روايات وقصص

بعد عشر سنين

— لأني كنت مستني العلامة تظهر تاني.

أنا حسيت إن قلبي وقف.

قلت

— وليه استنيت كل السنين دي؟

الراجل قرب مني وقال

— لأن أبو حامد قبل ما يموت قال لي جملة واحدة.

حامد سأله

— قال إيه؟

الراجل رد

— قال لي: “لو العلامة ظهرت تاني… ماتفتحش الأوضة لوحدك.”

حامد سأله

— وأمال أفتحها مع مين؟

الراجل بصلي.

وبعدين بص للبنت.

وقال

— مع أم البنت.

حامد اتجمد.

وأنا حسيت إن الدنيا كلها سكتت حوالينا.

لأن الراجل مد المفتاح ناحية إيدي وقال

— والمفتاح ده… بقاله عشرين سنة مستني اللحظة دي.

لكن قبل ما آخده منه، الممرضة دخلت فجأة وهي شايلة بنتنا، ووشها كان مرعوب.

وقالت

— في حاجة حصلت…

حامد جري عليها.

— إيه؟

الممرضة بصت للبنت وقالت

— وإحنا بنراجع بياناتها اكتشفنا إن رقم ملفها اتفتح قبل ما هي تتولد بساعات.

حامد قال

— مين فتحه؟

الممرضة مدت له الورقة.

— مش عارفين.

بصيت في الورقة، ولقيت اسم مستخدم النظام اللي فتح الملف.

لكن الاسم كان مكتوب قدامي بوضوح:

مريم حامد…

نفس اسم أخت حامد.

وساعتها فهمت إن اللي حصل مش صدفة…

وإن بنتنا من أول لحظة اتولدت فيها كانت داخلة في سر أكبر من مجرد علامة على كتفها.المشهد الأخير

فضلنا واقفين في الأوضة كأن الزمن وقف بينا. حامد كان ماسك الورقة وإيده بتترعش، والممرضة واقفة قدامه مش فاهمة تعمل إيه، وأنا كل اللي كان في دماغي هو بنتي اللي لسه مولودة من ساعات، وإزاي اسم واحدة ماتت من سنين ظهر على ملفها قبل حتى ما تتولد.

حامد بص للدكتورة وقال

— أنا عايز أعرف الحقيقة كلها دلوقتي.

الدكتورة أخدت نفس طويل وقالت

— لازم تروحوا للعنوان اللي موجود في الملف القديم. هناك هتعرفوا كل حاجة.

الراجل الكبير حط المفتاح في إيد حامد وقال

— البيت لسه موجود.

حامد بص له وقال

— بيت مين؟

— بيت أبوك.

بعد يومين، خرجنا من المستشفى ورحنا البيت القديم. كان مهجور من سنين، لكن المفتاح فتح باب أوضة في آخر الطرقة محدش كان بيدخلها.

جوه الأوضة لقينا صندوق خشب قديم.

حامد فتحه.

وكان جواه صور ووثائق وخطابات.

وأول صورة كانت لمريم وهي طفلة… وعلى كتفها نفس العلامة.

لكن تحت الصورة كان مكتوب:

“مريم لم تمت.”

حامد انهار من الصدمة.

فضل يقلب في الورق لحد ما لقى جواب بخط أبوه.

قرأه بصوت مرتعش:

“لو وصلت للورق ده يا حامد يبقى أنت عرفت إن مريم عاشت. أنا خبّيت الحقيقة لأني كنت خايف عليها. مريم اختفت بإرادتها بعد ما عرفت إن فيه ناس من العيلة كانوا بيحاولوا يوصلوا لطفلة اتولدت بعلامة نادرة، وكانت مريم هي الوحيدة اللي تعرف مكانها.”

حامد بصلي.

وفي اللحظة دي فهمنا إن مريم ما كانتش ضحية…

كانت بتحاول تحمي طفلة.

كمل قراءة الجواب:

“الطفلة دي اتنقلت لعيلة أمينة وربتها بعيد عن كل اللي حصل. ومريم فضلت تراقب أخبارها من بعيد. لو في يوم ظهر نفس العلامة على طفلة جديدة من عيلتنا، اعرف إنها مش لعنة ولا صدفة… دي علامة بتظهر في أفراد قليلين جدًا من العيلة.”

حامد وقف عن القراءة.

بص لبنتنا اللي كانت نايمة في حضني.

وبعدين قال

— يعني بنتنا من العيلة؟

الراجل الكبير ابتسم لأول مرة وقال

— أيوه.

وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.

باب العربية اتفتح.

وست نزلت منها ببطء.

كانت كبيرة في السن، لابسة إسدال بسيط، ووشها عليه ملامح تعب سنين طويلة.

حامد خرج من الأوضة.

أول ما شافها وقف مكانه.

الست بصت له ودموعها نزلت.

وقالت

— كبرت أوي يا حامد.

حامد ما قدرش ينطق.

قرب منها خطوة وقال

— مريم؟

هزت راسها.

— أيوه يا أخويا.

حامد حضنها وفضل يبكي زي طفل صغير.

وأنا وقفت بعيد وأنا مش مصدقة إن الإنسان اللي كلنا افتكرناه مات من أكتر من عشرين سنة كان واقف قدامنا حي.

بعد ما هدي، مريم قربت مني وبصت لبنتي.

مدت إيدها ولمست العلامة اللي على كتفها بحنان.

وقالت

— أخيرًا ظهرت تاني.

سألتها

— يعني إيه؟

ابتسمت وقالت

— يعني إن السر انتهى.

وبعدين حكت لنا إن العلامة كانت مجرد علامة وراثية نادرة جدًا في العيلة، وإن والد حامد أخفى قصة مريم عشان يحميها من ناس كانوا عايزين يستغلوا طفلة من العيلة في موضوع ميراث قديم، وإن مريم اختارت تختفي وتحمي نفسها وتعيش بعيد عنهم.

أما الملف اللي اتفتح باسمها قبل ولادة بنتنا، فكان سببه إن مريم كانت على تواصل مع طبيبة المستشفى من أيام، وكانت بتطلب منها تحتفظ بملف قديم يثبت الحقيقة لو ظهر يومًا طفل يحمل نفس العلامة.

يعني كل اللي حصل كان مترتب من زمان.

والأغرب إن مريم كانت عارفة بالحمل قبل حامد نفسه.

قالت وهي بتضحك وسط دموعها

— أبوك كان نفسه يشوف حفيدته دي… وكان دايمًا بيقول إن ربنا هيعوضكم بعد كل السنين دي.

بصيت لبنتي وحمدت ربنا من قلبي.

بعد عشر سنين من الانتظار والوجع والخوف والخسارة، ربنا رزقنا ببنت واحدة غيّرت حياتنا كلها.

أما حامد، فبقى كل ما يشوف العلامة على كتفها يبتسم بدل ما يخاف.

لأنها ما بقتش بالنسباله علامة غامضة.

بقت علامة على إن بعد كل تأخير وكل وجع وكل باب اتقفل في وشنا…

ربنا كان بيحضّر لنا أجمل باب يتفتح.

وحامد كان دايمًا يقول لي بعدها

— عارفة إيه أغرب حاجة؟

أقوله

— إيه؟

يقول

— إني أول ما شوفت العلامة خفت… وأنا كنت فاكر إنها هتجيب لنا مصيبة.

ويضحك ويبص لبنتنا ويكمل

— طلعت العلامة دي كانت بتقول لنا إن ربنا أخيرًا رد لنا فرحتنا.

ومن يومها، كل ما  بنتنا تضحك، كنا نفتكر عشر سنين الانتظار ونقول:

الحمد لله على كل تأخيرة كان وراها خير… والحمد لله على المعجزة اللي وصلت بعد ما كنا فاكرين إن الأمل خلص.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى