
بعدها بأيام، بدأت تزورنا فوق. في البداية كانت بتقعد دقائق وتمشي، لكن مع الوقت بقت تسأل عن ملك، وتجيب لها هدوم صغيرة وألعاب. ما كنتش بفرح بالهدايا قد ما كنت بفرح لما أشوفها شايلة ملك بحنان، من غير ما تبص بعدها لابن ريهام وتقارن بينهم.
وفي يوم، كنا قاعدين كلنا في الصالة تحت، وملك كانت بتضحك وهي بتحاول تمسك لعبة ملونة. ابن ريهام كان قاعد جنبها، وكل ما اللعبة تقع منه، ملك تمد إيدها ناحيته كأنها عايزة تساعده.
ريهام ضحكت وقالت: ـ بصي يا ماما، ملك بتديله لعبتها كل ما تقع منه.
حماتي ابتسمت وقالت: ـ ربنا يحفظهم لبعض. يا رب يكبروا وهما سند لبعض.
بصيت لها، وحسيت إن الجملة البسيطة دي كانت كفاية إنها تخليني أتنفس براحة لأول مرة من شهور.
لكن الحكاية ما انتهتش عند كده، لأن الإصابة اللي حصلت لابن ريهام كانت لسه محتاجة متابعة، وكل ما كان بيقرب موعد الكشف، كانت ريهام بتتوتر وتخاف.
وفي أحد الأيام، رجعت من المستشفى وهي شايلة ابنها، ووشها مليان دموع. أحمد سألها: ـ في إيه يا ريهام؟ الدكتور قال إيه؟
قعدت على الكنبة وقالت: ـ الدكتور قال إننا لازم نكمل المتابعة، وإنه لسه بدري نحكم على النتيجة النهائية للإصابة.
حماتي قامت حضنتها وقالت: ـ ربنا يشفيه يا بنتي، وإن شاء الله يقوم بالسلامة.
ريهام فضلت تعيط، وبعدها بصت لي وقالت: ـ سارة، ممكن أطلب منك طلب؟
قلت: ـ طبعًا، اتفضلي.
قالت: ـ لو في يوم ابني احتاج عملية أو علاج طويل، ممكن تساعديني أقعد معاه شوية وأنا في المستشفى؟ أنا عارفة إني ظلمتك، ومش عايزة أطلب منك حاجة، بس أنا تعبانة وخايفة.
بصيت لملك اللي كانت نايمة في حضني، وبعدها بصيت لريهام.
قلت: ـ أنا هساعدك في حدود قدرتي، لأن ابنك طفل مالوش ذنب في اللي حصل بينا. بس عايزاكي تعرفي إن مساعدتي ليكي مش معناها إننا نرجع لنفس الطريقة القديمة. لازم كل واحدة فينا تحترم التانية.
ريهام مسكت إيدي وقالت: ـ وعد مني.
ومن يومها، بدأت علاقتنا تتغير فعلًا. بقينا نتكلم بصراحة، ولو حاجة ضايقتني منها، أقولها، ولو هي احتاجت مساعدة، أساعدها من غير ما أحس إني مطالبة أثبت لها إني كويسة.
ومع مرور الوقت، ابن ريهام اتحسن تدريجيًا، وبقى محتاج متابعة أقل، وملك بدأت تكبر وتتحرك في البيت، وتضحك كل ما تسمع صوت أبوها وهو داخل من الباب.
أحمد نفسه اتغير. بقى يساعدني في رعاية ملك، ويصحى بالليل لو عيطت، وبقى يرفض أي مقارنة بين الأطفال، حتى لو كانت على سبيل الهزار.
وفي يوم عيد ميلاد ملك الأول، قررت أعمل احتفال بسيط في البيت. جبت تورتة صغيرة، وزينت الصالة ببالونات ملونة، وعزمت أهلي وأهل أحمد.
كنت خايفة إن اليوم يتحول لمقارنة جديدة، لكن ريهام فاجأتني لما دخلت وهي شايلة ابنها، وفي إيدها هدية كبيرة.
قالت: ـ دي هدية ملك من ابن خالتها، وإن شاء الله لما يكبروا يفضلوا أصحاب.
ابتسمت وأنا بفتح الهدية، ولقيت فيها لعبة موسيقية جميلة، ومعاها كارت مكتوب عليه: «لأجمل ملك في الدنيا، ربنا يحفظك ويخليكي لأهلك».
بصيت لريهام وقلت: ـ شكرًا يا ريهام.
قالت: ـ أنا اللي بشكرك إنك ادتيني فرصة أصلح غلطي.
وبعدين جه وقت التورتة. أحمد شال ملك، وحمايا وقف جنبه، وريهام كانت شايلة ابنها، وحماتي واقفة قدامهم.
أحمد بص لي وقال: ـ تعالي يا سارة، لازم تبقي جنب بنتك.
وقفت جنبه، وملك كانت بتضحك وهي بتخبط بإيديها الصغيرة في الهوا.
حماتي قربت منها، وباست راسها وقالت: ـ كل سنة وإنتِ طيبة يا حبيبتي، وربنا يبارك في عمرك.
وبعدين بصت لي وقالت: ـ أنا عارفة إنك لسه فاكرة كل اللي حصل، ومش هطلب منك تنسيه. بس أتمنى كل يوم أكون أحسن من اليوم اللي قبله، علشان ملك تعرف إن جدتها بتحبها بجد.
حسيت بالدموع بتتجمع في عيني، لكن المرة دي ما كانتش دموع قهر. كانت دموع راحة ممزوجة بوجع قديم بدأ يهدى.
بعد ما الضيوف مشيوا، طلعت شقتي وحطيت ملك في سريرها. وقفت أبصلها وهي نايمة، وافتكرت اليوم اللي اتولدت فيه، والكلام اللي اتقال عنها، والليالي اللي قضيتها وأنا بخاف من بكرة.
افتكرت إزاي اتهموني في حاجة ما عملتهاش، وإزاي كنت لوحدي في وقت كنت محتاجة فيه حد يصدقني، وإزاي كلمة واحدة من أحمد كان ممكن توفر عليا شهور من الوجع لو قالها من البداية.
أحمد دخل الأوضة ولقاني واقفة جنب السرير.
قال: ـ بتفكري في إيه؟
قلت: ـ في كل اللي حصل من يوم ما ملك اتولدت.
قرب مني وبص لبنتنا وقال: ـ أنا عارف إني قصرت معاكي، ومهما عملت مش هقدر أرجع الأيام اللي فاتت.
قلت له: ـ الأيام ما بترجعش، يا أحمد. بس اللي جاي لسه في إيدينا. أنا مش عايزة بنتي تكبر وهي فاكرة إن الحب لازم يكون معاه إهانة، أو إن الست لازم تسكت علشان تحافظ على بيتها.
قال: ـ مش هسمح بده.
بصيت له وقلت: ـ خليك فاكر وعدك ده، خصوصًا لما الدنيا ترجع تضغط علينا.
هز راسه، ومسك إيدي، ووقفنا شوية نبص لملك وهي نايمة.
بعدها بشهرين، حصل موقف صغير لكنه أكد لي إن التغيير الحقيقي بيبان في التفاصيل.
كنا قاعدين تحت، وابن ريهام كان بيلعب جنب ملك. فجأة، لعبة ملك وقعت تحت الكنبة، وبدأت تعيط علشان مش عارفة توصل لها. ابن ريهام زحف ناحيتها، ومد إيده، وطلع اللعبة، وبعدها حطها جنبها.
ريهام ضحكت وقالت: ـ شفتوا؟ الواد بيجيب لها لعبتها!
حماتي كانت قاعدة جنبها، فبصت للطفلين وقالت: ـ ربنا يخليهم لبعض. البنت والولد لما يتربوا على المحبة، يبقوا نعمة لبعض.
الكلام كان بسيط، لكني حسيت إنه مختلف عن كل الكلام اللي سمعته منها قبل كده.
وبعد شوية، وأنا بجهز نفسي أطلع فوق، لقيت حماتي بتناديني.
