
“كنت بروح المدرسة اللي جنب مدرستها زمان”
“وساعات كنت بشوفك وإنتِ بتجيبيها”
“كنت نفسي أكلمك”
دموعي نزلت
“ليه ما كلمتنيش؟”
قالت
“كنت بخاف”
“كنت فاكرة إنك مش عايزاني”
قلت
“أنا؟”
هزت راسها
“بابا كان بيقول إن ماما اختارت تعيش من غيري”
حسيت إن الكلام طعني
بصيت لسامح
“هو عمل كده؟”
سامح قال
“جوزك السابق كان عارف الحقيقة من أربع سنين”
وقفت
“إيه؟”
قال
“عرف إن إليزا عايشة”
“لكنه طلب مني ما أقولكيش”
“وقال إنه هيبدأ حياة جديدة ومش عايز مشاكل”
قلت
“يعني هو كان عارف إن بنتي عايشة وسابني أعيش ست سنين وأنا فاكرة إنها ؟”
سامح قال
“أيوه”
في اللحظة دي سمعت صوت خبط على الباب
سامح قام يفتح
وأول ما الباب اتفتح
أنا شوفته
جوزي السابق
عمر
واقف قدام الباب
وشه متغير
وأول ما شاف إليزا عينه دمعت
قلتله
“إنت كنت عارف”
ما ردش
صرخت
“كنت عارف إن بنتي عايشة؟”
قال
“أيوه”
قلت
“ست سنين”
“ست سنين يا عمر”
“وأنا كنت كل يوم بدفنها في قلبي”
قال
“أنا كنت خايف”
ضحكت بمرارة
“خايف من إيه؟”
قال
“من المسؤولية”
“من المرض”
“من إن حياتنا تتدمر”
قلت
“حياتنا؟”
“إنت دمرت حياتي فعلًا”
“بس البنت كانت عايشة”
سكت
إليزا قامت
وقفت قدامه وقالت
“ليه قلتلي إن ماما مش عايزاني؟”
عمر نزل عينه
“أنا كنت غلطان”
قالت
“ليه؟”
“كنت خايف”
قالت
“وأنا كنت بستنى ماما كل يوم”
عمر بدأ يبكي
لكن أنا ما قدرتش أشفق عليه
لأن في اللحظة دي فهمت إن فيه ناس ممكن تخاف من المسؤولية
لكن مفيش أم تقدر تخاف من بنتها
قربت من إليزا
ونزلت على ركبتي قدامها
وقلت
“أنا أمك”
“وأنا عمري ما سبتك”
“أنا كنت فاكرة إن ربنا أخدك مني”
“بس الحمد لله إنه رجعكلي”
إليزا فضلت باصة لي
وبعدين سألتني
“يعني ممكن أناديكي ماما؟”
حطيت إيدي على وشها
وقلت
“من النهارده مش هسمح لحد يمنعك تقوليها”
المشهد الرابع
الأيام اللي بعدها كانت أصعب أيام حياتي
مش بسبب إليزا
بالعكس
إليزا كانت بتحاول تتعود عليا
وأنا كنت بحاول أعوض ست سنين في يوم واحد
كنت بعملها أكل بتحبه
أذاكر معاها
أمشط شعرها
وأقعد جنب سريرها قبل ما تنام
وفي أول ليلة نامت عندي
فضلت باصة لوشها ساعات
كنت خايفة أصحى ألاقيها اختفت تاني
دخلت جوني الأوضة في نص الليل
وقالت
“ماما”
قلت
“نعم يا حبيبتي”
قالت
“هي أختي فعلًا؟”
ابتسمت ودموعي في عيني
“أيوه”
قربت من السرير
وقعدت جنب إليزا
وقالت
“يعني أنا كان عندي أخت طول الوقت؟”
قلت
“أيوه”
قالت
“طب هي ليه ما كانتش معانا؟”
سكت
وبعدين قلت
“الكبار ساعات بياخدوا قرارات غلط”
جوني بصتلي
وقالت
“بس إحنا نقدر نصلحها”
حضنتها
وفي اليوم ده قررت إن الماضي مش هيحكم علينا تاني
لكن كان لازم أواجه الحقيقة كاملة
قدمت بلاغ رسمي عن اللي حصل في المستشفى
وبدأنا نراجع كل الأوراق القديمة
وبعد أسابيع ظهرت تفاصيل محدش كان يعرفها
التبديل فعلًا حصل بسبب خطأ بشري
وإليزا اتسجلت وقتها باسم مختلف
والملف الأصلي اتحط في أرشيف قديم
لكن الأهم إن تحاليل البصمة الوراثية أكدت إن إليزا وجوني توأم فعلًا
وإن إليزا بنتي
بنتي اللي قضيت ست سنين أفتكرها ميتة
وبنتي اللي كانت عايشة على بعد ساعات مني
ولما الموضوع اتكشف رسميًا
عمر حاول يعتذر
وقال إنه مستعد يصلح كل حاجة
لكن أنا رفضت أرجعله
قلتله
“أنا سامحتك عشان أرتاح”
“بس السماح مش معناه إنك ترجع مكاني”
“إنت اخترت تمشي وقت ما بنتك كانت محتاجاك”
“وأنا اخترت أكون أمها من اللحظة اللي عرفت إنها عايشة”
