روايات وقصص

ابويا حكايات صافي هاني

أبويا وقف قدام العيلة كلها وقال بصوت عالي: “متروحيش في حتة في البيت ده لحد ما تعتذري لأخوكِ!” سكتت سفرة الغداء ثواني معدودة، كأن مافيش حد قاعد، لحد ما طارق فجأة ضحك بسخرية.خالتي ميرفت حطت إيدها على بقها عشان تداري ضحكتها، ومرت أبوي داليا عملت حركة مستفزة وهي بتبص من كاس العصير، وابن عمتي خالد هز راسه وقعد يضحك.

 

كان عندي أربع وعشرين سنة.

والمفروض إن الراجل ده، اللي هو أبويا «محسن الشاذلي»، لسه بيعاملني كإني بنت عنده أربعتاشر سنة.

الدم فار في وشي من الغضب، بس مسكت نفسي بالعافية، ورفضت أديله رد الفعل اللي كان مستنيه على أحر من الجمر.

قلت بهدوء تام: “حاضر.”

أبويا رمش بعينيه مش مصدق.

ده مكنش اللي هو عايزه خالص.

كان عايزني أتعصب وأتنرفز.

كان عايزني أعلي صوتي، وأفقد أعصابي، عشان يلاقي حجة قدام الكل يقول فيها: “شايفين التربية؟”

بس أنا خلاص، خلصت تمثيل في المسرحية دي.

الخناقة كلها أساساً قامت عشان عربية أمي الله يرحمها (الفورد الكلاسيكية القديمة).

أمي كانت بتحب العربية دي حب جنوني. ولما ماتت، فضلت العربية دي من الحاجات القليلة جداً اللي سايباها لي وبتحسسني إنها لسه معانا.

وطارق كان عارف ده كويس.

وكان عارف كويس قوي إنه ممنوع يلمسها من غير ما يستأذن.

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

بس برضك أخدها من ورايا.

وفي الآخر خبطها في عامود خرسانة في الجراج.

ولما جيت قلت له إنه لازم يدفع ثمن التصليح، قعد يضحك في وشي وقال لي ببرود إني درامية ومأفورة.

وأبويا طبعاً وقف معاه.

زي كل مرة.

أبويا بص لي وقال: “أنتِ حرقتِ دم أخوكِ قدام الناس كلها… ومتحاوليش تطلعي من البيت ده غير لما تعتذري له.”

طارق رجع بضهره على الكرسي وهو مبتسم ابتسامة النصر.

اللي محدش فيهم كان فاهمه ولا مستوعبه، إني مكنش عايشة في البيت ده عشان محتاجة لأبويا في حاجة.

العكس هو الصحيح تماماً.

من ست شهور، قعد يتحايل عليا عشان أرجع أعيش معاه في البيت.

شركة المقاولات بتاعتهم (مجموعة الشاذلي) كانت على المحك وبتفلس. مشاريع كتيرة ضاعت، والديون كستها، وكان محتاجني ضروري أتدخل عشان أنقذ ما يمكن إنقاذه وأظبط الدنيا ماليًّا.

عشان كده وافقت أرجع.

بس كان فيه تفصيلة صغيرة قوي، أبويا صمم ينسيها أو يتناها.

البيت ده أساساً مش بتاعه.

ولا قانونياً معظم الشركة اللي بيملا بيها بوقه ويقول “شركتي” دي بتاعته أصلاً.

أمي، كريمة الشاذلي، هي اللي اشترت البيت ده وكتبته من سنين طويلة قبل ما تتجوزه أصلاً.

ولما توفيت من أربع سنين، حطت البيت، وكل حسابات الاستثمار، وأغلبية أسهم الشركة في تركة قانونية (صندوق استثماري) تحت إشراف محامي العيلة.

ولحد ما أكمل أربع وعشرين سنة، كل حاجة هتفضل تحت إدارة قانونية محايدة.

أول ما أتم الأربع وعشرين سنة، السيطرة والولاية الكاملة بتنتقل ليا أنا لوحدي.

وعيد ميلادي كان من إحدى عشر يوم بس.

محامي أبويا كان باعت له خطابات ومستندات رسمية فيها كل تفاصيل الموضوع ده بالمللي.

بس واضح إن سيادة أبويا كالعادة مكنش بيلقي بال للورق ده ولا بيكلف خاطره يقراه.

وعلى ما العيلة تحت قاعدين بيضحكوا على “القرارات الحازمة” اللي خدها محسن الشاذلي وحبس بنته في الأوضة، أنا طلعت بهدوء على فوق.

فتحت الدولاب، وطلعت الشنطة.

حطيت هدومي.

وبعدها اللابتوب بتاعي.

والأوراق المالية.

ودفاتر مذكرات أمي الخاصة.

وفي الآخر، مسكت برواز الصورة اللي محطوط على الكومودينو جنب السرير.

أمي كانت واقفة جنب عربيتها الفورد، ومبتسمة للكاميرا بكل حب.

بصيت للصورة ثواني طويلة.

وبعدين حطيتها في الشنطة هي كمان.

لا صراخ.

ولا خناقات.

ولا توديع درامي.

الساعة خمسة الصبح وتلاتين دقيقة، عربية أوبر كانت مستنياني تحت.

نزلت شنطتي على مهلي، وحطيت مفتاح البيت بكل نظافة وترتيب على الكومودينو جوه أوضتي، وطلعت من باب الشقة من سكات.

ومحدش حس بيا ولا صحي.

الساعة ثمانية وسبع دقائق الصبح، أبويا رن عليا.

طنشته وسقته.

بعدها باثنى عشر دقيقة، جت لي رسالة على الموبايل:

> “أخيراً عرفتِ حجمك الحقيقي يا هانم ولا لسه؟”

>

ضحكت بصوت عالي.

ده لسه فاكرني قاعدة فوق في الأوضة مربعة إيدي ومقهورة.

حسب كلام خالد، على الساعة ثمانية وربعة وثلاثين دقيقة، أبويا قرر أخيراً يطلع يطمن عليا.

طلع السلم بخطوات واسعة.

فتح باب أوضتي.

وتسمّر مكانه.

الأوضة كانت فاضية تماماً.

هدومي مش موجودة.

اللابتوب اختفى.

مذكرات أمي، الصور، كل حاجة طارت.

الحاجة الوحيدة اللي سابوها له هي المرتبة العارية من الملاية، ومفتاح البيت محطوط بانتظام على الكومودينو.

أبويا فضل واقف مكانه شارد ثواني طويلة، مش مجمع ولا فاهم هو باصص على إيه بالظبط.

وفجأة… جرس باب الشقة رن.

نزل جري على تحت، وغالباً كان واثق تماماً إني نزلت أعتذر له زي الشاطرة.

بس لما فتح الباب، لقى في وشّه الأستاذ شريف قطب.

محامي العيلة.

وبالأحرى، كان محامي أمي الشخصي على مدار تسع عشرة سنة.

الأستاذ شريف كان ماسك في إيده ملف جلد سميك.

وحسب ما خالد قال، كان وشّه أصفر وخالي من أي تعبير طبيعي، شكله غريب ومقلق جداً.

أبويا كان متعصب وقال بنبرة حادة: “أنت إيه اللي جايبك هنا دلوقتي؟”

شريف دخل من الباب بخطوات بطيئة.

عنيه راحت على سلم البيت.

وبعدين لاحظ مكان الشنط الفاضية اللي جنب المدخل.

ملامح وشّه اتغيرت في نفس اللحظة.

وقال بصوت خافت: “يا محسن…”

فتح الملف.

> “قول لي إن أمينة سابت البيت ده برضاها وإرادتها… أرجوك.”

>

أبويا كشر عينه وقال بعصبية: “أنت بتقول إيه؟”

“يعني هي مشيت بمزاجها ولا أنت اللي طردتها؟”

أبويا رد بحدة: “أنا مطردتهاش… أنا بس ربيتها وعلمتها الأدب.”

شريف بص له بابتسامة باهتة ومصدومة.

وأبويا كمل بكبرياء أعمى: “كان لازم تفهم إنها ملوش الحق تقل أدبها على العيلة وهي قاعدة تحت سقف بيتي وتاكل من خيري.”

شريف اتجمد في مكانه تماماً.

“تحت سقف بيتك أنت؟”

غضب أبويا زاد: “أيوه! بيتي… وكلمتي هي اللي تمشي.”

شريف نزل عينه ببطء على الورق اللي في إيده.

ولما رفع عينه تاني لأبويا، صوابعه كانت بتترعش.

“يا محسن… البيت ده قانونياً مبقاش ملكك من يوم ما كريمة ماتت.”

#حكايات_صافي_هاني

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى