روايات وقصص

مني السيد

– وأخواتك؟

قال:

– كل واحدة في بيتها.

ضحكت.

قال:

– وماما اتصلت.

قلبي شد.

قلت:

– قالت إيه؟

قال:

– بتقولك تيجي عندها بكرة.

سكت.

قال:

– لو مش عايزة، ما تروحيش.

بصيت له باستغراب.

دي كانت أول مرة يقولها.

قلت:

– هروح.

قال:

– ليه؟

قلت:

– عشان مش عايزة أبقى زيها.

ابتسم.

وفي اليوم التالي روحت.

دخلت بيت حماتي.

لقيتها قاعدة لوحدها.

بصت لي.

وقالت:

– اقعدي.

قعدت.

سكتنا شوية.

وبعدين قالت:

– أنا ظلمتك.

بصيت لها.

ما اتوقعتش أسمعها.

كملت:

– أنا كنت فاكرة إنك لما تسكتي يبقى إنتِ راضية.

دموعي نزلت.

قالت:

– وما فهمتش إن سكوتك كان عشان تحافظي على البيت.

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

– بس لما حازم وقف قدامي وقاللي “لو فضلتي تظلميها أنا هبعد عنك” فهمت إني كنت بخسره بإيدي.

مسكت إيدي.

وقالت:

– سامحيني.

بصيت لإيدها.

وبعدين بصيت في عينيها.

وقلت:

– أنا سامحتك.

ابتسمت.

لكن كملت:

– بس في حاجة.

قالت:

– إيه؟

– أنا مش هقدر أرجع زي الأول.

سألتني:

– يعني إيه؟

قلت:

– يعني هساعدك لما أقدر. وهزورك. وهقف جنبك. بس مش هكون مسؤولة عن كل حاجة. وبناتك يساعدوكي زي ما أنا بساعدك.

ضحكت.

وقالت:

– عندك حق.

ومن اليوم ده بدأت حاجة جديدة.

حماتي بقت تتصل ببناتها قبل ما تتصل بيا.

لو في غدا، كل واحدة تجيب حاجة.

لو في عزومة، كل واحدة تعمل طبق.

ولو أنا موجودة، أبقى واحدة من الموجودين، مش الخدامة الوحيدة.

وفي يوم من الأيام كانت حماتي عاملة غدا كبير.

دخلت المطبخ.

لقيت بناتها كلهم واقفين بيقطعوا ويجهزوا.

واحدة قالت:

– مريم، تعالي اقعدي.

ضحكت.

قلت:

– إنتوا بتقولوا إيه؟

قالت:

– ماما قالت ممنوع مريم تشتغل لوحدها.

بصيت لحماتي.

كانت قاعدة بتضحك.

وقالت:

– اتعلمت.

ضحكت.

وقلت:

– الحمد لله.

وبعد ما خلصنا، قعدنا كلنا على السفرة.

السمك كان في النص.

حماتي بصت لي وقالت:

– فاكرة يوم السمك؟

ضحكت.

– أنساه إزاي؟

قالت:

– اليوم ده علمني إن اللي بيسكت مش دايمًا ضعيف.

قلت:

– وأنا اتعلمت إن اللي بيحب بيته لازم يحافظ على نفسه جواه.

حازم كان قاعد جنبنا.

قال:

– وأنا اتعلمت إني ما ينفعش أسيب حد يحل خلافاته مع مراتي من ورايا.

حماتي قالت:

– خلاص بقى يا ابني. إحنا اتعلمنا كلنا.

ضحكنا.

وأنا بصيت حواليا.

افتكرت اليوم اللي كنت واقفة فيه قدام الفرن، والعرق بينزل من وشي، وأنا بقول لنفسي:

“خلصي السمك وانزلي.”

افتكرت إني كنت فاكرة إن نهاية اليوم هتكون خناقة.

لكن ما كنتش أعرف إن اليوم ده هيكون بداية أكبر تغيير في حياتي.

لأن المشكلة عمرها ما كانت في السمك.

ولا في الرز.

ولا في السلطة.

ولا حتى في براد الشاي.

المشكلة كانت إني كنت بدي من نفسي زيادة عن اللزوم، لحد ما الناس نسيت إن ورا “حاضر” إنسانة بتتعب.

ومن يومها بقيت أساعد من قلبي، مش خوفًا.

وأقول “حاضر” لما أقدر.

وأقول “لأ” لما أتعب.

وعرفت إن كلمة “لأ” مش معناها إنك وحشة.

ومش معناها إنك مش بتحبي الناس.

أحيانًا كلمة “لأ” بتكون الطريقة الوحيدة اللي بتفكري بيها الناس إن ليكي حدود.

وبعد الغدا، وأنا بجمع الأطباق، حماتي نادتني.

قالت:

– سيبيهم.

بصيت لها.

قالت:

– البنات هيغسلوا.

ضحكت.

واحدة من بناتها قالت:

– إيه يا ماما؟ هي مش خدامة يعني؟

حماتي بصت لها.

وقالت:

– أهو إنتِ قلتيها.

وبعدين بصت لي.

– وأنا كان لازم أفهمها من زمان.

ابتسمت.

ومشيت ناحية الصالة.

حازم لحقني.

قال:

– مبسوطة؟

قلت:

– جدًا.

قال:

– عارفة ليه؟

قلت:

– ليه؟

قال:

– عشان البيت رجع بيت.

بصيت له وقلت:

– لأ يا حازم.

ابتسم.

– أمال إيه؟

قلت:

– عشان كل واحد عرف مكانه.

مسك إيدي.

وقال:

– وربنا يخليكي ليا.

ضحكت.

وقلت:

– ويخليك لينا.

ومن يومها، كل ما أشوف السمك في السوق أفتكر اليوم ده.

مش بفتكر الحر.

ولا الصهد.

ولا التعب.

بفتكر اللحظة اللي قلت فيها لأول مرة:

“في الأحلام.”

الكلمة اللي كنت خايفة منها.

واللي اكتشفت بعدها إنها ما خربتش بيتي.

بالعكس.

هي اللي علمت كل اللي حواليا إن للطيبة حدود.

وإن احترام الكبير مش معناه إن الصغير يتهان.

وإن البيت اللي بيتبني على المودة مش محتاج واحدة تضحي بنفسها طول الوقت عشان يفضل واقف.

وأهم حاجة اتعلمتها؟

إنك ممكن تسامحي.

وممكن تفتحي صفحة جديدة.

لكن لازم الصفحة الجديدة يكون فيها سطر واضح جدًا:

“أنا هحبكم وهحترمكم وهقف جنبكم… بس عمري ما هسمح لحد ينسى إني إنسانة وليا كرامة وتعب وحدود.”

ومن ساعتها…

السمك بيتشوي.

والرز بيتطبخ.

والسلطة بتتحط على السفرة.

لكن مفيش واحدة في البيت بقت قاعدة تتفرج والتانية تتحرق مكانها.

لأنهم أخيرًا فهموا إن البيت مش مكان واحدة تخدم الكل.

البيت مكان الكل يخدم بعض.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى