منوعات

جدتي زهرة الربيع

في ​اللحظة دي انا اتجمدت مكاني وجوزي وأهله اللي كانوا واقفين يستقبلوا اتغيرت وشوشهم، والإحراج أكل الوشوش. بابا اتكسف جدا ومسك إيدها بيحاول يهدّيها: “جرى إيه يا أما؟ متفضحيناش قدام الناس! الشقة شقة بنتك هندخل ونبركلها ونمشي.” بس هي كانت ناشفة زي الشجرة العتيقة، وقالت بإصرار: “هاتولي كرسي هنا.”

​فعلاً جيبت لها كرسي وقعدت عليه بره قدام باب الشقة المفتوح. جوزي انسحب لجوه وهو متضايق وبيحاول يداري غضبه، وبابا قعد يعتذر ويقولهم: “معلش يا جماعة، الست كبرت وعدت التسعين والمخ خلاص مش مجمع، كبرت وخرفت متزعلوش منها.” الكلمة وجعتني، بس ما كنتش قادرة أتكلم.

​القعدة جوه كانت تقيلة ومخنوقة. بابا وماما مقعدوش كتير، الموقف كان مالي الجو توتر، وبعد أقل من نص ساعة استأذنوا عشان يروحوا. خرجوا بره الشقه عشان يأخدوا تيته من على الكرسي ويمشوا. وقفت جنبها وأنا حزينة وعيني مليانة دموع، وبمد إيدي أساعدها تقوم.

​في اللحظة دي، مسكت في إيدي.. مسكة قوية أوي! قوة مش بتاعة ست عندها تسعين سنة أبداً، كأنها بتستغيث أو بتحذرني شدّتني ليها وأنا تلقائياً وطيت بدماغي عشان أسمعها، وحطت بؤها قريّب جداً من ودني وهمست لي بنبرة هادية بس مرعبة، نبرة خالية تماماً من أي خرف أو قلة عقل، وقالت لي كلام طيّر عقلي من مكانه، كلام مش قادر استوعبه او استوعب إزاي هي عرفت حاجة زي دي!!!!!

#زهرة_الربيع

قالتلي بصوت زي الفحيح، نبرة ثقيلة ومفهاش نقطة خرف واحدة، نبرة ست حية وواعية أكتر مننا كلنا: “يا هند.. الشقة دي مش بتاعتك أنتِ ومعتز بس.. الشقة دي فيها حد مستخبي جوة! أول ما الباب اتفتح ورجلي قربت من العتبة، شفت خيال ست بتجري واستخبت في الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر.. والريحة اللي طالعة دي مش ريحة بخور معتز، دي ريحة برفان حريمي مش بتاعك.. برفان رخيص متداري بشوية معطر.. جوزك مخبي في بيتك سر هيضيعك، اطلعي معايا دلوقتي وما تبيتيش هنا ليلة واحدة!”

الكلمات نزلت عليا زي مية نار، سقعت جسمي كله، الريق جف في الزور، وحسيت إن الأرض بتتزلزل وتتسحب من تحت رجلي. جيت أرد، أقولها أي حاجة، لساني اتعقد ومطلعتش كلمة.. بصيت في عينيها اللي كانت سرحانة من شوية، شفت فيهم ثبات ووعي يرعب، مفيش أي أثر لسن التسعين ولا للزهايمر اللي بابا كان بيتحامى فيه قدام الناس عشان يداري الإحراج.

بابا نده بنفاذ صبر وهو نازل أول درجتين: “يلا يا أمي، السلم تقيل عليكي.. انزلي معانا عشان ألحق أروحك.”

تيته ما شالتش عينها من عليا، سابت إيدي ببطء شديد، وقالت بصوت واطي وناشف: “اللي قلتلك عليه من شهور أهو.. قلتلك مخبي في قلبه كتير.. القرار قرارك يا بنت قلبي.”

قامت وقفت، أخدت عكازها ومشت مع بابا وماما ببطء، وأنا واقفة علامة استفهام كبيرة بين السماء والأرض. الباب كان مفتوح، الشقة ورايا ساكنة تماماً، وهدوء الممر بقى مرعب بشكل ما يتحملوش بشر.

تلفّت ببطء شديد وبصيت لعمق الشقة.. الممر كان نصه ضلمة، ومعتز كان واقف في آخره، مربع إيديه وساند بضهره على الحيطة. ما كانش بيضحك، وما كانش متضايق زي ما كان يبان قدام بابا.. كان واقف بيطلع فيا بنظرة جافة، باردة، خالية من أي مشاعر.

عينيا اتجهت تلقائياً لأخر الممر.. الأوضة الصغيرة اللي اتسكنت مقفولة من يوم ما دخلنا الشقة بحجة إنها مليانة كراكيب ومفتاحها ضايع.. شفت مقبض الباب بتاعها بيتحرك ببطء شديد.. ينزل لتحت.. ويرجع يطلع تاني، كأن في حد جوة ماسك المقبض وخايف يفتحه.

نبرة صوت معتز الهادية اللي كنت بحبها اتغيرت تماماً، بقيت جافة ومخيفة وهو بيمشي ناحيتي ببطء ويقول: “مشوا خلاص؟.. خطوة ممتازة.. تعالى بقى يا هند اقفلي الباب بالمفتاح.. عشان في حاجات كتير أوي محتاجين نتكلم فيها.”

صوت تكة المقبض وهي بتتحرك في الضلمة أكلت السكون اللي في المكان. رجلي اتسمرت في الأرض، ومسكت في مقبض الباب الخارجي بضوافري من كتر الرعب، كنت عاوزة أصرخ أو أجري ورا تيته، بس الخوف كان كاتم على أنفاسي وشال حركتي.

معتز قرب مني بخطوات ثقيلة ومحسوبة، مد إيده ببرود تام من غير ما يرف له جفن، وقفل الباب الخارجي ورايا ولف المفتاح تكتين.. الصوت ده دخل في قلبي زي الخنجر.

بص لي ونظرة عينيه كانت اتغيرت تماماً.. الملامح الهادية والضحكة اللي خطفتني اتخرعت وحل محلها وش صلب وبارد كأنه بلاستيك. قال بنبرة واطية ومستفزة: “تيته غالية دي طلعت أذكى من العيلة كلها.. مش كده؟”

قلبي كان بيدق في زوري، وريقي ناشف زي الحطب. قلت بصوت بيترعش ومخنوق: “معتز.. مين اللي جوة؟ أنت معاك مفتاح الأوضة؟ مش قلت المفتاح ضايع من زمان والمغلاق باظ؟”

حط إيده في جيبه ببطء، وطلع ميدالية مفاتيح نحاس، فيها مفتاح قديم. قرب من الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر، وحط المفتاح في الكوالين. صفيحة الباب خبطت خبطة خفيفة، ولما لف المفتاح، الصوت كان واضح ومسموع في الهدوء المرعب ده.

الباب اتفتح ببطء.. والريحة طلعت! نفس الريحة اللي تيته قالت عليها.. برفان حريمي نفاذ ورخيص، متغطي بريحة سجاير وبخور مكتوم.

من جوة الضلمة، خرجت ست.. في أواخر التلاتينات، وشها شاحب جداً وعينيها منفوخة من العياط، شعرها متنعكش ولابسة عباية سمرا، ماسكة في إيدها شنطة هدوم صغيرة. كان في عينها مزيج مرعب من الخوف والحقد.

بصيت لمعتز وبعدين بصيت لي وقالت بنبرة مكسورة بس طالع منها غل سنين: “أنا آسفة يا عروسة.. بس التمثيلة دي كان لازم تخلص هنا. أنا مش هفضل مستخبية زي الحرامية عشان بيه يكمل لعبته!”

الدنيا دارت بيا، مسكت في الحيطة عشان ما أقعش، الشقة كلها بقت تلف بيا. معتز بص للست بغضب مكتوم وقالها بصوت كأنه فحيح أفعى: “أنا مش قلتلك ما تنطقيش ولا تتحركيش لحد ما يغوروا؟!”

ردت عليه بصوت أعلى وهي بتبكي بانهيار: “أنا مراته يا هند! مراته بقالي أربع سنين على ورق عرفي.. الشقة دي كانت شقتنا، وقبل الفرح بـ أسبوع نقلني في الأوضة دي بحجة إن أهلك هيجوا يفتشوا ويرتبوا الشقة، ووعدني إنه هيديني فلوسي ويطلقني بعد ما يخلص مصلحته مع باباكي وياخد التمويل والشراكة اللي كان بيحلم بيها!”

الكلام كان بينزل عليا زي الصدمات الكهربائية. كل كلمة كانت بتهدم الصورة المزيفة اللي عشت فيها. معتز اللي كان بيظهر أطيب بني آدم في الدنيا، الشخص اللي جيت أخد رأي تيته فيه.. طلع نصاب متجوز عليا ومخبيني في بيته كواجهة، ومخبي مراته التانية في الأوضة المقفولة.

معتز حاول يقرب مني وإيده المرتعشة ممدودة: “هند.. اسمعيني بس.. هي بتتبلى عليا، دي واحدة مجنونة وكانت بتأجر الأوضة دي زمان و…”

قبل ما يلمسني، صرخت فيه بعلو صوتي صرخة هزت أركان الشقة: “إياك تلمسني!”

في اللحظة دي، صدى صوت تيته رجع في ودني يصرخ زي الجرس: “اطلعي معايا دلوقتي وما تبيتيش هنا ليلة واحدة!”

الخوف في ثانية تحول لغضب كاسح ووعي مفاجئ. ما استنيتش أسمع منه ولا كلمة تانية ولا أدي له فرصة يستوعب. سحبت شنطة إيدي اللي كانت مرمية على الجزمة عند الباب، وبسرعة البرق لفيت المفتاح وفتحت الباب الخارجي بكل قوتي، وخرجت ألتفت ورايا وجريت على السلم ونزلت أطير درجاته وأنا بصرخ بأعلى صوتي وبنده على بابا قبل ما عربيتهم تتحرك من تحت العمارة.

نزلت السلم طيران، رجليا مكانتش بتلمس الدرج من كتر الهلع، كنت حاسة إن الرئة بتاعتي هتتفجر والنفس مقطوع، بس الرعب كان بيزقني عشان ألحق شريان حياتي الوحيد قبل ما يضيع. أول ما وصلت لمدخل العمارة، شفت نور عربية بابا وهو بيتحرك ببطء في الشارع.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى