Uncategorized

ملياردير عنده اربعين

روحنا ناحية غرفة التهوية. لقينا عبوات معطر صغيرة متوصلة بنظام التهوية المركزي. لكن واحدة منهم كانت مختلفة. فتحتها شركة متخصصة للتحليل. النتيجة ظهرت بعد ساعات. المادة كانت مركب كيميائي مهيج للجهاز التنفسي، والتعرض المستمر ليه ممكن يسبب أعراض مشابهة جدًا للأعراض اللي كان الولدين بيعانوا منها.

عمر مسك التقرير وإيده بتترعش: “يعني حد كان بيسمم ولادي؟” قلت: “مش هقول كده قبل ما نعرف الحقيقة.” لكن الحقيقة ظهرت أسرع مما توقعنا. المهندس راجع كاميرات البيت. وفي تسجيل قديم، ظهر شخص داخل غرفة التحكم في وقت متأخر من الليل. الشخص كان لابس ملابس العاملين. لكن لما قرب من الكاميرا، ظهر وشه. كان واحد من موظفي الصيانة.

عمر طلب القبض عليه فورًا، لكنه قبل ما يهرب، اعترف. قال إن شخصًا كان بيدفع له فلوس مقابل تغيير إعدادات التهوية واستبدال عبوات المعطر. سألناه: “مين؟” في البداية رفض يتكلم. وبعد ما عرف إن الشرطة جاية، قال اسمًا واحدًا: “الدكتور شريف.”

عمر لف ببطء ناحية الدكتور. الدكتور كان واقف ساكت: “قول له إن ده كذب.” الدكتور ما ردش. عمر قرب منه: “إنت؟” الدكتور أخيرًا انهار. وقال: “أنا ما كنتش عايز أموتهم.” عمر صرخ: “أمال كنت عايز تعمل إيه؟” الدكتور قال: “كنت عايز أفضل مسيطر على علاجهم.” سأله عمر: “يعني إيه؟” قال الدكتور: “كل ما حالتهم تسوء، كانوا يحتاجوا دكاترة وتحاليل وأدوية ومتابعة… وأنا كنت باخد عمولات من شركات الأدوية والمراكز.” عمر بص له باحتقار: “وكنت مستعد تقتل طفلين عشان الفلوس؟” الدكتور انهار.

لكن كان فيه سؤال واحد لسه معلق. حساب ليلى. قلت: “مين استخدم حساب مراتك أول مرة؟” الدكتور رفع عينه. وقال: “أنا.” سألته: “ليه؟” سكت لحظة. ثم قال: “لأنها كانت أول واحدة اكتشفت اللي بعمله.” عمر اتجمد: “إنت عرفت إنها اكتشفتك؟” الدكتور قال بصوت مكسور: “أيوه.”

عمر ما اتكلمش. فضل واقف مكانه كأنه بيحاول يستوعب كل السنين اللي فاتت. وبعدين سأل: “يعني مراتي ماتت بسببك؟” الدكتور هز راسه: “حادثة العربية كانت حادثة… لكن قبلها بأيام كانت ليلى قالتلي إنها هتبلغ عني.” عمر قبض إيده. لكن الشرطة وصلت وأخذت الدكتور وموظف الصيانة.

وبعد التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة. حادثة ليلى كانت فعلًا حادثة سير، لكن الدكتور استغل خوفه من افتضاح أمره بعدها، وحذف رسائل كانت بينه وبينها، وأخفى أي دليل إنها كانت بتشك فيه. أما مرض الولدين، فاستمر سنة ونص لأن الدكتور كان بيتحكم في مصدر تعرضهم للمادة، وفي نفس الوقت يقدم لهم علاجات لا تعالج السبب الحقيقي. كان عمر بيصرف ملايين وهو فاكر إنه بينقذهم. بينما الشخص اللي وثق فيه كان بيستغل مرضهم.

بعد أسابيع من إيقاف مصدر التلوث، الولدين رجعوا لحياتهم الطبيعية. بقوا يجروا في الجنينة. يلعبوا. ويزعقوا على بعض زي أي توأم. وفي يوم، عمر وقف قدامهم وهو بيضحك والدموع في عينيه: “وحشتوني يا ولاد.” ياسين حضنه. ويونس قال: “بابا… إحنا بقينا كويسين.”

عمر بص لي من بعيد: “إنتِ أنقذتيهم يا سلمى.” هزيت راسي: “أنا لاحظت بس حاجة بسيطة.” قال: “الحاجة البسيطة دي كانت ممكن تنقذهم من الموت.” ابتسمت: “عشان كده المربية مش مجرد واحدة بتغير هدوم الطفل وتعمله أكل.” ضحك لأول مرة من شهور. وبعد فترة، عرض عليا أشتغل مديرة رعاية للأطفال في المؤسسة الخيرية اللي أسسها باسم ولاده. لكن أكتر حاجة فرحتني ما كانتش الوظيفة ولا المرتب. كانت إن ياسين ويونس كل ما يشوفوني يجروا عليا ويقولوا: “مربية سلمى وصلت!”

وبعد سنة، عمر عمل حفلة كبيرة للأطفال. وفي آخر الحفلة، وقف قدام الناس وقال: “دفعت أكتر من 150 مليون جنيه عشان ألاقي علاج لولادي، وكنت فاكر إن الفلوس تقدر تجيبلي الإجابة.” بص ناحيتي: “لكن اللي أنقذهم في الآخر كان شخص واحد لاحظ حاجة صغيرة محدش غيره اهتم بيها.” سكت لحظة وقال: “أحيانًا الحل مش بيكون في أغلى مستشفى… ولا عند أشهر دكتور. الحل ممكن يكون قدام عينك طول الوقت. بس محتاج حد يلاحظ.”

ومن يومها، عمر بطل يدور على الناس اللي تقول له إنها فاهمة كل حاجة. وبقى يدور على الناس اللي تعرف تقول: “أنا مش عارفة السبب… بس أنا لاحظت حاجة.” ودي كانت الجملة اللي أنقذت حياة ياسين ويونس.

النهاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى