روايات وقصص

طبخت سبعه ك لحمه 1

أول ما نزلنا الشارع، حسيت بعيون الناس بتبص علينا. العمارة كلها كانت بتتكلم عن اللي حصل الصبح. صاحب السوبر ماركت اللي تحت البيت، راجل كبير ومحترم يعرف أبويا الله يرحمه، قرب مني وقال بأسى:

— يا بنتي… أحمد جيه هنا من ساعة مع أمه، وكان بيكلم ناس في التليفون وبيقول إنه هيجيب حكم رؤية وياخد البنت بالشرطة لو ما تنازلتش. خدي بالك من نفسك ومن بنتِ، الناس دول ما عندهمش غالي.

هزيت راسي وقلت له:

— متشكرة يا عم حسنين… الحق معايا، والحي القيوم ما بينساش حد.

ركبنا تاكسي وطلعنا على إمبابة. طول الطريق، ليان كانت بتبصلي بعيونها البريئة وتسألني:

— ماما… هو إحنا رايحين عند تيتة الثانية؟

— أيوه يا قلب ماما… رايحين نقعد عندها شوية.

— وبابا مش هيجي معانا؟

— بابا مشغول يا ليان… مشغول قوي.

سكتت البنت ورجعت تتفرج على الشارع، وأنا عقلي كان بشغل مية فكرة وفكرة. أحمد اللي حبيتُه، اللي اتجوزتُه وأنا فاكرة إنه هيكون السند، طلع أضعف من إنه يقف وش أمه، وأقذر من إنه يزور توقيع مراته ويهددها ببنتها عشان شوية فلوس وشقة!

أول ما وصلنا بيت أمي في إمبابة، حسيت بريحة الأمان اللي افتقدتها من سنين. البيت القديم، الحيطان الدافية، وصورة أبويا المتعلقة في الصالة. أمي دخلت البنت الأوضة تنام، وقعدت معايا في الصالة.

— ندى… بكره الصبح الساعة تسعة، هتكوني قدام المستشفى الحكومي زي ما المحامي قال. وهنعمل التقرير النفسي. وبعدها هنطلع على النيابة عشان أستاذ عصام يقدّم البلاغ الجديد بتهمة البلاغ الكاذب والتزوير في شهادات طبية.

— وأحمد يا أمي؟

— أحمد هيحاول يوصلك بكل الطرق. هو دلوقتي في زنقة سودة… الشقة اللي كان فاكر إنه سحبها راحت منه، والبلاغ الأولاني شغال، وأمه وأخته هيولعوا فيه لأنه ما عرفش ينفذ اللي خططوا له من سنتين. هيحاول يتصل، يتملق، أو يهدد. وإنتِ مش هتردي على كلمة واحدة غير في القضاء.

وفي نفس الليلة، الساعة واحدة بعد نص الليل… التليفون رن من رقم غريب.

رديت وأنا ساكتة.

جاءني صوت أحمد… بس ما كانش الصوت المتعصب ولا الصوت المتوسل بتاعة الصبح. كان صوته مخنوق، عياط مكتوم، وصوت خبط وكركبة جنبه في الخلفية!

— ندى… الحقيني يا ندى!

سكت وما رديتش، سبته بيتكلم.

— ندى أنا بره الشقة… أمي وأختي طردوني! نجلاء جابت جوزها وأخوه وأخدوا مني المفاتيح وراموا هدومي في الشارع! قالوا لي إنت راجل خايب وما عرفتش تجيب الشقة، ونجلاء بتقول إن الفلوس اللي كانت مدياهالي عشان القسط هي بتاعة عيالها وعاوزاها فوراً يا إما هترفع عليّ وصلات أمانة!

سمعت الكلام وحسيت ببرود عجيب بيسري في جسمي. ما تحركتش فيا شعرة واحدة.

أحمد كمل بعياط هيستيري:

— ندى أرجوكي… افتحي لي الشقة أنام فيها النهاردة بس! أنا في الشارع من غير فلوس ولا مكان أروحه! أرجوكي سامحيني، أمي هي اللي زقتني، نجلاء هي اللي كتبت الورقة المزوّرة وقالت لي امضي عليها! أنا ماليش ذنب يا ندى، أنا بحبك وبحب ليان!

في اللحظة دي، افتكرت كلماته الصبح: “إنتِ رميتي اللحمة؟ ما كانش ينفع تسيبي أمي تاخد شوية لنجلاء؟”.

افتكرت استخفافه بيا، وتغاضيه عن أمه وهي بترفع إيدها عشان تضربني، وتزويره لتوقيعي، وشهادته الطبية المزوّرة اللي كان عاوز ياخد بيها بنتي مني.

مسكت الموبايل بقوة وقلت بصوت حازم، ثابت، وزي السيف:

— أحمد… الشقة دي شقتي أنا، بفلوسي وتدبيري. ومكاني هو المكان اللي بنتي تسلم فيه من قذارتكم. إنت حصاد عملك بتبلعه دلوقتي. زي ما سبت أمك تاخد أكل بنتك من الحلة، هي أختك أخدت منك هدومك ورمتك في الشارع.

— ندى أرجوكي! متعمليش فيا كده! أنا جوزك!

— كنت جوزي… لحد ما بعتني برخيص. والقضايا اللي بيننا مش هتتقفل غير في المحكمة. وأي محاولة منك للوصول ليا أو لليان، هتبقى القضية الثالثة بتهمة التعرض والتهجم.

قفلت السكة في وشه، وعملت للرقم بلوك.

بصيت للورقة اللي أمي كانت شايلاها، العقد المزور والشهادة، وحسيت إن كل خطوة كنت بمسك فيها حقي، ربنا كان بيكشف لي بيها وساخة الناس دول أكتر واكتر.

لكن الصبح لما طلع، وروحنا النيابة مع الأستاذ عصام… اكتشفنا المفاجأة الكبرى اللي سعاد ونجلاء كانوا مجهزينها، مفاجأة خلّت المحامي نفسه يقف مذهول قدام وكيل النيابة، وخلت قضية الشقة والتزوير تتصاعد لمستوى تاني خالص ما كانش يخطر على بال جن!

#الكاتب_رومانى_مكرم

الجزء الخامس

وقفت في ممر النيابة الطويل، الهوا فيه ساكن وريحة الأوراق القديمة مالي المكان. الأستاذ عصام كان واقف قدامي ماسك محفظة المستندات، وملامحه اللي كانت دايمًا هادية ومترتبة اتغيرت تمامًا أول ما خرج سكرتير الجلسة ونادى على أسمائنا.

دخلنا مكتب وكيل النيابة. راجل في الثلاثينات، نظراته حادة وبيقلب في ملف ضخم قدامه. بعد ما استمع لأقوال الأستاذ عصام وشاف أصل عقد الملكية وإيصالات السداد والتقرير الطبي الحكومي اللي أثبت سلامتي العقلية والنفسية، هز رأسه وبص للورق المزور اللي اتقبض بيه على القضية.

لكن المفاجأة ما كانتش في التزوير… المفاجأة كانت في الصدمة اللي جهزتها سعاد ونجلاء.

وكيل النيابة رفع عينيه وبصلي مباشرة وقال:

— المدعوة سعاد، والمدعوة نجلاء، أرفقوا في العريضة المضادة إقرار رسمي موثق بقيمته خمسمية ألف جنيه، ممهور بتوقيعك وبصمتك، بتاريخ يرجع لسنتين فاتوا… وبيقر فيه إن الشقة دي تم شراؤها بفلوس مشتركة بينك وبين أخت زوجك “نجلاء”، وأن الأقساط اللي كنتِ بتدفعيها هي مجرد سداد لدَين قديم عليكِ لصالحها!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى