
وفوقهم ظرف بني.
فتحته.
طلعت منه ورقة مكتوبة بخط أمي.
قرأت أول سطر.
“لو عامر رجع…”
وقفت.
أخويا كان واقف على الباب.
قلت:
“إنت كنت عارف عن الصندوق ده؟”
ما ردش.
كملت القراءة.
“لو ابني عامر رجع يومًا، يبقى لازم يعرف إن…”
إيدي بدأت تترعش.
قلبت الورقة.
آخر سطر كان مقطوع.
بصيت لأمي.
“الباقي فين؟”
قالت:
“أخوك أخده.”
لفيت ناحية أخويا.
“أخدت إيه؟”
قال:
“أنا مش فاهم هي بتقول إيه.”
نزلت السلم بسرعة.
المستشار كان لسه في الصالة.
قلت له:
“هاتلي نسخة كاملة من كل المستندات اللي اتعملت باسم أمي.”
قال:
“موجودة.”
“دلوقتي.”
فتح حقيبته.
طلع ملف.
بدأ يقلب.
وبعدين وقف.
“فيه مستند ناقص.”
قلت:
“إيه هو؟”
“التفويض الأصلي.”
أخويا قال:
“مش عندي.”
بصيت له.
“إنت متأكد؟”
“أيوه.”
ابتسمت.
“غريبة.”
طلعت موبايلي.
عملت مكالمة واحدة.
قلت:
“أيوه، أنا وصلت.”
سكت شوية.
“عايزك تيجي فورًا.”
أخويا بصلي.
“مين؟”
ما جاوبتش.
بعد حوالي عشر دقايق، الباب خبط.
دخل رجل كبير في السن.
أول ما شافته أمي، وقفت.
وقالت:
“عم حسن…”
الرجل دمعت عينه.
“أيوه يا حاجة.”
أخويا رجع خطوة.
الرجل بص له.
وقال:
“أنا كنت مستني اليوم ده من ست سنين.”
قلت:
“قول.”
طلع من جيبه ظرف قديم.
“أمك ادتهولي قبل ما تسافر.”
بصيت لأمي.
قالت:
“أنا كنت خايفة أنسى.”
فتح الرجل الظرف.
طلع ورقة.
وقال:
“قالتلي لو عامر رجع، اديله دي.”
مسكت الورقة.
وكان فيها جملة واحدة:
“يا عامر… متصدقش إن أخوك هو اللي أنقذني بعد سفرك، لأنه هو أول واحد خلاني أخاف من بيتي.”
اتسمرت مكاني.
أخويا حاول ياخد الورقة.
أنا سحبتها بعيد.
قلت:
“خلاص.”
بص لي.
“خلاص إيه؟”
قلت بهدوء:
“اللعبة انتهت.”
—
المشهد الرابع: البيت رجع لصاحبه
تاني يوم الصبح، البيت كان هادي بشكل غريب.
لا صوت خمر.
لا ضحك.
لا صوت مرات أخويا وهي بتدي أوامر.
ولا أمي بتنضف.
أنا صحيت بدري.
دخلت المطبخ.
لقيت أمي واقفة قدام الحلة.
لابسة جلابية بسيطة.
وبتعمل قرفة.
أول ما شافتني، ابتسمت.
ابتسامة صغيرة.
لكنها كانت أول ابتسامة حقيقية أشوفها من يوم رجعت.
قالت:
“لسه بتحب القرفة؟”
ضحكت.
“أنا مستنيها من ست سنين.”
سكتت.
وبعدين قربت مني.
حطت إيدها على وشي.
فضلت تتأمله.
وقالت:
“كبرت.”
قلت:
“وإنتي تعبتي.”
دموعها نزلت.
“سامحني.”
حضنتها.
“إنتي اللي تسامحيني.”
قالت:
“كنت كل يوم أستناك.”
“وأنا كنت كل يوم بقول بكرة أرجع.”
“ليه اتأخرت؟”
ما عرفت أجاوب.
لأن أحيانًا الإنسان يفتكر إنه بيبني مستقبله، وهو مش واخد باله إنه بيضيع منه ناس عمره كله.
بعد الظهر، أخويا خرج من أوضته.
كان شايل شنطة.
مراته وراه.
قال:
“إحنا ماشيين.”
بصيت له.
“اتفضل.”
وقف.
واضح إنه كان مستني مني أترجاه.
لكن ما عملتش.
قال:
“يعني هتطردني؟”
قلت:
“أنا مش بطردك من بيتك.”
ابتسم.
“أهو اعترفت إنه بيتي.”
هزيت راسي.
“لا. قلت بيتك.”
وبعدين أشرت للباب.
“بس مش بيتي.”
وشه اتجمد.
قلت:
“أبوك عاش هنا. وأمي عاشت هنا. وأنا بنيت البيت ده عشانهم. لكن الملكية حاجة تانية.”
المستشار كان واقف بعيد.
قال:
“كل الإجراءات اتراجعت، ومفيش سند ملكية صحيح باسم حضرتك.”
أخويا بصلي.
“هتفضحني؟”
قلت:
“لو كنت ناوي أفضحك، كنت بدأت من أول يوم.”
سكت.
“أنا بس عايز منك حاجة واحدة.”
قال:
“إيه؟”
“بص لأمي.”
لف ناحيتها.
أمي كانت واقفة عند باب المطبخ.
قلت:
“بص في عينيها وقول لها ليه خليتها تخدمك.”
سكت.
“قول لها ليه منعتها من أوضتها.”
سكت.
“قول لها ليه خلتها تخاف من ابنها.”
مراته بدأت تبكي.
أخويا بص للأرض.
وأمي قالت:
“روح يا ابني.”
رفع عينه.
قالت:
“أنا مش عايزة أشوفك وإنت غضبان.”
سكتت لحظة.
“بس برضه مش عايزة أشوفك وإنت بتظلمني.”
أخويا أخد شنطته.
وقبل ما يخرج، وقف عند الباب.
بصلي.
وقال:
“إنت اتغيرت.”
رديت:
“أيوه.”
“بقيت قاسي.”
هزيت راسي.
“لا.”
بصيت لأمي.
“أنا بس بطلت أصدق كل حاجة بتتقال لي.”
خرج.
والباب اتقفل.
—
المشهد الأخير: بعد ست سنين
عدت أقعد في البيت.
مش عشان أعيش فيه كمالك.
لكن عشان أرجع لأمي حياتها.
لغيت كل شيء كان بيخليها تحس إنها خدامة.
رجعت الممرضة.
وجبت ست تساعدها في البيت.
لكن أمي اعترضت:
“أنا لسه بعرف أطبخ.”
ضحكت.
“طب اعمليلي قرفة.”
قالت:
“من عيني.”
وبعد كام أسبوع، البيت اتغير.
الستائر اتغسلت.
الحديقة رجعت خضرا.
صور أبويا رجعت تتعلق على الحيطان.
وأمي رجعت تلبس طرحها الملونة.
وفي يوم، وأنا داخل من الباب، سمعت ضحكتها.
ضحكتها القديمة.
اللي كنت فاكر إني مش هسمعها تاني.
جريت ناحية المطبخ.
لقيتها بتضحك مع الست اللي بتساعدها.
أول ما شافتني قالت:
“عامر! تعالى دوق القرفة.”
وقفت مكاني.
لثواني، رجعت طفل صغير.
مش مهندس.
مش صاحب شركات.
مش صاحب بيت.
بس ابن أمه.
قربت منها.
دوقت الكوباية.
وقلت:
“زي زمان.”
ابتسمت.
“عشان عملتها وأنا مبسوطة.”
حضنتها.
وفوق كتفها بصيت ناحية الصالة.
المكان اللي لقيتها فيه راكعة على الأرض.
المكان اللي أخويا كان واقف فيه فوق إيدها.
المكان اللي رجعت فيه وأنا فاكر إن أكبر مصيبة حصلت لي هي ضياع ست سنين من عمري.
لكنني فهمت وقتها إن المصيبة الحقيقية كانت إني كنت بعيد عن أمي وهي محتاجة ابنها.
وقبل ما أطلع من المطبخ، نادتني:
“عامر.”
لفيت.
قالت:
“هو أخوك هيرجع؟”
سكت.
قربت منها.
وقلت:
“يمكن.”
سألت:
“وهتسامحه؟”
بصيت في عينيها.
“لو اعتذر بصدق، آه.”
ابتسمت.
“إنت قلبك لسه طيب.”
ضحكت.
“إنتي اللي علمتيني.”
وفي نفس اللحظة، رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت.
صوت رجل قال:
“باشمهندس عامر؟”
“أيوه.”
“أنا بتصل بخصوص أخوك.”
سكت.
“فيه حاجة حصلت.”
قلبي اتقبض.
“إيه اللي حصل؟”
الرجل قال جملة واحدة:
“هو طلب يقابلك… وقال إن عنده حاجة تخص والدتك لازم يسلمها لك بإيده.”
بصيت لأمي.
كانت بتبتسم ومش سامعة.
قفلت المكالمة.
وقفت لحظة أفكر.
ثم حطيت موبايلي في جيبي.
لأول مرة من سنين، ما حسيتش بالخوف من الماضي.
لأن أمي كانت قدامي.
والبيت كان رجع بيتها.
وأنا…
رجعت ابنها.
والحكاية دي علمتني إن أحيانًا أقسى خيانة مش إن حد ياخد منك فلوس أو ملك… أقسى خيانة إن حد يخليك تحس إن المكان اللي اتولدت فيه مبقاش مكانك، وإن أمك اللي ربتك بقت غريبة عنك. لكن طول ما الحق له صاحب… مهما طال الغياب، بييجي يوم وكل حاجة بترجع لمكانها.




