
سألتها وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع:
ـ أمال أخاف من مين؟
لكن المكالمة اتقفلت.
وفي نفس اللحظة، عمر بصلي وقال:
ـ ندى… لازم نتكلم.
وقتها فهمت إن اللي حصل النهارده مش حادثة عابرة.
وإن هند ما كانتش بتحذرني من عمر…
كانت بتحاول تحذرني من سر أخطر بكتير.
—
المشهد الثاني: الحقيقة اللي اتدفنت سنين
قعدنا في الصالة، وعمر حط الموبايل قدامه.
كان وشه شاحب بشكل عمري ما شوفته عليه.
قلت له:
ـ اتكلم.
فضل ساكت.
صرخت:
ـ عمر اتكلم! هند خوفتني منك أسبوع كامل، وتليفونها اختفى، وبعدين ألاقي موبايل غريب في بيتنا وعليه تسجيلات باسمها! أنا عايزة أفهم!
عمر أخد نفس طويل وقال:
ـ هند كانت شاكّة في حاجة من زمان.
ـ إيه؟
ـ في شخص كان بيراقبك.
ضحكت بمرارة.
ـ مين؟
ـ مش عارف.
قربت منه.
ـ متكدبش عليا.
هز راسه.
ـ أنا مش بكدب. بس في حاجة هند عرفتها قبلي.
سألته:
ـ وإنت كنت عارف إنها بتشك؟
سكت.
والسكوت كان إجابة كفاية.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
ـ يعني إنت كنت عارف؟!
ـ كنت عارف إنها بتحقق في موضوع قديم.
ـ موضوع إيه؟
عمر بص للأرض.
ـ موضوع أبوكي.
اتصدمت.
أبويا كان متوفي من سنين، وسيرته عمره ما كانت بتتفتح في بيتنا إلا نادر.
قلت:
ـ إيه علاقة أبويا؟
عمر مد إيده وطلع ورقة مطوية من جيبه.
فتحها قدامي.
كانت صورة قديمة.
أنا وهند وإحنا صغيرين، واقفين جنب باب بيتنا القديم.
لكن في خلفية الصورة كان فيه راجل واقف بعيد.
أنا ما عرفتهوش.
هند كانت عاملة دايرة حوالين صورته بقلم أحمر.
بصيت لعمر.
ـ مين ده؟
قال:
ـ هند قالت إنه ظهر في حياة عيلتكم قبل وفاة أبوكي بفترة.
ـ وإيه علاقته بيا؟
ـ ده اللي هند كانت بتحاول تعرفه.
فضلت أبص للصورة وأنا حاسة إن قلبي بيتقبض.
فجأة افتكرت حاجة.
وأنا صغيرة، كان فيه راجل بييجي البيت أوقات، وأبويا كان بيزعق لما يشوفه.
بس عمري ما فهمت ليه.
قلت:
ـ هند عرفت كل ده منين؟
عمر رد:
ـ من ملف قديم لقيته في مصر، بعد ما رجعت من السفر.
ـ وفضلت ساكتة؟
ـ لأنها كانت خايفة.
ـ خايفة من مين؟
عمر بصلي وقال:
ـ من إن الشخص ده يكون لسه بيدور عليكي.
في اللحظة دي سمعنا خبط شديد على الباب.
أنا وعمر بصينا لبعض.
الخبط اتكرر.
ثلاث خبطات.
وبعدين صوت راجل من بره:
ـ ندى… افتحي.
اتسمرت مكاني.
الصوت ده…
أنا أعرفه.
مش من قريب.
من زمان جدًا.
ومن ذكريات طفولتي.
همست:
ـ مستحيل…
عمر قرب مني:
ـ إنتِ تعرفيه؟
بصيت ناحية الباب وقلت:
ـ ده صوت الراجل اللي كان بييجي عند أبويا زمان.
—
المشهد الثالث: هند تظهر فجأة
عمر منعني أتحرك ناحية الباب، واتصل بالشرطة، لكن قبل ما نسمع أي رد…
الخبط وقف.
والراجل مشي.
بعد أقل من عشر دقايق، تليفون عمر رن.
رقم غريب.
رد.
وبعد ثواني مد الموبايل لي.
ـ هند.
خطفته من إيده.
ـ هند! إنتِ فين؟!
جالي صوتها وهي بتعيط:
ـ أنا في الطريق ليكي.
ـ مين الراجل اللي كان على الباب؟
ـ متفتحيش له لو رجع.
ـ قوليلي الحقيقة!
سكتت.
صرخت:
ـ كفاية! أنا تعبت! أنا من أسبوع مش بنام، وشاكة في جوزي بسببك!
قالت بسرعة:
ـ عمر ملوش ذنب.
بصيت لعمر.
ـ أمال مين؟
ـ أنا غلطت لما خوفتك بالطريقة دي.
ـ ليه عملتي كده؟
هند سكتت شوية، وبعدين قالت:
ـ لأن الشخص اللي بدور عليه… كان عارف إن عمر بيحبك، وكان ناوي يستغل ده عشان يوصل ليكي.
ـ يعني إيه؟
ـ أنا اكتشفت إن الراجل ده مش مجرد شخص من ماضي أبوكي.
ـ أمال إيه؟
صوتها انخفض:
ـ هو الشخص اللي تسبب في أكبر مصيبة حصلت لعيلتنا.
قبل ما أسألها، الباب اتفتح بالمفتاح.
دخلت هند.
كانت مرهقة، وشكلها متبهدل، وكأنها كانت بتجري من مكان بعيد.
أول ما دخلت، حضنتني بقوة.
فضلت أعيط في حضنها.
ـ إنتِ خوفتيني يا هند.
ـ عارفة.
ـ ليه قلتيلي متناميش مع عمر؟
بصت لعمر.
ـ آسفة.
وبعدين بصتلي وقالت:
ـ لأني اكتشفت إن فيه كاميرا صغيرة اتحطت في بيتك.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
عمر قال:
ـ كاميرا؟!
هند هزت راسها.
ـ آه. وأنا كنت خايفة الشخص اللي حطها يكون بيراقب ندى من خلال عمر.
سألتها:
ـ طب ليه عمر تحديدًا؟
هند قربت مني وقالت:
ـ لأن الشخص ده كان فاكر إن عمر يعرف مكان حاجة مهمة.
ـ إيه الحاجة؟
هند طلعت فلاشة صغيرة من شنطتها.
ـ دي.
عمر أخدها.
ـ فيها إيه؟
ـ تسجيلات من سنين.
بصيت لها.
ـ تسجيلات لإيه؟
هند قالت:
ـ لأبوكي.
فتحنا اللابتوب، وبدأنا نشوف الملفات.
كان فيه فيديو قديم جدًا.
ظهر فيه أبويا قاعد في مكتب، قدامه نفس الراجل اللي شوفته في الصورة.
وسمعنا أبويا بيقول:
ـ لو حصل لي حاجة، النسخة الأصلية لازم توصل لبناتي.
أنا حسيت بدموعي بتنزل.
هند مسكت إيدي.
الفيديو كمل.
الراجل قال:
ـ وإنت فاكر إنك هتقدر تخبي الحقيقة؟
أبويا رد:
ـ الحقيقة مش هتموت بموتي.
وفجأة الفيديو اتقطع.
لكن قبل ما الشاشة تسود…
ظهر تاريخ التسجيل.
كان قبل وفاة أبويا بيوم واحد.