أما سامح
فأنا زعلت منه فترة طويلة
مشيت بعيد عنه
وما كنتش قادرة أبص في عينه
لكن في يوم جه البيت
ووقف قدامي
وقال
“أنا مش طالب منك تنسي”
“ولا طالب منك تقولي إني كنت صح”
“أنا بس عايزك تعرفي إني كنت فاكر إني بحميكم”
بصيتله وقلت
“إنت أخدت قرار بدل مني”
قال
“عارف”
“وده ذنبي”
فضل واقف ساكت
وبعدين إليزا خرجت من الأوضة
وقالت
“خالو”
سامح رفع عينه
قالت
“ممكن تيجي تاكل معانا؟”
دموعه نزلت
ابتسم وقال
“ممكن”
بصيتلهم
ولأول مرة حسيت إن البيت اللي كان ناقص فرد
بدأ يرجع كامل من جديد
وفي المدرسة جوني كانت أول واحدة تحكي لكل أصحابها عن أختها
وكانت تقول بكل فخر
“دي أختي التوأم”
وإليزا كانت تضحك وترد
“وإحنا شبه بعض جدًا”
وفي يوم رجعت جوني من المدرسة
وحطت شنطتها على الأرض
وقالتلي
“ماما”
قلت
“نعم؟”
قالت
“بكرة حضري لانش بوكسين”
ضحكت وقلت
“ليه؟”
قالت
“عشان أنا وإليزا هنقعد جنب بعض”
بصيت لإليزا
كانت واقفة عند باب المطبخ وبتضحك
وقتها فهمت إن بعض النعم بتوصل متأخرة
لكن لما بتوصل
بتخلي القلب يسجد لله شكرًا عليها
المشهد الخامس والأخير
عدت شهور
والبيت اتغير تمامًا
بقى فيه صوت بنتين بدل بنت واحدة
ضحكتين
شنطتين مدرسة
سريرين
وصورتين شبه بعض معلقة على الحيطة
وفي يوم عيد ميلاد جوني وإليزا
عملت لهم حفلة صغيرة في البيت
جبت تورتة كبيرة
وكتبت عليها
“كل سنة وإنتوا معايا”
لما شافوها
إليزا حضنتني جامد
وقالت
“ماما”
قلت
“قلب ماما”
قالت
“أنا كنت فاكرة إن مفيش حد مستنيني”
قلت
“أنا كنت مستنياكي وأنا مش عارفة”
قالت
“بس ربنا كان عارف”
حضنتها أكتر
وقلت
“أيوه”
“وربنا أرحم بينا من نفسنا”
في آخر اليوم
بعد ما كل الناس مشيت
قعدت أنا والبنات في البلكونة
جوني كانت ماسكة إيد إليزا
وإليزا كانت بتبص للسماء
فجأة قالت
“ماما”
قلت
“نعم يا إليزا؟”
قالت
“إنتِ زعلانة من الست سنين اللي ضاعوا؟”
سكت
بصيتلها
وقلت
“أيوه”
“زعلانة جدًا”
“بس مش عايزة أضيع يوم واحد تاني في الزعل”
قالت
“يعني هتفضلي معانا؟”
ضحكت
“أنا مش هسيبكم أبدًا”
جوني قالت
“حتى لما نتجوز؟”
ضحكت وقلت
“حتى لما تتجوزوا”
إليزا ضحكت وقالت
“يبقى هنجيبلكم لانش بوكس”
ضحكنا كلنا
وبعدها دخلت أوضتي
طلعت الصندوق القديم اللي كنت محتفظة فيه بكل حاجات بنتي اللي
بطانية صغيرة
سوار المستشفى
وصورة التوأم اللي ما كنتش أعرف إن البنت التانية لسه عايشة
مسكت الصورة
وبكيت
لكن المرة دي دموعي ما كانتش دموع فراق
كانت دموع شكر
حطيت الصورة جنب صورهم الجديدة
وقلت
“الحمد لله”
“يا رب لك الحمد إنك رجعتلي بنتي”
وبعدين سمعت صوت جوني من الصالة
“مامااااا”
وإليزا وراها بتضحك
قمت بسرعة
وقلت
“جاية يا حبيبتي”
خرجت لهم
لقيتهم واقفين جنب بعض
نفس الطول
نفس العينين
نفس الشامة الصغيرة
بس المرة دي
ما كانوش مجرد صورتين شبه بعض
كانوا أختين
وكانوا الاتنين بينادوني
“ماما”
ومن يومها
كل صباح كنت بحضر لانش بوكسين
واحد لجوني
وواحد لإليزا
وأنا كل مرة أقفلهم
كنت أقول في سري
“الحمد لله على نعمة رجوع اللي افتكرتها راحت مني”
لأن أحيانًا الإنسان يفتكر إن قصته انتهت عند أصعب لحظة
لكن ربنا ممكن يفتح له بابًا ما كانش يتخيله
وبعد ست سنين من الفقد
رجعت بنتي للبيت
مش كذكرى
ولا كصورة
ولا كحلم
رجعت وهي بتجري عليا وتقول
“ماما”
وأنا أخيرًا قدرت أرد عليها
“عيوني يا إليزا”
ومن اليوم ده
ما بقاش عندي بنت
بقى عندي بنتين
والحمد لله رب العالمين.




