ما هزتنيش.
قلت:
— أنا مش جاية أنتقم.
أبويا بصلي.
— أنا جاية آخد حقي وأعيش حياتي.
وبعدين حطيت مفتاح البيت على الترابيزة.
قلت:
— ومش هطلب منكم أي حاجة تاني.
لفيت أمشي.
أمي قالت:
— مايا!
وقفت.
قالت:
— إنتي بنتي.
بصيت لها.
— وأنا كنت بنتك حتى وإنتي بتقولي إني ميتة بالنسبة للعيلة.
ما ردتش.
خرجت.
المرة دي وأنا خارجة ما كنتش خايفة.
كنت مكسورة.
بس حرة.
بعد يومين بدأت الإجراءات القانونية.
المحامي فؤاد تولى الموضوع.
اكتشفنا إن فيه مستندات كتير اتوقعت باسمى من غير علمي.
وكان لازم يتراجع كل شيء.
الأغرب إن أبويا لما عرف إن الموضوع دخل في طريق قانوني اتصل بيا.
قال:
— إنتي هتوصلي الموضوع للمحاكم؟
قلت:
— أنا مش اللي بدأت.
قال:
— أنا أبوكي.
قلت:
— وأنا بنتك.
سكت.
قال:
— عايز أصلح اللي حصل.
قلت:
— الإصلاح مش بالكلام.
— أعمل إيه؟
— قول الحقيقة كلها.
سكت.
وبعدين قال:
— لو قلت كل حاجة ممكن أخسر كل حاجة.
قلت:
— وأنا خسرت سنين من حياتي وأنا فاكرة إني أقل منكم.
ما ردش.
بعد أسبوع قابلته في مكتب المحامي.
أبويا دخل لوحده.
كان شكله أكبر بعشر سنين.
قعد قدامي.
قال:
— أنا غلطت.
فضلت ساكتة.
قال:
— كنت خايف.
— من إيه؟
— إن الفلوس تبوظك.
ضحكت.
— عشان كده استخدمتها؟
قال:
— في البداية كنت بحاول أحافظ عليها.
— وبعدين؟
خفض عينه.
— حصلت مشاكل.
— مشاكل إيه؟
قال:
— استثمارات خسرنا فيها.
— وإنت عوضت الخسارة من فلوسي؟
هز راسه.
— أيوه.
حسيت بوجع في صدري.
قلت:
— كان ممكن تقول لي.
قال:
— كنت خايف.
— من إيه؟
— إنك تكرهي العيلة.
قلت:
— بدل ما تخليني أكرهكم بالحقيقة؟
ما ردش.
بعد شوية قال:
— كلوي ملهاش ذنب.
قلت:
— عارفة.
— متعاقبيهاش.
قلت:
— أنا مش بعاقبها. أنا بس مش هأنقذها تاني.
هز راسه.
— يمكن ده أحسن لها.
وبعدين حصلت مفاجأة.
أبويا طلع ظرف وحطه قدامي.
قال:
— دي كل المستندات اللي عندي.
فتحته.
كان فيه مستندات قديمة.
وعقود.
وإيصالات.
وكشف حساب كامل.
لكن وسط الورق كان فيه مستند مختلف.
مكتوب عليه:
“محمود عبدالسلام ـ إقرار تنازل عن الإدارة.”
بصيت له.
— ده إيه؟
قال:
— ده اللي كان لازم أوقعه من زمان.
قلت:
— وإنت وقعت؟
— النهارده.
يعني أخيرًا الإدارة انتقلت لي رسميًا.
لكن المفاجأة كانت في آخر الورقة.
كان فيه بند بيقول إن لو ثبت إن فيه سحب تم بدون إذني ممكن أطالب باسترداده.
بصيت لأبويا.
قال:
— أنا مستعد أرجع كل جنيه.
سكت.
قلت:
— حتى لو ده هيفلسك؟
قال:
— أيوه.
لأول مرة شفت أبويا مش كالرجل القوي اللي طول عمري كنت بخاف منه.
شفت أب كبير غلط.
غلط غلط كبير.
بس أخيرًا اعترف.
قلت:
— مش عايزة أشوفك بتتعاقب.
— وأنا مش عايز أخسرك.
قلت:
— اللي حصل مش هيتصلح في يوم.
قال:
— عارف.
— ومش هارجع أعيش زي زمان.
— عارف.
— ومش هادفع أي حاجة لكلوي تاني.
قال:
— عارف.
وبعدين قام.
قبل ما يخرج وقف وقال:
— أمك مش عارفة تقول لك إيه.
قلت:
— خليها تقول الحقيقة.
خرج.
بعد أسبوع كلوي جات لي.
كانت واقفة قدام باب شقتي الجديدة.
في إيدها كيس صغير.
فتحت لها.
دخلت.
قعدت على الكنبة.
قالت:
— أنا جاية أعتذر.
قلت:
— اتفضلي.
قالت:
— أنا كنت أنانية.
ما رديتش.
— كنت متعودة إنك دايمًا هتدفعي.
— عارفة.
— ولما كنتي بتقولي لأ كنت بزعل منك.
— عارفة.
دموعها نزلت.
— أنا مكنتش فاهمة إن اللي بعمله بيأذيكي.
قلت:
— دلوقتي فهمتي؟
هزت راسها.
— أيوه.
سكتنا.
وبعدين قالت:
— بعت العربية.
بصيت لها.
— إيه؟
— بعت البي إم دبليو.
قلت:
— ليه؟
— عشان أسدد اللي عليا وأبدأ أعتمد على نفسي.
لأول مرة ابتسمت لها.
— ده قرار كويس.
قالت:
— ممكن تساعديني ألاقي شغل إضافي؟
ضحكت.
— أقدر أساعدك تدوري. لكن مش هدفع.
قالت:
— أنا مش جاية أطلب فلوس.
بصيت لها.
قالت:
— أنا جاية أطلب أختي.




