
الدم هرب من وشي. بصيت للأستاذ عصام وأنا مش قادرة أتنفس:
— خمسمية ألف جنيه؟! بصمتي وتوقيعي؟! أنا عمر ما كان بيني وبين نجلاء أي تعامل مالي! دي عمرها ما سانيتني بجنيه، دي كانت بتاخد هدوم بنتي وأكلي!
الأستاذ عصام طلب يطلع على الورقة فوراً. أول ما مسك الصورة الضوئية المرفقة، عينه وقفت عند البصمة. قربها من النور، وبعدين بصلي وسألني بصوت واطي ومريب:
— ندى… افتكري كويس. من سنتين فاتوا، هل امضيتي على أي ورق أبيض؟ هل أحمد طلب منك تمضي على أوراق تخليص شحنة، أو أوراق شغل، أو توكيل للمياه والكهرباء؟
غمضت عيني ورجعت بذاكرتي لسنتين ورا. افتكرت أسبوع كنت تعبانة فيه جداً بعد ولادة ليان. كنت واخدة مهدئات ومستسلمة للمرض، وأحمد دخل عليّ بحجة إنه بيخلص إجراءات توصيل عداد الكهرباء باسمي عشان الأقساط، وجابلي دفتر أوراق وقال لي: “امضي هنا وابصمي عشان الموظف يخلص الأوراق بسرعة وما تتعتليش”.
فتحت عيني والصدمة شلتني:
— بصمت على ورق فاضي… كان قايلي إنه للكهرباء والمية وأنا تعبانة بعد الولادة!
وكيل النيابة سمع الكلام وهز رأسه بأسى:
— كده القضية اتغيرت تماماً. العقد الأولاني الخاص بالتزوير إحنا محولينه للطب الشرعي لإثبات عدم صحة التوقيع. لكن الإقرار ده فيه بصمتك الحقيقية، والتوقيع سليم. نجلاء كده بتطالب بحقها في الشقة أو بحبسِك بموجب إقرار الدين ده!
سعاد ونجلاء ما كانوش بيلعبوا على الشقة بس… دول كانوا مجهزين المشنقة دي من يوم ما دخلت البيت! كانوا عارفين إن البصمة والتوقيع على الورق الفاضي هي الكارت الأخير اللي يكسروا بيه رقبتي لو فكرت أقف قدامهم في يوم من الأيام.
خرجنا من مكتب وكيل النيابة وأنا حاسة إن الرصيف بيميد بيا. الأستاذ عصام كان ماشي جنبي وبيفكر بسرعة:
— مدام ندى، البصمة الحقيقية على الورق الفاضي خيانة أمانة وتزوير صلب الموضوع. وده محتاج طعن بالجهالة والتزوير المعنوي، ولازم نثبت إن الصلب اتكتب فوق البصمة بتاريخ لاحق! وده هيحتاج خبير خطوط وطب شرعي متخصص للتدقيق في عمر الحبر مقارنة بعمر البصمة!
في اللحظة دي، وموبايل الأستاذ عصام بيرن، جالي إشعار على موبايلي.
كانت رسالة من رقم نجلاء… رسالة فيها صورة للإقرار المزور، ومكتوب تحتها بخبث ووقاحة:
“لو عاوزة بنتك تفضل في حضنك والشقة ما تروحش في المزاد العلني لتأمين الدين، قدامك 24 ساعة. تتنازلي عن البلاغ الأولاني ضد أحمد، وتكتبي الشقة باسمي، وتدفعي مية ألف جنيه كاش مقابل إننا نسحب الإقرار ده… يا إما هتدخلي السجن بتهمة خيانة الأمانة، والبنت هتربيها سعاد!”
أمي أخدت الموبايل وقرت الرسالة، وشها اسود من الغضب، بس المرة دي ما بكتش. مسكت إيدي وقالتلي بصوت هز أركان الشارع:
— الابتزاز ده هو اللي هيوديهم في داهية يا ندى! الرسالة دي دليل رسمي على المساومة والابتزاز!
الأستاذ عصام ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
— الله ينور عليكِ يا حاجّة! نجلاء بغبائها وطمعها وقعت في شر أعمالها. الرسالة دي هتتضم فوراً للبلاغ بتهمة الابتزاز والتزوير والتلفيق!
لكن قبل ما نتحرك من قدام مجمع المحاكم، ظهر أحمد من بعيد. كان شكله متبهدل، هدومه دبلانة، وعينيه دبلانة ومرمية في الأرض. قرب منا بخطوات مترددة، وسعاد أمه كانت ماشية وراه وبتبصلي بنظرات شفاء وتحدي.
وقف أحمد قدامي وقال بصوت متكسر:
— ندى… أختي نجلاء مش بتهزر. امضي على التنازل وخلصينا، أنا مش هقدر أحميكي أكتر من كده!
بصيت له في عينيه، ما شفتش فيهم راجل، شفت فيهم مجرد أداة في إيد أمه وأخته.
قلت له بمنتهى القوة والشموخ:
— تحميني؟ إنت اللي سلمتني ليهم يا أحمد! إنت اللي خليتني ابصم على ورق فاضي وانا نفاس ومريضة! إنت مش راجل، إنت خصمي الأول في المحكمة!
سعاد اتدخلت وزعقت:
— هتتسجني يا ندى! هتتسجني وبنتك هناخدها بالقانون!
رديت عليها وأنا بطلع موبايلي وبسجل كلامها صوت وصورة قدام الناس في الشارع:
— أعلى ما في خيلكم اركبوه… القانون اللي فاكرين إنكم بتلعبوا بيه، هو اللي هيرميكم كلكم في السجن بتهمة التزوير والابتزاز والشروع في النصب. والرسالة اللي بنتك بعتتهالي بقت في إيد النيابة دلوقتي!
وش سعاد اتقلب ونجلاء اللي كانت جاية من بعيد اتجمدت مكانها أول ما شافت الأستاذ عصام بيكتب مذكرة سريعة وبيرجع يدخل بيها لرئيس النيابة.
الحرب ما بقتش على شقة ولا على حلة لحمة… الحرب بقت قضية شرف وكشف عصابة تزوير وابتزاز، واللي جاية كانت الضرب القاضية اللي ما حدش فيهم كان متوقعها!
#الكاتب_رومانى_مكرم
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



