
صرخت بصوت جاب آخر الشارع، صوت مطلعش من حنجرتي قبل كده: “باباااا! اقف يا بابا.. الحقني يا بابا!”
العربية وقفت فجأة بصوت صريخ كوتشات. باب السواق اتفتح وبابا خرج منه يجري، وشة أصفر ومخضوض، وماما نزلت وراه بتصرخ من الرعب. ارتميت في حضن بابا وأنا بنهت وبترعش، بجسم متلج ودموع مغرقة وشي، مش قادرة أطلع جملة مفيدة على بعضها من هول الصدمة: “معتز يا بابا.. الأوضة المقفولة.. مراته جوة! اتجوز عليا وعاملني ستار عشان مصلحته معاك!”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات معتز وهو نازل يجري على السلم، وشه أحمر زي الدم، وبيحاول يداري الكارثة لما شاف بابا وماما. وقّف خطوته قبل ما يخرج من باب المدخل، قدم رجل ورجع رجل، وقال بنبرة مرتبكة ومقطوعة: “يا عمي استهدى بالله بس.. هند أعصابها تعبانة ومش فاهمة حاجة.. دي واحدة نصابة كانت و…”
قبل ما يكمل كلامه، بابا اللي كان من نص ساعة مكسوف وموطي راسه قدامه، تحول لأسد جريح. زقني ورا ضهره وبخطوة واحدة كان قدام معتز، وأداه قلم على وشه هز أركان المدخل، وسحبه من ياقة قميصه وهو بيصرخ فيه: “يا واطي! يا خاين! دي الأمانة اللي سلمتهالك؟ تخدعنا وتجيب مراتك تستخبى في الأوضة عشان تاخد التمويل والشراكة؟!”
معتز اتسمر مكانه ومقدرش يرفع عينه، خصوصاً لما الجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك والبيبان على الصوت العالي، والست التانية خرجت من باب العمارة وهي بتعيط وتصرخ وتطالب بفلوسها وحقها قدام الكل، لتبان الحقيقة كاملة وبشعاراتها العريضة قدام الشارع كله.
ماما مسكتني وأنا ركبي بتخبط في بعضها وفتحت باب العربية الخلفي وقعدتني، وفي اللحظة دي عينيا جت على الكرسي القداماني..
تيته غالية كانت قاعدة، لفت راسها ببطء شديد، وبصتلي بعيونها الصافية. مفيش في وشها نقطة تفاجؤ واحدة، لكن كان في عينيها حنان وراحة ونظرة حماية قاطعة. مسكت إيدي المرتعشة بإيدها الدافية، وقالتلي بصوتها الهادي اللي يرجع الروح: “قلتلك يا بنت قلبي.. البركة في العين اللي بتشوف، مش في السن اللي بيعدي. اركبي يا هند.. بيتك مش هنا، بيتك في أحضان اللي يصونك.”
بابا دخل العربية وهو بينهج من الغضب، دور الموتور وطلع بينا بسرعة، وساب معتز واقف في نص الشارع مهزوم ومفضوع قدام نفسه وقدام الشارع كله.
بصيت من شباك العربية لآخر مرة على الشقة اللي كنت فاكراها بداية حياتي، وحمدت ربنا على البركة الكبيرة اللي متدارية في نور ست تسعينية.. ست شافتنا بقلبها، وأنقذتني من فخ كان هيقضي على حياتي كلها.
صوت الموتور كان عالي وبابا ماسك الدريكسيون بإيدين بترتعش من كثرة الغضب، عيونه في مراية العربية بتراقب الشارع وكأنه بيهرب بينا من كابوس. ماما حاضناني وبتبكي بانهيار وهي بتقول بصوت مجروح: “الحمد لله يا بنتي.. الحمد لله إن ربنا كشفه على حقيقته قبل ما يربطك بيه أكتر من كده! يا حبيبتي يا هند.. ده كان هيضيعك!”
بابا طلع تليفونه بيد واحدة وهو سايق، وداس على رقم المحامي بتاعه، وأول ما التليفون اتفتح قال بنبرة حاسمة كالسيف: “يا متر.. تلغيلي كل الأوراق والعقود والشراكة اللي بيني وبين الواطي اللي اسمه معتز.. وترفعلي قضايا طلاق للضرر وخيانة أمانة فوراً! مش عاوز أخليه يطول قرش واحد، وهخليه يلف حوالين نفسه في المحاكم لحد ما يعرف يعني إيه يلعب ببنات الناس!”
أول ما وصلنا بيت أهلي، المكان اللي حسيت فيه بالأمان لأول مرة من أسبوع كامل، تليفوني ما بطلش يرن. معتز كان بيبعت رسايل زي المجنون.. بيتحايل، بيبكي، وبيحلف إن الست دي كانت بتبتزه وإن الموضوع مش زي ما أنا فهمت، بس الكذب كان بقى مكشوف ورخيص. مسكت التليفون ببرود تام، وعملت له بلوك من كل حتة، وقفلت الخط نهائياً.
في الصالة، قعدت على الأرض تحت رجلين تيته غالية. كانت قاعدة بصلابتها الهادية، ماسكة سبحتها وبتسبح ببطء. حطيت راسي على ركبتها، وإيدها العجوزة المليانة تجاعيد مشت على شعري بالحنان كله.
قلت لها بصوت مخنوق بالدموع: “كنتِ عارفة كل ده يا تيته؟ إزاي شفتي اللي محدش فينا قدر يشوفه؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة بحكمة تسعين سنة، وقالتلي بصوت دافي: “القلب النضيف يا هند بيحس بالوساخة قبل ما العين تشوفها.. الواد ده من أول يوم دخل فيه بيتنا وعينه كانت على القرش مش على صاحب البيت، كان بيبص للنعمة بطمع. والست اللي كانت مستخبية في الأوضة، ريحة ظلمها كانت طالعة تغطي على بخوره الزايف.. اللي يبيع الأمانة يا بنتي، ربنا بيفضحه عند أول عتبة.”
ومرت الأيام بسرعة، وبابا ما سابش معتز.. جابلي حقي بالقانون حبة بحبة، الشراكة اتلغت فوراً، والمحامي أخدلي كل حقوقي وطردناه من حياتنا تماماً. معتز خسر كل حاجة: فلوسه، سمعته، والتمويل اللي كان حاطط أمله عليه، وحتى مراته التانية سابته ورقعت فيه قضايا.
أنا اتعلمت الدرس الأكبر في حياتي.. إن المظاهر بتخدع والشكل بيمثل، بس الأرواح الصافية اللي زي تيته هي النور اللي بينورلنا الضلمة لما الدنيا تتلخبط.. ومن اليوم ده، بقيت قبل ما أخطو أي خطوة في حياتي، أروح أعد قدام تيته غالية، وأسمع لقلبها اللي عمره ما كدب.
تمت



