روايات وقصص

اماني السيد

مراتي لسه والدة من أسبوع، وقالتلي إنها مش عايزة تعمل السبوع في معاده، وعايزة تأجله أسبوعين لحد ما تسترد صحتها وتقدر تستقبل الناس. أنا وافقت، لكن أمي كان ليها رأي تاني خالص! أنا اسمي أحمد، متجوز مريم من سنتين، وساكنين في بيت عيلة، أمي في الدور الأول وإحنا في الدور التاني. ومن يوم ما مريم ولدت وأمي مش عاجبها إنها قاعدة في شقتها ومش بتنزل تساعدها في شغل البيت.

 

مع إن مراتي لسه عاملة عملية قيصرية، وأمها بتيجي كل يوم تعملها الأكل وتساعدها مع البيبي، لكن أمي شايفة إن بنتها خلاص سبعت، والمفروض تقوم على رجليها وترجع تخدم البيت زي الأول.

وفي يوم وأنا راجع من الشغل، أمي وقفتني على السلم وقالتلي بعصبية:

ـ إنت يا أحمد هتفضل سايب مراتك كده لحد إمتى؟

بصتلها باستغراب وقلت:

ـ مالها يا أمي؟ دي لسه والدة ومحتاجة ترتاح.

ردت بضيق:

ـ ترتاح إيه بس؟ أمها بتيجي كل يوم تعملها الأكل وتخدمها، وهي قاعدة فوق ولا كأن عندها بيت وعيلة! أنا عايزاك تمنع حماتك من إنها تيجي تاني، وساعتها مراتك هتضطر تقوم تشوف مصالحها بنفسها.

حاولت أهدّي أمي، لكنها قالتلي كلام خلاني أطلع شقتي وأنا بفكر في طلبها.

دخلت لقيت مريم قاعدة على السرير، وابننا نايم في حضنها، وأمها في المطبخ بتحضر الغدا.

قعدت جنب مراتي وقلت لها:

ـ مريم، هو إنتِ ناوية تفضلي قاعدة كده كتير؟

بصتلي باستغراب وقالت:

ـ قاعدة إزاي يا أحمد؟ أنا لسه تعبانة من الولادة، وبحاول أتعافى عشان أعرف أهتم بابني.

قولتلها:

ـ ما أنا عارف، بس أمي زعلانة إنك مش بتنزلِي لها، وكمان مش عاجبها إن أمك بتيجي كل يوم.

مريم بصتلي بوجع وقالت:

ـ يعني بدل ما تطمن عليا وتسألني محتاجة إيه، إنت جاي تحاسبني عشان أمي بتساعدني؟ طب لو أمك مكان أمي، كنت هتمنعها تيجي تشوف ابنها؟

ما عرفتش أرد عليها، لكني كنت خايف من زعل أمي، وقررت إني لازم أنفذ طلبها عشان أريح دماغي.

بعد شوية، حماتي خرجت من المطبخ وقالتلي:

ـ اتفضل يا أحمد، الغدا جاهز، وأنا كمان هعمل لمريم حاجة خفيفة تاكلها بالليل.

بصتلها وقلت بجدية:

ـ معلش يا حماتي، بس أنا شايف إنك مش محتاجة تيجي كل يوم، ومريم لازم تعتمد على نفسها شوية.

حماتي سكتت وبصت لمريم، اللي عينيها اتمليت بالدموع.

لكن قبل ما حد فيهم يرد، باب الشقة اتفتح، ودخلت أمي وهي بتقول بصوت عالي:

ـ أنا جاية أقول كلمتي الأخيرة في موضوع السبوع ده!

وبصت لمريم وقالت بحدة:

ـ طالما مش عايزة تعملي السبوع في معاده، ومش عايزة تنزلي تساعدينا، خلاص يا بنتي… خلي أهلك يعملوا السبوع.

أمي وقفت في نص الصالة، رافعة دقنها لفوق، وبصت لمريم اللي كانت قاعدة على السرير، شايلة ابننا اللي لسه مكملش أسبوع، وقالت بصوت مليان تحدي:

ـ طالما مش عايزة تعملي السبوع في معاده، ومش عايزة تنزلي تساعدينا، خلاص يا بنتي… خلي أهلك يعملوا السبوع! إحنا مش ناقصين وجع دماغ، ولا هنفضل مستنيين حضرتك لما تفوقي من تعبك!

مريم فضلت باصة لها من غير ما تتكلم. وشها كان أصفر من التعب، وعينيها محاوطينهم هالات سودا من قلة النوم، وإيدها بتترعش وهي بتحاول تعدل وضع البيبي على صدرها عشان ما يتوجعش من الحركة.

حماتي خرجت من المطبخ على صوت أمي، ولما سمعت الكلام، حطت الطبق اللي في إيدها على الترابيزة بهدوء، وقالت:

ـ يا أم أحمد، محدش قال إننا مش عايزين نعمل السبوع، كل الحكاية إن مريم لسه خارجة من عملية، والدكتور قال لها ترتاح، وإحنا طلبنا نأجل كام يوم لحد ما تقدر تقف على رجليها.

أمي ضحكت ضحكة ساخرة وقالت:

ـ عملية إيه اللي كل يوم والتاني؟ هو إحنا أول ناس نخلف؟ أنا خلفت أحمد وإخواته، وبعد الولادة كنت بقوم أطبخ وأنضف وأخدم جوزي، ومحدش كان بيقعد يطبطب عليا!

حماتي ردت بهدوء:

ـ ربنا يقويكي، بس مش كل الناس زي بعضها، ومريم مش مطالبة إنها تثبت لحد إنها تعبانة. هي محتاجة ترتاح عشان تعرف ترعى ابنها.

أمي بصتلي، وكأنها مستنية مني أقول كلمة تنصرها.

وأنا، بدل ما أقول الحق، طلعت مني الجملة اللي هفضل ندمان عليها سنين.

قلت لمريم:

ـ خلاص يا مريم، اعملي السبوع في معاده، والناس هتيجي، وإنتِ مش مطلوب منك غير إنك تستقبليهم، وأمي هتتصرف في كل حاجة.

مريم رفعت عينيها ليا ببطء.

ـ إنت بتتكلم بجد يا أحمد؟

ـ أيوه، يا مريم، ده سبوع ابننا، ومش معقول نأجله عشان شوية تعب.

هزت راسها وهي مش مصدقة، وبعدها بصت لابننا وقالت بصوت واطي:

ـ شوية تعب؟!

سكتت لحظات، وبعدين رفعت عينيها ليا وقالت:

ـ طب أنا مش هجادلك، بس عايزاك تجاوبني على سؤال واحد. لو الدكتور قال لك إن الوقوف والحركة الكتير ممكن يضروا الجرح، وإن جسمي محتاج وقت عشان يتعافى، هتتحمل المسؤولية لو حصلي حاجة؟

اتضايقت من سؤالها وقلت:

ـ هو إنتِ داخلة معايا في تحقيق؟ أنا عايز أفرح بابني، مش أكتر.

ردت وهي بتكتم دموعها:

ـ وإنت فاكر إني مش عايزة أفرح بابني؟ ده أنا من يوم ما رجعت من المستشفى مش بنام غير بالساعات القليلة، وكل ما أغمض عيني أصحى أطمن عليه. أنا اللي شايلاه طول الليل، وأنا اللي برضعه، وأنا اللي بحاول أقوم من السرير بالعافية عشان أغير له. كنت مستنياك تيجي تحضنه شوية عشان أرتاح، لكنك دخلت تحاسبني على إني مش بنزل لأمك!

حسيت بوخزة في قلبي، لكني كابرت.

أمي استغلت سكوتي وقالت:

ـ أهو شوفتي؟ كل ما نقول كلمة تقومي تعيطي! إحنا مش هنمشي على مزاجك.

في اللحظة دي، حماتي قربت من مريم وقالت:

ـ قومي يا بنتي، خلينا نريحك شوية.

وبصتلي وقالت:

ـ يا أحمد، أنا مش جاية آخد مكانك في بيت بنتي، ولا جاية أفرض رأيي على حد. أنا جاية أساعدها لحد ما تقدر تعتمد على نفسها. ولما تبقى كويسة، هسيبها لبيتها وجوزها. لكن طول ما بنتي مش قادرة تقف، مش هسيبها لوحدها عشان حد يرضى أو يزعل.

أمي اتعصبت وقالت:

ـ يبقى خديها عندك! طالما إنتِ شايفة نفسك أحن مننا، خدي بنتك وابنك واقعدي بيهم عندك!

الكلام نزل على مريم كأنه صفعة.

بصتلي مستنية إني أتدخل، لكني فضلت واقف مكاني.

وفي اللحظة دي، مريم فهمت إن المشكلة مش في السبوع، ولا في أمها اللي بتيجي تساعدها، ولا حتى في أمي اللي بتضغط عليها.

المشكلة إن جوزها اللي المفروض يكون سندها، اختار إنه يسيبها تواجه الكل لوحدها.

مريم مدت إيدها، حطت ابننا في سريره الصغير بحذر، وبعدها بصت لأمها وقالت:

ـ ماما، ممكن تجيبيلي شنطتي اللي في الدولاب؟

أنا اتفاجئت.

ـ شنطتك ليه؟

مردتش عليا.

حماتي دخلت الأوضة، وبعد دقيقة رجعت بالشنطة وحطتها جنب السرير.

مريم بدأت تحط فيها شوية هدوم ليها، وهدوم للبيبي، وعلبة العلاج، والملف اللي فيه أوراق المستشفى.

قربت منها وقلت:

ـ إنتِ بتعملي إيه يا مريم؟

قالت من غير ما تبصلي:

ـ هروح عند ماما كام يوم، لحد ما أتعافى وأعرف أقف على رجلي.

اتعصبت وقلت:

ـ يعني إيه تروحي عند أمك؟ ده بيتك!

رفعت عينيها ليا وقالت:

ـ أهو ده اللي كنت فاكراه يا أحمد.

سكتُّ.

كملت وهي بتقفل الشنطة:

ـ كنت فاكرة إن بيتي هو المكان اللي أقدر أتعب فيه من غير ما أعتذر، وأولد فيه من غير ما أثبت إني قوية، وأربي ابني فيه من غير ما أتحاسب على كل نفس باخده. لكن واضح إني كنت غلطانة.

أمي اتدخلت بسرعة:

ـ يا سلام! يعني إحنا بقينا وحشين دلوقتي؟ عشان قولنا لك تعملي سبوع ابنك؟!

مريم بصتلها وقالت:

ـ لا يا طنط، مش عشان السبوع. عشان أنا لما طلبت أرتاح، محدش سألني أنا حاسة بإيه. ولما أمي جت تساعدني، بقيت متهمة إني مش بعرف أخدم بيتي. ولما جوزي دخل، بدل ما يطمن عليا، طلب مني أعمل اللي يريحكم إنتوا.

وبعدين بصتلي وقالت:

ـ أنا مش عايزة أخرج من بيتي وأنا زعلانة منك، يا أحمد. أنا كنت أتمنى إنك تمسكني من إيدي وتقولي إنك معايا، وإن السبوع ممكن يستنى، وإن صحتي أهم من أي مناسبة. بس إنت اخترت إنك ترضي أمك حتى لو على حسابي.

حسيت إني عايز أقول لها ما تمشيش، لكن أمي سبقتني وقالت:

ـ سيبها يا أحمد، اللي عايز يمشي يمشي! بكرة ترجع لما تعرف قيمة بيت جوزها.

مريم بصت لأمي نظرة طويلة، وبعدها قالت:

ـ أنا عارفة قيمة بيت جوزي كويس، وعشان كده كنت بحاول أحافظ عليه. بس البيت اللي مفيهوش رحمة، حتى لو أبوابه من دهب، بيبقى أضيق من أي مكان تاني.

شالت ابننا بين إيديها، ولفته كويس، وبعدها استندت على أمها وهي بتحاول تقوم.

أول ما وقفت، وشها اتغير من الوجع، وحطت إيدها على بطنها.

جريت ناحيتها من غير تفكير.

ـ مالك يا مريم؟!

قالت وهي بتاخد نفسها:

ـ مفيش… بس الجرح بيوجعني.

حماتي بصتلي بحدة وقالت:

ـ عشان كده الدكتور قال لها ما تجهدش نفسها! إنتوا مش شايفين إنها بالعافية واقفة؟

أمي اتوترت للحظة، لكنها حاولت تداري ده وقالت:

ـ خلاص يا بنتي، اقعدي، محدش قال لك امشي دلوقتي.

مريم هزت راسها وقالت:

ـ أنا مش همشي عشان أغيظ حد، ولا عشان أعاقب حد. أنا همشي عشان أعرف أتعافى، وعشان ابني يبقى في مكان أقدر أرتاح فيه وأنا مطمنة.

خرجت مع أمها، وأنا وقفت عند الباب أبص عليهم وهما بينزلوا السلم ببطء.

كان نفسي أنادي عليها، لكن صوت أمي جالي من ورايا:

ـ اقفل الباب يا أحمد، وسيبها تتعلم.

قفلت الباب فعلًا.

لكن أول ما سمعت صوت خطواتهم بيبعد، حسيت إن الشقة بقت فاضية بشكل عمري ما حسيت بيه قبل كده.

دخلت أوضة النوم، لقيت سرير البيبي فاضي، والبطانية الصغيرة اللي كنت بفرح كل ما أشوفها مطبقة على طرف السرير.

وعلى الكومود، لقيت زجاجة المية بتاعة مريم، وعلبة العلاج، وكوباية كانت شربت منها نصها.

حاجات بسيطة جدًا، لكنها خلتني أحس إن البيت كله اتغير في دقيقة واحدة.

أمي دخلت ورايا وقالت:

ـ ما تعملش في نفسك كده. دي يومين وهترجع، وأنا هربيها من أول وجديد.

بصتلها باستغراب.

ـ تربيها إزاي يا أمي؟ دي مراتي مش بنتك.

وشها اتغير.

ـ نعم؟ إنت بتكلمني أنا بالطريقة دي؟

حاولت أتماسك وقلت:

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى