
مديت إيدي للصندوق وأنا قلبي بيخبط في صدري كأني لأول مرة أشوف ابني من تلات سنين
الصندوق كان صغير ومعدني وعليه تراب قديم وآثار صدأ
عم حسين قال بسرعة
“استني يا مدام دينا”
بصيت له
قال
“ممكن يكون ده مش لياسين”
لكن أمان كان مصر يحفر حوالين الصندوق
فضل يخربش بمخالبه لحد ما ظهر طرف ورقة قديمة مدفونة جنبه
ساعتها فهمت إن الموضوع مش صدفة
مسكت الصندوق وفتحته
جواه كان فيه فلاشة صغيرة ومفتاح وشوية صور
أول صورة كانت لياسين وهو واقف قدام بيت عم حسين
وفي الصورة كان بيضحك وحاضن أمان
قلبت الصورة
لقيت ياسين كاتب وراها
“الحمد لله إني لحقت أعمل حاجة صح”
الصورة وقعت من إيدي
طلعت الفلاشة وروحنا بيت عم حسين
فتحتها على اللابتوب القديم اللي كان عنده
ظهر فيديو لياسين
وشه كان قدامي
نفس عينيه ونفس ابتسامته
اتجمدت مكاني
ياسين قال في الفيديو
“ماما لو إنتي بتشوفي الفيديو ده يبقى غالبًا أنا مش موجود”
وقتها حسيت إني مش قادرة أتنفس
قال
“متعيطيش يا ماما”
وضَحك ضحكته اللي كنت بعشقها
“أنا عارف إنك هتعيطي حتى لو قلتلك متعيطيش”
ضحكت غصب عني وسط دموعي
وكمل
“أنا عايز أقولك حاجة”
“أنا في الفترة الأخيرة كنت بحاول أساعد ناس كتير من غير ما أقولك”
“مش عشان أخبي عنك”
“عشان كنت عارف إنك هتخافي عليا”
“بس أنا اكتشفت حاجة”
“إن الإنسان ساعات بيقدر يسيب أثر حلو في حياة حد حتى لو هو نفسه مش هيكمل حياته”
سكت شوية
وبعدين قال
“المفتاح اللي في الصندوق ده لباب أوضة صغيرة في محطة القطر القديمة”
“لو وصلتي للفيديو ده روحي هناك”
“هتلاقي حاجة مهمة”
الفيديو خلص
فضلت قاعدة قدام الشاشة وأنا حاسة إن ابني بيتكلم معايا من الناحية التانية من الدنيا
عم حسين قال
“أنا معرفش حاجة عن محطة القطر”
قلت له
“هنعرف”
وفي نفس اليوم أخدنا أمان وروحنا للمحطة القديمة
كانت مهجورة ومقفولة من سنين
لكن المفتاح فتح باب حديد صغير في آخر الرصيف
دخلت وأنا ماسكة إيد عم حسين
ولقيت أوضة ضلمة فيها رفوف قديمة
وعليها عشرات الأكياس
أكل
بطاطين
أدوية
ولعب أطفال
وفوقهم ورقة مكتوب عليها
“للي محتاج”
فضلت واقفة مصدومة
وفي ركن الأوضة لقيت دفتر كبير
فتحته
كان فيه أسماء ناس كتير
وقدام كل اسم احتياج معين
دواء
إيجار
أكل
مصروف مدرسة
وأحيانًا مجرد جملة
“عايز حد يسمعه”
عرفت وقتها إن ياسين مكنش بيساعد شخص أو اتنين
كان عامل حاجة أكبر بكتير وأنا مكنتش أعرف عنها أي حاجة.
