
أحمد بدأ يهز راسه:
— لا، إنتِ عملتيه.
— إمتى؟
— قبل السفر.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— قبل السفر كنت في الشركة طول اليوم. وبعدها روحت المطار. إنت كنت معايا!
سكت.
الست المشترية قربت مني وقالت:
— حضرتك متأكدة إن التوقيع مش توقيعك؟
— متأكدة.
قلبت الورقة مرة تانية.
وكان فيه شيء لفت نظري.
ختم التوثيق موجود، لكن رقم المحرر كان مكتوب بخط مختلف.
طلعت موبايلي واتصلت بمحامي كنت بتعامل معاه في شغلي.
أول ما سمعته القصة قال:
— مريم، ما توقعيش على أي إقرار، وما تسلميش أي مفاتيح. ابعتي لي صورة العقد والتوكيل فورًا.
بصيت لأحمد.
— إنت بعت الشقة ليه؟
ما ردش.
حماتي هي اللي قالت:
— علشان نخلص من القرف ده كله!
صرخت فيها:
— قرف؟! دي شقتي اللي عشتوا فيها تلات سنين!
ابتسمت ابتسامة باردة.
— شقتك؟ مين قال إنها شقتك؟
اتجمدت.
الجملة دي كانت أول خيط في الكارثة.
—
المشهد الثاني: الشقة مش بتاعتي!
وصل المحامي بعد أقل من ساعة.
وأول حاجة عملها إنه طلب أصل مستند الملكية.
السمسار بدأ يتهرب.
— الأصل مع صاحب الشقة.
قلت:
— صاحب الشقة مين؟
بص لأحمد.
أحمد بص للأرض.
المحامي شد الورقة من إيده، وقعد يقراها.
وبعد دقيقتين رفع عينه وقال:
— مريم، إنتِ عندك مشكلة أكبر من البيع.
حسيت قلبي وقع.
— يعني إيه؟
حط الورقة قدامي.
— الشقة دي مش مسجلة باسمك أصلًا.
ضحكت بعصبية.
— وأنا عارفة إنها مش مسجلة باسمي! دي شقة أحمد.
بص لي باستغراب.
— أحمد مين؟
— جوزي.
هز رأسه.
— لا. الشقة مش باسم أحمد كمان.
سكت الجميع.
— أمال باسم مين؟
المحامي أشار إلى اسم المالك الحقيقي الموجود في مستند الملكية.
قرأت الاسم.
ولأول مرة في حياتي أشوفه.
حسن عبد الرحمن.
شهقت.
— ده اسم أبويا!
المحامي قال:
— بالضبط.
بصيت لأحمد.
— أبويا كان مالك الشقة دي؟
قال بصوت منخفض:
— أيوه.
— وإنت كنت عارف؟
سكت.
— أحمد!
رفع عينه أخيرًا.
— كنت عارف.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
— طب إزاي اتباعت؟
المحامي قال:
— لأن والدك كان عامل توكيل قديم لأحد أقاربه، لكن التوكيل لا يسمح بالبيع بالطريقة دي. والأهم إن توقيعك على العقد والتوكيل واضح جدًا إنه مزور.
قلبت ناحية حماتي.
كانت ساكتة.
ندى حاولت تمشي.
المحامي وقف قدامها.
— محدش يخرج.
اتوترت.
— إنتِ كنتِ عارفة يا ندى؟
قالت:
— عارفة إيه؟
— إن الشقة ملك أبويا.
وشها اصفر.
هنا أحمد انهار.
— أنا ماكنتش عايز أبيعها!
صرخت:
— أمال مين اللي باعها؟
سكت.
ثم قال:
— أمي.
بصيت لسعاد.
— إنتِ؟!
قالت بمنتهى البرود:
— أنا كنت بحاول أنقذ ابني.
— تنقذيه من إيه؟
— من الديون.
أحمد غمض عينه.
فهمت.
كان عليه ديون.
لكن لسه السؤال الأكبر:
إزاي قدرت تعمل عقد بيع باسمـي؟
المحامي فتح الملف وقال:
— لأن حد استخدم بطاقة مريم، وقدم مستندات مزورة، والأخطر إن فيه موظف ساعدهم في تمرير المعاملة.
بصيت لأحمد.
— إنت استخدمت بطاقتي؟
— أمي هي اللي أخدتها.
سعاد صرخت:
— ما تقولش إني لوحدي! إنت كنت موافق!
سكت أحمد.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي قدامي مش مجرد خيانة زوج.
دي كانت شبكة كاملة.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه…
إن أبويا، قبل وفاته، كان سايب لي ملفًا لم أفتحه من سنين.
—
المشهد الثالث: الملف اللي قلب الطاولة
رجعت البيت القديم بتاع أبويا مع المحامي.
دخلت أوضته.
كل حاجة كانت زي ما سابها.
فتحت الدولاب اللي كان دايمًا يقفله بالمفتاح.
لقيت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
جربت المفتاح القديم.
فتح.
جواه مجموعة أوراق وصور، وفوقهم جواب باسمي.
فتحت الجواب بإيد بتترعش.
كان مكتوب:
“مريم، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى حصلت حاجة خلتك تدوري على الحقيقة. أهم حاجة تعرفيها إن الشقة اللي اتجوزتي فيها مش هدية لأحمد، ومش من حقه يبيعها أو يتصرف فيها. أنا سجلتها باسمك قبل وفاتي، لكن فضلت أسيب المستندات معايا لحد ما أتأكد إنك بقيتي قادرة تحمي حقك بنفسك.”
وقفت.
بصيت للمحامي.
— يعني الشقة كانت باسمي؟
قال:
— لو المستند الأصلي سليم، أيوه.
قلبنا الأوراق.
وكانت المفاجأة.
أبويا كان بالفعل أنهى إجراءات نقل الملكية باسمي قبل وفاته، لكن تسجيلها النهائي كان متوقفًا بسبب إجراء إداري بسيط.
يعني قانونيًا، الموضوع أعقد من مجرد ورقة.
لكن كان فيه مستند أخطر.
كشف حساب بنكي.




