عام

الكلب الغامض ٣حكايات صافي هاني

بعد مرور تلات سنين على وفاة ياسين

رجعت للمقابر في يوم أحد زي عادتي

لكن المرة دي كان معايا أمان

مشيت معاه لحد قبر ياسين

قعد جنب الشاهد

وبعدين قام

بصلي

ومشي ناحية البوابة

ابتسمت وقلت

“رايح فين يا أمان؟”

فضل يمشي

مشيت وراه

لكن المرة دي مكنتش خايفة

ولا كنت بدور على سر

كنت عارفة إن كل طريق مشيناه سوا كان وراه حكاية

وصلنا لآخر المقابر

وأمان وقف

وبصلي

وبعدين رجع ناحيتي

حط راسه على رجلي

وفهمت إنه مش عايز يمشي أكتر

قعدت على الأرض وحضنته

وقلت

“خلاص يا أمان”

“أنا فهمت”

“إنت كنت بتوصلني لياسين”

“بس دلوقتي أنا عارفة الطريق”

بعدها رجعنا للقبر

قعدت قدام شاهد ابني

وقلت

“أنا مش هقولك وحشتني”

“لأنك عارف”

“ومش هقولك إني نسيتك”

“لأني عمري ما هنسى”

“بس هقولك حاجة تانية”

“أنا فخورة بيك”

“وفخورة إن ربنا اختارني أكون أمك”

حطيت إيدي على التراب

وقلت

“سامحني لو في يوم فهمت طيبتك غلط”

“وسامحني لو كنت فاكرة إن خسارتك معناها إن كل حاجة انتهت”

“دلوقتي عرفت إن الإنسان ممكن يموت”

“لكن أثره يفضل عايش”

عم حسين وصل في اللحظة دي

وقعد جنبي

وقال

“كان نفسه يشوفك بتعملي كده”

ابتسمت وسط دموعي

وقلت

“هو شايفني دلوقتي إن شاء الله”

فضلنا ساكتين شوية

وبعدين سمعنا نباح أمان

بصينا له

كان واقف قدام قبر ياسين وبيرفع راسه للسماء

رفعت إيدي ودعيت

“يا رب اجمعني بابني في الجنة”

وبعدها مسحت دموعي وقمت

ومشيت من المقابر لأول مرة من غير ما أحس إني بسيب ابني ورايا

لأني أخيرًا فهمت

إني مشيت من قبره سنين وأنا فاكرة إني بأبعد عنه

لكن الحقيقة إن كل خطوة خير عملتها بعد وفاته كانت بتقربني من أثره أكتر

ومن يومها بقى عندنا عادة

كل يوم حد نطعم كلب من الشارع

ونساعد محتاج

ونطلع صدقة على روح ياسين

وأمان فضل عايش مع عم حسين

وكل ما كان يشوفني كان يجري عليا

وفي آخر يوم من عمره

راح مع عم حسين لقبر ياسين

قعد هناك بهدوء

وبعدها رجع البيت ونام

وفي الصبح مات وهو مرتاح

دفناه قريب من المكان اللي كان بيحب يقعد فيه

وحطينا حجر صغير مكتوب عليه

“أمان”

وتحته جملة واحدة

“وفِي لصاحب الخير حتى آخر نفس”

ومن ساعتها كل ما حد يسألني

“إزاي قدرتي تتجاوزي موت ابنك؟”

بقول

“أنا متجاوزتش”

“أنا اتعلمت أعيش ومعايا حبه”

“واتعلمت إن اللي بنعمله من خير لله عمره ما بيضيع”

“يمكن الناس تنسى اسمنا”

“ويمكن السنين تمسح صورنا”

“لكن دعوة صادقة من إنسان ساعدناه ممكن تفضل عايشة بعدنا بسنين”

وبقيت كل يوم حد أروح قبر ياسين

أقرأ له الفاتحة

وأدعي له

وبعدين أرجع أكمل الحياة

مش عشان نسيت ابني

لكن عشان عرفت إن أحسن طريقة أكرم بيها ذكراه

إني أعيش بنفس القلب اللي رباني عليه

قلب بيشوف المحتاج

وبيساعد الضعيف

وبيعمل الخير لوجه الله

ومن يوم ما تبعتلي أمان لأول مرة ورايا

وأنا عرفت إن بعض الرسائل مش بتيجي في ظرف

ولا في مكالمة

ولا حتى في كلمة

أحيانًا الرسالة بتيجي على أربع رجلين

وتقعد جنب قبر شخص بنحبه

وتفضل مستني لحد ما نفهم إن الحكاية لسه مخلصتش.ومن يومها كل ما كنت أفتكر اليوم اللي قررت فيه أمشي ورا أمان كنت بحمد ربنا إني عملت كده

لأن لو كنت مشيت من المقابر في معادي زي كل مرة مكنتش هعرف الحقيقة

مكنتش هعرف قد إيه ابني كان بيعمل خير في السر

ومكنتش هقابل عم حسين

ومكنتش هعرف إن ياسين ساب أثر في قلوب ناس كتير بعد ما رحل

دلوقتي كل يوم حد بروح قبره وأدعي له

وبعدها أرجع أكمل شغلي في “أثر ياسين”

وأساعد أي حد محتاج على قد ما أقدر

وأمان بقى جزء من الحكاية اللي عمرنا ما هننساها

وعرفت إن الموت بياخد أجساد اللي بنحبهم

لكن مش بيقدر ياخد الخير اللي سابوه وراهم

ربنا يرحم ياسين وكل حبيب فقدناه

ويجعل كل عمل خير عمله في ميزان حسناته

ويجمعنا بيهم في الجنة من غير فراق ولا وجع ولا دموع.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى