
المشهد الثالث: رجع مصر وهو فاكر نفسه منتصر
بعد أربعة أيام، إيهاب رجع.
دخل البيت بشنطته.
بص حواليه وكأنه داخل بيت لسه ملكه.
حط الشنطة على الأرض وقال:
“وحشتيني.”
أنا ماجريتوش عليه.
ولا حتى سألتُه عن السفر.
كنت قاعدة على السفرة وليلى بتعمل واجبها.
بص لي وقال:
“مش هتسأليني عملت إيه؟”
قلت:
“لأ.”
قال:
“ولا هتزعلي؟”
قلت:
“زعلت كفاية.”
قعد قدامي.
وقال:
“أنا عايز نبدأ من جديد.”
بصيت له وقلت:
“ممكن.”
وشه نور.
لكن سألته:
“بس قبل ما نبدأ من جديد… تحب تشوف حاجة؟”
طلعـت الملف.
وحطيته قدامه.
فتح أول ورقة.
كان تقرير البنك.
وبعدها ورقة تحويلات الشركة.
وبعدها نسخة من عقد بيع البيت.
وبعدين إيصال الفندق.
وبعدين آخر ورقة.
سكت تماماً.
قلت:
“كل حاجة كنت فاكر إنك مسحتها موجودة.”
قال:
“إنتي… إنتي كنتي بتراقبيني؟”
قلت:
“لأ.”
“أمال عرفتي إزاي؟”
قلت:
“إنت اللي سيبت وراك كل حاجة.”
حاول يقوم.
قلت:
“اقعد.”
بص لي.
ولأول مرة من 12 سنة شفت الخوف في عينه.
قلت:
“إنت مش راجع عشان البيت يا إيهاب.”
سكت.
قلت:
“إنت راجع عشان عرفت إن الحسابات اتقفلت.”
وبعدين قربت الملف منه.
“وعرفت إن الشركة فتحت تحقيق.”
وشه اصفر.
قال:
“نانا قالتلي إن كل حاجة تمام.”
ضحكت.
قلت:
“نانا؟”
سكت.
قلت:
“أهو أنت بنفسك جبت سيرتها.”
في اللحظة دي موبايله رن.
بص للشاشة.
نانا.
رفض المكالمة.
رن تاني.
رفضها.
وبعدين جاله مسج.
قرأه.
وفجأة قام وقف.
قلت:
“إيه؟”
ما ردش.
مديت إيدي.
“هات.”
قال:
“ملكيش دعوة.”
قلت:
“من اللحظة دي كل حاجة ليها علاقة بيك بقت ليها دعوة بيا وببنتك.”
قرأ المسج بصوت مرتعش:
“إيهاب… البنك وقف كل حساباتي كمان. والمحامي بيقول إنك لازم تتحمل المسؤولية.”
سكت.
وبعدين بص لي.
وقال:
“هي باعتاني.”
قلت:
“لأ يا إيهاب.”
وقفت قدامه.
“هي ما باعتتكش.”
“إنت اللي بعت نفسك.”
في نفس اللحظة جرس الباب رن.
فتحت.
كانت سارة.
دخلت ومعاها رجلين.
إيهاب اتراجع خطوة.
سارة قالت بهدوء:
“مساء الخير يا أستاذ إيهاب.”
قال:
“مين دول؟”
ردت:
“المحامي وممثل الشركة.”
وبعدين قالت الجملة اللي خلت وشه ينهار:
“جايين يستلموا المستندات اللي تثبت اختلاس أموال الشركة ومحاولة التصرف في ممتلكات الزوجية.”
إيهاب بص لي.
وقال:
“رشا… إنتي هتعملي فيا كده؟”
بصيت له بهدوء وقلت:
“لأ.”
“إنت اللي عملت في نفسك كده.”
المشهد الرابع والأخير: الحساب الحقيقي
بعد أسابيع طويلة، بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة.
إيهاب اكتشف إن نانا كانت بتستغل ثقته.
وإن جزء من التحويلات اللي عملها كان داخل في معاملات مش قانونية.
والأهم إنه كان فاكر إن البيت باسمه بالكامل.
لكن الأوراق أثبتت إن لي حق قانوني فيه.
أما الأموال اللي نقلها من حسابنا، فتم تجميدها وبدأت إجراءات استردادها.
قضيت الشهور اللي بعدها بين المحامين والمحكمة والبنوك.
ماكانش الموضوع سهل.
لكن الفرق إني المرة دي ماكنتش بخاف.
كنت داخلة كل جلسة ومعايا أوراق.
كل ورقة كان هو فاكر إنها اختفت.
وفي النهاية صدر القرار بإلزامه بإعادة جزء كبير من الأموال والتعامل مع التزامات البيت ومصاريف ليلى، بالإضافة للتحقيقات الخاصة بأموال الشركة.
أما أنا؟
أما ماطلبتش منه يرجع.
ولا حتى لما حاول.
بعد فترة، وقف قدام باب البيت.
قال:
“رشا… أنا ضيعت كل حاجة.”
قلت:
“لأ.”
بص لي باستغراب.
قلت:
“إنت ضيعت نفسك.”
قال:
“طب وليلى؟”
قلت:
“ليلى هتفضل بنتك مهما حصل.”
سكت.
وبعدين قال:
“إنتي كنتي قوية كده من إمتى؟”
بصيت له وقلت:
“من اليوم اللي فهمت فيه إن الست لما تبطل تخاف… اللي قدامها هو اللي بيبدأ يخاف.”
ومشي.
دخلت البيت.
لقيت ليلى قاعدة على الأرض بترسم.
قالت:
“ماما!”
قلت:
“نعم يا حبيبتي؟”
قالت:
“أنا رسمت بيتنا.”
بصيت للرسمة.
كان فيها أنا وهي.
والبيت.
والشمس فوقنا.
مفيش إيهاب.
ابتسمت وسألتها:
“بابا مش في الرسمة ليه؟”
قالت بكل براءة:
“عشان إنتي قولتيلي إن البيت ده بتاعنا إحنا.”
حضنتها جامد.
وساعتها فهمت إن إيهاب كان فاكر إنه لما أخذ الفلوس ورهن البيت وسافر إيطاليا قدر يهدم حياتي.
لكن هو ماكانش عارف إن حياتي ماكانتشي متعلقة بفلوسه.
ولا ببيته.
ولا بيه أصلاً.
أنا كنت محتاجة بس أعرف الحقيقة.
ولما عرفتها…
ماجريتش وراه.
سيبته يجري هو ورا اللي ضيعه.
ومن يومها، كل ما أفتكر الرسالة اللي بعتها لي قدام مدرسة ليلى:
“أنا مسافر إيطاليا مع نانا ونقلت كل فلوسنا على حسابي الخاص.”
أفتكر ردي عليه.
“تسلم إيدك إنك عرفتني.”
لأني لو ماكانش عرفني وقتها حقيقته…
يمكن كنت فضلت العمر كله أعيش مع راجل كنت فاكرة إنه سندي.
لكن الحقيقة إنه كان أول درس علمني إن أقوى بداية جديدة ساعات بتبدأ برسالة واحدة… بتكشفلك مين اللي كنت عايشة معاه.
ومن يومها وأنا ماعدتش ببص ورايا.
إيهاب خسر فلوس كتير وخسر شغله وثقة الناس فيه والأهم إنه خسر بيته بإيده.
أما أنا فبدأت من الصفر من غير ما أستنى منه جنيه واحد.
اشتغلت أكتر واهتميت بليلى وبدأت أوفر لها حياة هادية من غير خناقات ولا خوف ولا سؤال كل ليلة: هو بابا هيسيبنا ولا لأ؟
وبعد سنة كاملة كنت واقفة في نفس المكان قدام مدرسة ليلى.
المكان اللي وصلتني فيه أول رسالة من إيهاب.
ليلى خرجت جري عليا وهي ماسكة شهادة تكريم وبتضحك.
حضنتها وقالتلي:
“ماما أنا طلعت من الأوائل!”
ضحكت وحضنتها جامد وقلت:
“كنت عارفة إنك هتعمليها يا قلب ماما.”
وفي اللحظة دي موبايلي رن.
بصيت للشاشة.
كان إيهاب.
المرة دي ماكانش فيه خوف.
ولا ارتباك.
ولا حتى فضول.
قفلت الموبايل من غير ما أرد.
وبصيت لبنتي ومشيت معاها.
لأني أخيراً فهمت إن بعض الناس لما يخرجوا من حياتنا بيكونوا واخدين معاهم وجع كبير…
لكنهم بيسيبوا لنا حاجة أهم:
الفرصة إننا نبدأ حياة أحسن.
وأنا اخترت أبدأ.
ومن يومها بقيت أقول لكل ست خايفة تبدأ من جديد:
ماتخافيش من النهاية… ساعات النهاية بتكون أول مرة ربنا يديكي فيها فرصة تعيشي لنفسك ولأولادك بجد.
تمت