قالت: ـ يا سارة، استني.
لفيت لها، فقالت: ـ أنا عايزة أقولك حاجة من قلبي. زمان كنت فاكرة إن فرحة البيت بالولد أكبر، وكنت بقول كلام يجرحك من غير ما أحس. دلوقتي لما بشوف ملك وهي بتضحك، ولما تجري عليا أول ما تشوفني، بحس إن ربنا رزقني بنعمة كنت أنا اللي محرومة منها بسبب تفكيري.
وقفت ساكتة، فمدت إيدها ومسكت إيدي.
قالت: ـ أنا مش عايزاكي تنسي اللي فات، بس عايزاكي تعرفي إن ملك مش ضيفة في بيتنا، وإنك إنتِ كمان مش غريبة. البيت ده بيتك، طول ما إنتِ عايشة فيه باحترام وكرامة.
دموعي نزلت غصب عني، وقلت لها: ـ أنا كل اللي كنت محتاجاه من أول يوم هو الإحساس ده.
حضنتني، وكانت أول مرة تحضني فيها من غير مناسبة، ومن غير ما يكون فيه حد مريض أو مشكلة عايزة تنهيها.
طلعت شقتي يومها وأنا حاسة إن فيه باب اتفتح أخيرًا، مش لأن كل الوجع اختفى، لكن لأن اللي كانوا سبب فيه بدأوا يعترفوا بيه ويحاولوا يصلحوه.
ومرت سنة كاملة على يوم الحادثة. ابن ريهام بقى أحسن، وملك كبرت وبقت بتجري في البيت وتنادي على بابا وماما بطريقتها الصغيرة.
وفي عيد ميلادها التاني، اتجمعنا كلنا تاني. المرة دي ما كانش فيه مقارنة، ولا حد بيسأل مين أشطر ومين أجمل ومين يستاهل الحب أكتر.
كانت ملك قاعدة على الأرض جنب ابن خالتها، بيتقاسموا قطع البسكويت، وكل ما واحد ياخد قطعتين، التاني يمد إيده ياخد منه واحدة، فيضحكوا هما الاتنين.
حمايا كان بيتفرج عليهم وهو بيضحك، وقال: ـ أهو ده اللي أنا نفسي أشوفه. عيلة واحدة، وقلوب صافية، من غير ما حد يحس إنه أقل من التاني.
أحمد بص لي، وابتسم، وأنا ابتسمت له.
أما حماتي، فقعدت على الأرض جنب الأطفال، وفضلت تلعب معاهم لحد ما ملك نامت على رجلها، وابن ريهام نام جنبها.
بصت لي وقالت بصوت واطي: ـ كنت فاكرة إن قيمة العيلة في اسم العيلة، لكن اكتشفت إن قيمتها في الناس اللي بتحب بعضها وتحافظ على بعض.
قربت منها، وشلت ملك من على رجلها، وقلت: ـ المهم إننا اتعلمنا، وإن ولادنا ما يدفعوش تمن أخطائنا.
خرجت من البيت في اليوم ده وأنا شايلة بنتي، وأحمد ماشي جنبي، وكنت لأول مرة من سنين حاسة إن المكان اللي عايشة فيه ممكن يبقى بيت بجد.
بيت مش لازم أتنازل فيه عن كرامتي علشان أرضي حد، ولا أعتذر فيه عن طفلة ربنا رزقني بيها، ولا أخاف فيه إن كلمة من حد أماني.
وفي الليلة دي، بعد ما ملك نامت، فتحت دفتر صغير كنت بكتب فيه كل اللي بمر بيه من يوم ولادتها. قريت أول صفحة، ولقيتني كاتبة: «النهارده بنتي اتولدت، والكل كان فرحان إلا أنا، لأنهم حسسوني إن اللي ربنا رزقني بيه مش كفاية».
فضلت أبص للجملة دي وقت طويل، وبعدها مسكت القلم وكتبت تحتها: «النهارده بنتي كبرت، وأنا كمان كبرت معاها. اتعلمت إن البنت مش حمل على أهلها، وإن الأم مش مطالبة الدنيا كلها علشان تثبت إن بنتها تستحق الحب. اتعلمت إن السكوت مش دايمًا بيحافظ على البيوت، وإن الاعتذار الحقيقي لازم يتبعه تغيير، وإن اللي بيحبك بجد لازم يحترمك حتى وقت الخلاف».
قفلت الدفتر، وبصيت ناحية ملك.
كانت نايمة بهدوء، وإيديها الصغيرتين مفتوحين جنب وشها، وعلى شفايفها ابتسامة خفيفة.
قربت منها وبوست جبينها، وهمست: ـ ربنا يحفظك يا بنتي، ويخليكي دايمًا عارفة إنك غالية، وإنك مش محتاجة تكوني شبه حد علشان تستحقي الحب.
وقبل ما أخرج من الأوضة، سمعت أحمد بيناديني من الصالة.
خرجت له، لقيته واقف مستنيني ومعاه كوبين شاي.
ناولني واحد وقال: ـ عارفة يا سارة، أنا ساعات بفكر لو كنت سمعتك من أول يوم، كان ممكن نوفر على نفسنا كل الوجع ده.
قعدت جنبه وقلت: ـ المهم إنك اتعلمت تسمع، وإننا ما نرجعش لنفس الغلط تاني.
قال: ـ مش هنرجع، وعد.
بصيت له، وبعدها بصيت ناحية أوضة ملك، وقلت: ـ أنا مش عايزة حياة من غير مشاكل، لأن مفيش حياة من غير مشاكل. أنا بس عايزة لما تحصل مشكلة، ما نبقاش إحنا نفسنا سبب الوجع لبعض.
أحمد مسك إيدي وقال: ـ وأنا عايز أكون الشخص اللي تحسي معاه بالأمان، مش الشخص اللي تخافي من حكمه عليكي.
سندت راسي على كتفه، وفضلنا قاعدين في هدوء.
تحت، كان بيت العيلة ساكت، وكل واحد فينا بقى عنده فرصة يبدأ من جديد، لكن المرة دي على أساس مختلف.
أما أنا، فكنت عارفة إن اللي حصل مش هيتنسي بسهولة، وإن بعض بتفضل علامتها موجودة حتى بعد ما تلتئم، لكني كنت متأكدة من حاجة واحدة: ملك مش هتكبر وهي حاسة إنها أقل من حد، ومش هسمح لأي إنسان، مهما كان قريب، إنه يقنعها إن كونها بنت عيب أو نقص.
لأن بنتي من يوم ما اتولدت كانت نعمة، والعيب ما كانش فيها أبدًا، العيب كان في نظرة الناس اللي ما عرفوش يشوفوا النعمة دي غير لما كادوا يخسروها من حياتهم.
وفي النهاية، عرفت إن العيلة مش مجرد اسم واحد بيتشال، ولا ولد بيورث اسم أبوه، ولا بيت كبير كل الناس ساكنة فيه.
العيلة الحقيقية هي اللي لما طفل يتولد فيها، تفرح بيه من غير ما تقلل من طفل تاني، واللي لما تحصل مصيبة، تدور على الحقيقة بدل ما تدور على متهم، واللي لما حد يغلط، يعرف يعترف ويصلح غلطه بدل ما يفضل يكابر.
وأنا يومها، وأنا ببص لبنتي وهي بتكبر وسط ناس بدأوا يتعلموا يحبّوها من غير شروط، حسيت إن كل دمعة نزلت مني ما راحتش هدر، لأن أهم حاجة كسبتها ما كانتش اعتذار حماتي، ولا تغيير أحمد، ولا حتى هدوء المشاكل.
أهم حاجة كسبتها إني عرفت أحافظ على كرامتي، وأحمي بنتي، وأديها فرصة تكبر في بيت تعرف فيه إن الحب مش جايزة بياخدها اللي يرضي الناس أكتر، وإن مكانتها مش محتاجة مقارنة بحد.
ملك كانت بنتي، وهتفضل بنتي، وأجمل رزق ربنا كتبهولي، مهما كان رأي أي حد.