المشهد التاني
قعدت على الأرض وفضلت أقلب صفحات الدفتر
كل صفحة كانت بتكشفلي جزء جديد من حياة ابني
لقيت اسم ست أرملة عندها بنتين
وكتب جنب اسمها
“ماتديهاش فلوس بس ساعد البنتين يكملوا تعليمهم”
ولقيت اسم راجل مريض
وكتب
“العلاج أهم من أي حاجة”
ولقيت اسم طفل صغير
وقدامه
“بيحب الرسم”
وتحتها
“اشتريتله ألوان”
فضلت أعيط وأنا بقول
“يا ابني إنت كنت بتعمل كل ده من ورايا؟”
عم حسين قال
“كان دايمًا يقولي إن الخير مش محتاج جمهور”
في اللحظة دي سمعنا صوت عند باب المحطة
لفينا
كان راجل في الخمسينات واقف وبيبص علينا
قال
“إنتي والدة ياسين؟”
قلت
“أيوه”
قرب مني ودموعه في عينه
وقال
“أنا من الناس اللي ابنك ساعدهم”
قعد قدامي وحكى لي إن ياسين كان ساعده لما كان مديون ومهدد إنه يفقد بيته
وقال
“ابنك دفع جزء من الدين ورفض إني أعرف اسمه”
قلت له
“بس إزاي عرفت إنه ابني؟”
قال
“لأن كلنا عرفنا بعد وفاته”
“كان عامل حساب صغير للخير وكان بيحط فيه من شغله ومن مصروفه”
وبعدها بدأ ناس تانية تيجي
واحد ورا التاني
ست كبيرة
شاب
بنت في الجامعة
راجل بسيط
كل واحد فيهم كان عنده حكاية مع ياسين
وأنا كنت بسمع
وأبكي
وأضحك
وأقول لنفسي
“ده ابني”
كان كل شخص بيحكي عن ياسين بطريقة مختلفة
لكن كل الحكايات كان فيها نفس الحاجة
ياسين كان بيساعد من غير ما يستنى شكر
وفي آخر اليوم عم حسين قال لي
“إنتي دلوقتي عرفتي ليه الكلب كان بيروح قبره”
بصيت له
قال
“لأن أمان كان آخر شاهد على كل حاجة عملها”
بصيت للكلب
وقلت
“يعني هو كان بيرجع يفتكر صاحبه؟”
عم حسين ابتسم
“يمكن”
“ويمكن ربنا ساقه ليكي عشان يوصلك لكل الناس دي”
مسحت دموعي وقلت
“يمكن دي كانت رسالة من ربنا”
رجعت البيت ومعايا الدفتر
وفي الليلة دي لأول مرة من سنين فتحت أوضة ياسين
قعدت على سريره
ولقيت صورته قدامي
وقلت
“أنا كنت فاكرة إني فقدتك يا ابني”
“بس إنت كنت سايب نفسك في كل مكان”
وبعدها أخدت قرار
إني أكمل اللي بدأه.
المشهد التالت
بعد كام أسبوع بعت لكل الناس اللي أسماؤهم في الدفتر
وقلت لهم إن المساعدة اللي كان ياسين بيقدمها مش هتتوقف
بدأت بمشروع صغير من فلوس كنت حوشتها
وساعدني فيه عم حسين
سميناه
“أثر ياسين”
مكناش عايزين نحط صورته في كل مكان
ولا نكتب اسمه عشان الناس تمدحه
كنا بس بنساعد اللي محتاج
وفي أول يوم فتحنا فيه المكان
دخلت بنت صغيرة ماسكة إيد أمها
وقالت
“هو ده المكان اللي كان ياسين بيجيب منه حاجات؟”
نزلت لمستواها وقلت
“أيوه”
قالت
“أنا مشفتوش غير مرة”
“بس هو اشترالي شنطة المدرسة”
“وقال لي متخافيش من المدرسة”
ساعتها مقدرتش أمنع دموعي
البنت بصتلي وقالت
“إنتي ماما ياسين؟”
هزيت راسي
حضنتني وقالت
“هو كان حلو أوي”
قلت لها
“كان حلو بقلبه”
ومع مرور الشهور المكان كبر
ناس كتير بدأت تساعد
وكل ما حد يسألني
“ليه بتعملي ده؟”
كنت بقول
“عشان ابني علمني إن الخير مبيموتش بموت صاحبه”
أما أمان فكان لسه بيروح قبر ياسين كل يوم حد
وأنا بقيت أروح معاه
في مرة قعدت جنب القبر وحطيت إيدي على التراب
وقلت
“وحشتني يا ياسين”
أمان قرب مني وحط راسه في حضني
ضحكت وقلت
“إنت كمان وحشك؟”
فضل ساكت
وبص للقبر
وبعدين بصلي
حسيت إن الإجابة كانت واضحة من غير كلام
مرت سنة كاملة
وفي يوم وأنا في المكان لقيت ظرف متبعت باسمي
فتحته
لقيت ورقة من عم حسين
وكان مكتوب فيها
“مدام دينا”
“أنا طول عمري كنت فاكر إن ربنا نسي الناس الغلابة”
“لحد ما ابنك دخل حياتي”
“وبعد ما مات افتكرت إن الخير ممكن يختفي”
“لكن إنتي كملتي اللي بدأه”
“وعشان كده أنا عايز أقولك إن ابني ياسين مغيرش حياتي أنا بس”
“ده غير حياتك إنتي كمان”
فضلت ماسكة الورقة وبعيط
لأن عم حسين كان عنده حق
أنا من يوم موت ياسين كنت عايشة بس جسمي هو اللي موجود
كنت بروح الشغل
برجع البيت
بنام
وبستنى يوم الأحد عشان أروح قبره
لكن بعد ما عرفت الحقيقة
بقيت كل يوم أعمل حاجة تخليه فخور بيا
وفي يوم عيد ميلاده العشرين
جمعنا الناس اللي ساعدهم
وأشعلنا شمعة صغيرة قدام صورته
مفيش موسيقى
مفيش احتفال كبير
بس دعوات من قلوب ناس كتير
كل واحد دعا له
وأنا رفعت إيدي وقلت
“اللهم ارحم ابني واغفر له واجعل كل خير عمله في ميزان حسناته”
وساعتها حسيت براحة غريبة
كأن حمل كبير كان على قلبي واتشال.
المشهد الرابع والأخير




