
— “انفصلنا من زمان يا نورا؟ ده كان لسه بايت في حضني أول امبارح، وكان بياكل من طبيخي امبارح الصبح قبل ما يرمي جثته في حضن أمه وتوزّه عليكي.. خالد لسه مطلعش ورقة واحدة تثبت إننا انفصلنا، يعني إنتي دلوقتي داخلة على ضرة، وداخلة على بيت “موقوف” بقرار تمكين مني ومن ولاده.”
خالد زعق وهو بيفقد أعصابه:
— “كدابة! إنتي طالق يا ابتسام.. طالق بالتلاتة! ارتحتي؟ اطلعي بره بقى!”
الكلمة كانت تقيلة، بس وقعها عليا كان أخف من الريشة. بصيت له بانتصار وقلت له:
— “أشكرك.. دي أحلى كلمة سمعتها منك من يوم ما عرفتك. بس يا ريت نورا وأهلها يعرفوا إنك طرقتني وأنا ماليش ذنب غير إني رفضت أكون جارية عند ستك الوالدة.. ويعرفوا كمان إن الشقة اللي إنت واعدها بيها، “محجوزة” للولاد وليا بالقانون، يعني يا بطل هتبدأ حياتك معاها في “أوضة وصالة” عند ماما، أو تأجر لها شقة من ملاليم النفقة اللي هتبقالك.”
نورا بدأت تعيط، وأمها خرجت من جوه على الصوت وهي بتصوت: “في إيه؟ مين دي؟ وإيه الفضيحة دي يا خالد؟”
خالد كان واقف زي العيل الصغير اللي اتمسك بيلعب في الطينة، مش عارف يرضي مين ولا يداري خيبته قدام مين. بصيت لهم كلهم وقلت ببرود وأنا بعدل نضارتي:
— “أنا كدة أديت الأمانة.. مبروك عليكي يا نورا “بواقي” راجل، ومبروك عليك يا خالد “حضن ماما” اللي مش هيسيبك في حالك أبداً. سلام يا عريس.”
نزلت السلم وأنا حاسة إني طايرة، الوجع لسه موجود، بس الكرامة اللي رجعت غطت عليه. ركبت التاكسي وطلعت تليفوني، واتصلت بالمحامي اللي هناء دلتني عليه وقلت له جملة واحدة:
— “يا متر.. ارفع كل القواضي اللي عندك، نفقة، وتمكين، ومؤخر.. أنا عايزة حقي وحق ولادي تالت ومتلت.”
طلعت من التاكسي وأنا حاسة بنصر مؤقت، بس عارفة إن “عش الدبابير” اللي خبطت فيه هيهيج عليا. أول ما وصلت البيت، لقيت “هناء” مستنياني بلهفة والولاد بيلعبوا حواليها.
— “عملتي إيه يا مجنونة؟ قلبي كان هيقف!”
رديت وأنا بقلع النضارة وبترمى على الكنبة بتعب:
— “فركشت الليلة يا هناء.. خليت العروسة تشوفه على حقيقته، وخليته يطلقني قدامهم كلهم.. أنا دلوقتي حرة، بس حرة ومكسورة الجناح.”
محققتش نص ساعة، ولقيت تليفوني مبيبطلش رن.. “حماتي”. ماردتش، وبعدها “خالد”.. ماردتش. وفجأة، لقيت رسالة منه كلها غل:
“وحياة أمي يا ابتسام، لأخليكي تلفي حولين نفسك.. الشقة اللي فرحانة بيها دي هطلعك منها بالهدوم اللي عليكي، والولاد هاخدهم منك ومش هتشوفيهم تاني.. إنتي اللي بدأتي الحرب واستحملي.”
جسمي قشعر لثانية.. الولاد هما نقطة ضعفي الوحيدة. بصيت لهم وهما بيلعبوا بالليجو على الأرض، “حازم” و”هنا”، براءتهم وجعت قلبي. مسحت دموعي بسرعة وقومت:
— “هناء، أنا لازم أتحرك بسرعة.. خالد لو استقوى بأمه ممكن يعمل أي حاجة.”
نزلت قابلت المحامي، “الأستاذ عصام”، راجل داهية وشعره شايب من كتر القواضي. حكيت له كل حاجة، وهو قاعد بيسمع وبيهز في راسه وسيجارته في إيده:
— “بصي يا مدام ابتسام.. هو طلقك شفوي قدام شهود، ودي في مصلحتنا عشان نثبت الطلاق وناخد حقوقك. أما موضوع الولاد والشقة، فده قانون، ومحدش يقدر يلمس شعرة من عيالك طول ما إنتي “حاضنة”.. بس لازم نأمن نفسنا، خالد هيلعب لعبة “الاستحقاق”، هيحاول يثبت إنك مش أمينة عليهم.”
رجعت البيت بليل، الدنيا كانت هسس. دخلت المطبخ أعمل كوباية شاي، وفجأة سمعت خبط رزين على الباب.. خبطة مش غريبة عليا.
فتحت الباب ببطء، لقيت “خالد” واقف.. بس مش خالد العريس بتاع الصبح. قميصه مكرمش، وشه مطفي، وعينه فيها نظرة كسر وندم.. أو ده اللي كان عايز يبينهولي.
سند إيده على الباب وقال بصوت واطي ومبحوح:
— “ارتحتي يا ابتسام؟ نورا وأهلها طردوني وفسخوا الخطوبة، والمنطقة كلها اتفرجت عليا.. ضيعتي مني كل حاجة في لحظة غل.”
بصيت له ببرود وقلت له:
— “إنت اللي ضيعت نفسك يا خالد يوم ما فكرت إن العشرة بتهون، ويوم ما صدقت إن أهلك هما اللي هيعيشولك.. أنا مكنتش غلاوية، أنا كنت بدافع عن حقي.”
قرب خطوة وقال بنبرة فيها رجاء كداب:
— “أنا لسه بحبك.. والشيطان شاطر.. وأمي هي اللي ضغطت عليا. تعالي ننسى اللي حصل، وأنا هرجعلك، ونربي ولادنا بعيد عن المشاكل.”
لسه كنت هرد، لقيت “حماتي” طالعة من وراه على السلم زي القضاء المستعجل، وشها كان أزرق من كتر الغضب وصوتها عالي وهي بتزعق:
— “ترجع لمين يا خالد؟ دي اللي فضحتك في البيوت! دي اللي لازم تتربى هي وأهلها! إنت هتضعف قدامها ولا إيه؟”
بصيت لهم هما الاتنين، وبصيت لخالد اللي أول ما أمه اتكلمت، كشّ ورجع ورا خطوة.. وفي اللحظة دي عرفت إن مفيش فايدة، وإن اللي انكسر عمره ما يتصلح.
قلت له وأنا ببتسم بوجع:
— “شوفت؟ لسه بتترعش منها.. روح يا خالد مع ماما، أنا مبرجعش لورا، والشرع اللي حللك أربعة، حللي أنا كمان إني أعيش بكرامتي بعيد عنك وعنها.”
ورحت رزاغة الباب في وشهم هما الاتنين.. بس المرة دي الرزعة كانت مريحة، وكأنها سدت خرم كان بينزف في قلبي.
دخلت أوضتي، قلعت الطقم اللي كنت لابساه ورميته في الغسالة، وكأني بغسل آثار اليوم ده كله من عليا. قعدت على السرير، وفتحت كشكول قديم كنت بكتب فيه “أحلامي” المؤجلة من أيام الخطوبة، أحلام كانت بتتدفن يوم ورا يوم تحت تراب خدمة خالد وأمه.


