
بعد غياب سنين، رجعت أخيرًا البيت.. ولقيت أمي بتُعامل كأنها خدامة في البيت اللي أنا شارييه وفاتحه عشانها، وأخويا عايش فيه وكأن الحكاية كلها ملكه ورثها عن أهله!
لدرجة إنها أصلاً معرفتنيش.
متخانقتش.
ومصرختش.
عملت مكالمة واحدة بس قلبت كل الموازين.
أول حاجة شفتها أول ما دخلت البيت بعد غياب ست سنين، كانت أمي وهي راكعة على ركبها، بتنضف بقعة خمر نازلة على أرضية الرخام.
وتاني حاجة، أخويا وهو دايس برجله فوق إيديها وبيقولها بكل برود:
“سيبتي حتة هنا متنضفتش.”
فضلت ثواني مش عارف أخد نفسي.
أمي زمان.. كان مستحيل عيني تحود عنها من كتر ما كانت مليانة حيوية ونور.
طرح ملونة ومنورة.
ضحكة عالية تملى البيت.
ريحة القرفة اللي لازقة في هدومها.
إيدها اللي مكنتش بتعرف تقعد فاضية أبداً.
دلوقتي، وهي في التمانينات من عمرها، كانت باينة أكبر من سنها بكتير.
شعرهابقى خفيف وأبيض تماماً.
ملامحها مهدودة وتعبانة.
ولابسة يونيفอร์م شغالات قديم وبهتان.
وقفت في الصالة والشنطة لسه ورايا على الأرض.
“يا أمي؟”
رفعت راسها ببطء شديد.
عينها مشيت على وشي من غير أي ذرة تعارف أو إحساس.
وقالت بصوت واطي مكسور: “أنا آسفة يا فندم.. الضيوف المفروض ميمشوش من المدخل ده.”
بطني اتقبضت من القهر.
وفي اللحظة دي، ظهر أخويا الكبير على السلم فوق.
لابس الروب الغالي اللي أنا جبته لأبويا الله يرحمه قبل ما يموت.
وقف مكانه مسمّر أول ما شافني.
“يا هلا.. مش معقول! هو الحج عامر نزل في كشف الأسياد؟ ولا سيادة المهندس افتكر أخيرًا إن عنده أهل؟”
“أنا كنت بكلمكم.”
“كل كام شهر مرة!”
“وكنت ببعت مصاريف البيت كل أول شهر.”
ابتسامته ضاقت وبان فيها التوتر.
وهنا ظهرت مراته من وراه وهي ماسكة كاس خمر في إيدها، والنهار لسه مطلعش كويس.
بصتلي من فوق لتحت كأنها بتستلم أوردر شحن.
“كان المفروض تعرفنا قبل ما تيجي بكتير.. الأوضة بتاعتك لسه متفرشتش ولا نضفت.”
رجعت بصيت لأمي بحرقة.
“إيه المنظر اللي هي لابساسه ده؟ ليه عاملة كدة؟”
ضحك بتهكم وقال: “عادي، أمك بتحب تتحرك وتخدم في البيت عشان تضيع وقت وتتسلى.”
أمي وطت راسها في الأرض.
ورجعت تكمل مسح البلاط.
نزلت على ركبي جنبها بسرعة.
“يا أمي.. دا أنا، عامر ابنك!”
أول ما لمست كتفها، انكمشت على نفسها ورجعت لورا برعب.
“لأ.. لأ.. ابني عامر مسافر وبعيد قوي هناك.”
حاجة جوه روحي اتكسرت واتفطرت.
بس معليتش صوتي.
لأن ده بالظبط اللي كان مستنيه.
طول عمره بيعرف يكسب أي خناقة بالصوت العالي والجعجعة.
عمره ما فهم أبداً إن السكتة والهدوء مش معناه أبداً استسلام.
قمت وقفت بثبات.
“فين دكاترة أمي ومتابعتها؟”
مرات أخويا قلبت عينيها بملل وقالت: “يا سيدي ما هي خلاص خرفت.. الكبر شين والزهايمر بيعمل أكتر من كده.”
“فين الممرضة اللي أنا معينها ومخصص ليها مرتب كبير؟”
لثانية واحدة.. ملامح أخويا اتغيرت واتخض.
وبعدها اختفت الخضة دي بسرعة.
بس أنا كنت شفتها خلاص.
وده لوحده كان كفاية قوي.
قرب مني وحط إيده على كتفي بيحاول يجرني ناحية المطبخ بمكر: “بص يا حبيبي.. أنت غبت كتير والبلد اتغيرت والظروف بقت غير الظروف.. أمك بنفسها مضت على أوراق ونقلت كل حاجة، وأنا اللي بقيت أدير البيت والأملاك دي كلها.”
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
وقفت مكانه في أرضي.
“أوراق إيه؟”
ابتسم ببرود: “الأوراق اللي بتخلي البيت وكل حاجة هنا.. بقت ملكي قانوني.”
فضلت باصص في وشه.
وسيبت الصمت الثقيل ده يسيطر بينا.
طلعت إيدي بهدوء من جوا الجاكيت ولمست الظرف المختوم اللي محطوط في الجيب الداخلي.
“حاجة غريبة والله.”
ابتسامة أخويا بدأت تذوب وتتلاشى.
عشان في تفصيلة صغيرة جداً.. هو نسي يتأكد منها أو يسأل فيها أصلاً.
أنا عمر ما البيت ده اتكتب لأمي أصلًا.
هي كانت عايشة فيه ومتهنية.. بس مكنش ملكها.
البيت من يومه مسجل في الشهر العقاري باسمي وفي ملكيتي التامة، ومحطوط في ترست قانوني محمي.
ترست.. هو نفسه مكنش يعرف إنه موجود من الأساس.
وأنا واقف قدامه وهو بيمثل إنه صاحب البيت ومالك مكاني، عرفت كويس قوي إنه مكنش عنده أي فكرة باللي هيحصله خلال ثواني معدودة..
يتبع في الجزء الثاني…القصه كامله ع الصفحه هنا اضغط هايوصلك
👈🏼 W A A D 👉🏻 القصه
ماتنساش تعملي متابعه ولايك عشان القصص هناك معظمها حصري وعشان يوصلك كل جديد♥♥♥♥♥♥♥
@أبرز المعجبين
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
المشهد الأول: المكالمة اللي غيّرت كل حاجة
فضلت واقف قدام أخويا، والظرف لسه في إيدي.
هو كان بيبصلي مستني أشوف هعمل إيه، وكأنه واثق إن كل اللي قاله كفاية عشان يخليني أخرج من البيت من غير ما أفتح بوقي.
قال وهو بيبتسم:
“إيه؟ اتخرست ليه؟ ولا جاي تعمل فيها صاحب البيت بعد ست سنين غياب؟”
بصيت لأمي.
كانت لسه على الأرض.
إيدها بترتعش وهي ماسكة فوطة صغيرة، وبتحاول تمسح آخر نقطة من البقعة.
قلت لها:
“سيبي الفوطة يا أمي.”
اتجمدت.
بصتلي بخوف.
“بس الأستاذ قال…”
قاطعتها بهدوء:
“أنا اللي بقولك دلوقتي.”
أخويا انفجر ضاحك.
“الأستاذ؟! إنت لسه فاكر إنك صاحب كلمة هنا؟”
ما رديتش عليه.
انحنيت وخدت الفوطة من إيد أمي، وحطيتها على الترابيزة.
وبعدين مسكت إيدها.
كانت باردة بشكل خلاني أعض على شفايفي عشان ما أعيطش.
قلت:
“قومي.”
همست:
“لو سمحت يا فندم… أنا هخلص شغلي الأول.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي إهانة سمعتها في حياتي.
أمي بتناديني “يا فندم”.
أمي اللي كانت لما أرجع من المدرسة وهي شايلة شنطتي، تستقبلني عند الباب وتقول:
“حمد لله على السلامة يا حبيبي.”
أمي اللي كانت بتنام آخر واحدة عشان تطمن إن كل ولادها ناموا.
دلوقتي خايفة مني.
خايفة حتى ترفع عيني في عيني.
رفعت راسي وبصيت لأخويا.
“إنت عملت فيها إيه؟”
اتغيرت ملامحه.
“أنا؟”
“أيوه. إنت.”
مراته قربت منه وقالت:
“عامر، إحنا مش ناقصين مشاكل. أنت داخل علينا فجأة، وبتتكلم كأنك كنت عايش هنا طول السنين اللي فاتت.”
بصيت لها.
“أنا كنت عايش برا عشان أأمن مستقبلها.”
وأشرت لأمي.
“البيت ده اتفتح عشانها.”
أخويا ضحك:
“يا راجل! بلاش تمثيل. أمك نفسها باعت ووقعت ونقلت الملكية.”
طلعت الظرف من الجاكيت.
حطيته قدامه.
“افتح.”
بص للظرف.
وبعدين بصلي.
“إيه ده؟”
“افتح.”
مد إيده.
بس قبل ما يلمسه، سمعنا صوت جرس الباب.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
أخويا بص لمراته.
مراته بصت له.
أما أنا فكنت واقف مكاني.
قلت:
“افتح الباب.”
قال بعصبية:
“إنت بتأمرني في بيتي؟”
ابتسمت لأول مرة.
“افتح الباب… وبعدها هتعرف بيت مين.”
راح ناحية الباب وهو متوتر.
فتحه.
دخل رجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية، ومعاه اتنين تانيين.
أول ما شافني، وقف وقال:
“باشمهندس عامر؟”
رديت:
“أيوه.”
مد إيده.
“حمد لله على السلامة. كنا مستنيين رجوع حضرتك من زمان.”
وش أخويا اصفر.
“إنت تعرفه؟”
الرجل بص له باستغراب.
“طبعًا أعرفه.”
وبعدين بص للبيت.
“ده مالك العقار.”
سكتت الصالة كلها.
مرات أخويا شهقت.
وأخويا فضل واقف مكانه كأنه مش فاهم.
الرجل طلع ملف أسود.
“وأنا المستشار القانوني المسؤول عن الترتيب القانوني للممتلكات الخاصة بالباشمهندس عامر.”
أخويا قرب منه.
“بس أنا المالك.”
الرجل رد بمنتهى الهدوء:
“حضرتك غلطان.”
“أمي مضت.”
“والدة حضرتك لا تملك العقار أصلًا حتى تنقله.”
اتسعت عيون أخويا.
أما أمي، فكانت واقفة في آخر الصالة بتبص لنا.
كأنها مش فاهمة أي حاجة.
قربت منها.
“يا أمي… أنا هفهمك كل حاجة.”
هزت راسها بخوف.
“متزعلش الأستاذ… هو عصبي بس قلبه طيب.”
غمضت عيني.
لأول مرة فهمت إن الموضوع مش مجرد استغلال.
أمي اتزرع جواها خوف من أخويا.
الخوف اللي يخلي الإنسان يدافع عن الشخص اللي بيأذيه.
فتحت عيني وبصيت لأخويا.
“من النهارده… مفيش حاجة اسمها الأستاذ.”
وسكت لحظة.
“ومفيش حاجة اسمها إنك صاحب البيت.”
—
المشهد الثاني: الست سنين اللي محدش حكالي عنها
قعدنا كلنا في الصالة.
المستشار حط الملفات قدامه.
أخويا كان بيحاول يحتفظ بهدوئه، بس إيده كانت بتتحرك بعصبية.
مراته فضلت واقفة.
وأمي قعدت في ركن بعيد، ضامة إيديها لبعض.
أنا قعدت جنبها.
“تعالي هنا يا أمي.”
قربت ببطء.
ولما قعدت جنبي، غطيت إيدها بإيدي.
“أنا ابنك.”
بصتلي.
فضلت ثواني طويلة بتتأمل وشي.
وبعدين قالت:
“صوتك…”
قلت:
“صوتي إيه؟”
قالت:
“صوتك شبهه.”
ابتسمت رغم الوجع.
“شبه مين؟”
“ابني عامر.”
قلبي اتقبض.
“أنا عامر يا أمي.”
فضلت تبصلي.
وفجأة دمعة نزلت من عينها.
“عامر كان بيقولي كده.”
اتنفضت من مكاني.
“كان؟”
سكتت.
بصيت للمستشار.
“أنا عايز أعرف كل حاجة حصلت هنا.”
المستشار فتح ملفه.
“حضرتك كنت بتحول مبالغ شهرية منتظمة لحساب مخصص لمصاريف والدتك.”
قلت:
“أيوه.”
“وكان فيه حساب فرعي مخصص للرعاية الطبية.”
“أيوه.”
“وكان فيه ممرضة مقيمة.”
هنا بصيت لأخويا.
“فينها؟”
ما ردش.
كررت:
“فين الممرضة؟”
مراته قالت:
“مشيناها.”
“ليه؟”
“أمك كانت بتتعبنا.”
قمت من مكاني.
أخويا وقف بسرعة.
“اقعد.”
بصيت له.
“إنت اللي اقعد.”
سكت.
رجعت مكاني.
المستشار كمل:
“التحويلات كانت بتوصل بانتظام. لكن خلال السنتين الأخيرتين حصلت تغييرات في المصروفات.”
قلت:
“إيه التغييرات؟”
فتح ورقة.
“مصاريف الرعاية اختفت تقريبًا.”
“يعني إيه؟”
“يعني الأموال كانت بتدخل، لكن مفيش خدمات مقابلة لها.”
بصيت لأخويا.
“فلوسي راحت فين؟”
قال:
“أنا كنت بصرف على البيت.”
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
“البيت؟”
وأشرت لأمي.
“وأمي كانت بتنضف الأرض وهي عندها أكتر من تمانين سنة؟”
مراته تدخلت:
“هي كانت بتحب تتحرك.”
بصيت لها.
“وبتحب تلبس يونيفورم شغالة؟”
ما ردتش.
المستشار قلب صفحة.
“وفيه نقطة أخطر.”
قلت:
“قول.”
“فيه مجموعة مستندات قدمت على إنها تنازل من الوالدة عن بعض الحقوق.”
أخويا قال بسرعة:
“وهي مضت.”
المستشار هز راسه.
“التوقيع موجود.”
سكت.
أخويا ابتسم.
“شايف؟”
لكن المستشار كمل:
“بس التوقيع لا يعني إن المستند صحيح أو إن الموقع كان مدركًا لطبيعته.”
اختفت ابتسامة أخويا.
قلت:
“يعني إيه؟”
“يعني لازم نراجع الظروف اللي تم فيها التوقيع.”
بصيت لأمي.
“فاكرة مضيتي على إيه؟”
أمي حطت إيدها على رأسها.
“أنا… مش فاكرة.”
أخويا تدخل بسرعة:
“هي مش فاكرة أي حاجة. وده سبب إنك ماينفعش تعتمد على كلامها.”
بصيت له.
“أهو دي أول مرة تقول حاجة صح.”
ابتسم.
“أخيرًا فهمت.”
هزيت راسي.
“لا. فهمت حاجة أخطر.”
قربت منه.
“إنك كنت مستني إنها تنسى.”
وشه اتغير.
قلت:
“عشان تعمل اللي إنت عايزه.”
سكت.
وبعدين سمعنا صوت أمي.
صوت ضعيف جدًا.
“عامر…”
لفيت ناحيتها.
قالت:
“أنا كنت بخبي حاجة.”
—
المشهد الثالث: الدرج اللي أمي كانت بتخاف تقرب منه
كلنا سكتنا.
أمي كانت بتبص ناحية السلم.
قالت:
“فوق.”
قلت:
“إيه فوق؟”
“الأوضة القديمة.”
أخويا اتحرك بسرعة.
“مفيش حاجة فوق.”
أمي انتفضت.
رجعت لورا.
وأنا فهمت.
مسكت إيدها.
“مين كان بيخوفك؟”
ما ردتش.
بصيت لأخويا.
“محدش يتحرك.”
طلعت السلم.
أخويا جري ورايا.
“عامر!”
ما وقفتش.
وصلت للدور التاني.
كان فيه باب خشب قديم.
أمي أشارت له.
“هنا.”
فتحت الباب.
الأوضة كانت مليانة كراتين.
أثاث قديم.
صناديق.
صور.
ريحة تراب.
دخلت.
وأمي ورايا.
أشارت لركن صغير.
“هناك.”
حركت كرتونة.
تحتها صندوق خشب صغير.
فتحت الصندوق.
لقيت صور قديمة.
شهادات.
خطابات.



