
رفعت عيني له وقلت: ـ إنت فاكر إن كلمة آسف هتمسح اللي حصل؟
قال: ـ أنا عارف إني غلطت.
قلت له: ـ لأ يا أحمد، إنت مش فاهم. أنا مش زعلانة بس علشان شكيت فيا. أنا زعلانة علشان إنت شفتني بتتظلم قدامك، وما دافعتش عني. زعلانة علشان كل مرة أمك تهينني، بتقولي استحملي. وكل مرة أختك تقلل مني، بتطلب مني أسكت. حتى بنتي، اللي لسه ما تعرفش تنطق اسمها، بقت سبب للمقارنة والإهانة.
أحمد نزل عينيه للأرض.
كملت: ـ أنا ما طلبتش منك تبعد عن أهلك، ولا عمري منعتك تبرهم. أنا طلبت منك بس تحترمني وتحترم بنتك. لو ملك كبرت في البيت ده وسمعت كل يوم إن وجودها أقل من وجود ابن خالتها، هتفتكر إنها فعلًا أقل منه. وأنا مش هسمح بده.
أحمد قرب مني وقال: ـ أنا هتكلم مع أمي، ومش هسمح إنها تقول الكلام ده تاني.
قلت له: ـ أنا مش عايزة وعود وقت الزعل. أنا عايزة أشوف أفعال.
في اليوم نفسه، ريهام رجعت من المستشفى بعد ما اطمنت إن ابنها هيكمل علاجه والمتابعة المطلوبة. كانت مرهقة جدًا، وشايلة ابنها بحذر، ولما شافت أحمد قالت له: ـ أنا عايزة أتكلم معاك.
دخلوا الصالة تحت، وحماتي قعدت جنبها.
ريهام قالت: ـ أنا مش قادرة أنسى منظر الدم، وكل ما أبص لابني أحس إن قلبي بيتقطع. بس أنا كمان عارفة إن مراتك ما كانتش جنبنا وقت الحادثة.
حماتي بصتلها بحدة وقالت: ـ إنتِ بتقولي إيه يا ريهام؟
ردت ريهام وهي بتعيط: ـ بقول الحقيقة يا ماما. أنا كنت في الحوش، وهي كانت في المطبخ. أنا كنت مرعوبة، ولما شفت ابني مصاب، ما كنتش قادرة أفكر. أول حد جه في بالي إنها السبب، علشان كنت دايمًا بسمع منك إنها غيرانة مني.
سكتت الصالة كلها.
أحمد قال: ـ يعني إنتِ اعترفتي إنك اتهمتيها من غير دليل؟
ريهام هزت راسها وقالت: ـ أيوه. وأنا غلطانة. بس أنا كنت خايفة على ابني، وما كنتش شايفة قدامي.
حمايا قال: ـ الخوف مفهوم، لكن الظلم مش مقبول.
ريهام مسحت دموعها، وبصت ناحية السلم وقالت: ـ أنا عايزة أطلع أعتذر لها.
حماتي قامت بسرعة وقالت: ـ مش هتطلعي تعتذري لحد! إنتِ أخت أحمد، وهي مرات أخوكي. المفروض هي اللي تنزل تعتذر لك علشان ما وقفتش جنبك!
ريهام بصتلها وقالت: ـ تعتذر لي عن إيه يا ماما؟ هي ما عملتش حاجة. أنا مش عايزة ابني يكبر ويشوفني بظلم الناس، ولا عايزاه يتربى على إنه أحسن من بنت خالته لمجرد إنه ولد.
الجملة دي كانت أول مرة أسمع فيها ريهام بتتكلم بالشكل ده.
بعد شوية، طلعت شقتي وخبطت على الباب. فتحت لها وأنا شايلة ملك.
بصت لي، وبعدها بصت لبنتي وقالت: ـ أنا آسفة يا سارة. أنا ظلمتك، وسمحت لكلام ماما يأثر عليا. لما ابني اتصاب، خوفي عليه خلاني أتهمك من غير ما أفكر. أنا عارفة إن كلمة آسفة مش كفاية، بس أنا فعلًا ندمانة.
كنت لسه موجوعة، لكني رديت: ـ أنا مقدرة خوفك على ابنك، وربنا يشفيه ويعافيه. بس لازم تعرفي إن الاتهام بيوجع، خصوصًا لما ييجي من حد المفروض إنه عارفك.
ريهام هزت راسها وقالت: ـ عندك حق.
وبعدين قربت من ملك، ومدت إيدها بحنان ولمست رجلها الصغيرة وقالت: ـ ربنا يحفظها لك. هي ملهاش ذنب في أي حاجة حصلت.
ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، لكني ما نسيتش إن نفس الست دي كانت في أوقات كتير بتشارك أمها في المقارنة بين أطفالنا.
قلت لها: ـ يا ريهام، أنا مش عايزة نفضل أعداء. بس لازم من النهارده كل واحد فينا يفهم إن الأطفال مالهمش ذنب في أفكار الكبار. ابنك مش أحسن من بنتي علشان هو ولد، وملك مش أقل منه علشان هي بنت.
ريهام ردت: ـ أنا موافقة.
نزلت بعدها، لكن المشكلة الحقيقية ما كانتش خلصت. لأن أم أحمد كانت لسه شايفة إن بنتها اتغيرت عليها، وإن أنا السبب في كل اللي بيحصل.
مرت أيام، وابن ريهام بدأ يتحسن تدريجيًا، لكن الإصابة احتاجت متابعة مستمرة، والأسرة كلها كانت بتروح وتيجي من المستشفى. وأنا، رغم كل اللي حصل، كنت كل ما أعرف إن عنده موعد كشف أدعي له بالشفاء.
لكن حماتي كانت بتتعامل معايا ببرود شديد. لا بتسلم عليا، ولا بتسأل على ملك، ولا حتى بتبص ناحيتي.
كنت بقول لنفسي إن التجاهل أهون من الإهانة، وإن أهم حاجة إني أحافظ على راحتي وراحة بنتي.
وفي يوم الجمعة، اتجمعنا كلنا تحت على الغدا. حمايا أصر إننا نقعد سوا، وقال إن اللي حصل لازم يكون بداية جديدة بدل ما يتحول لخصام دائم.
نزلت وأنا شايلة ملك، وقعدت جنب أحمد. ريهام كانت قاعدة قصادي وابنها في حضنها.
في البداية، الجو كان هادي، لحد ما حماتي بصت لملك وقالت: ـ هي البنت دي لسه ضعيفة كده ليه؟ ابن ريهام في سنها كان أتقل منها بكتير.
حسيت إن قلبي اتقبض، لكن قبل ما أتكلم، أحمد حط المعلقة على الطبق وقال: ـ ماما، مش عايز أسمع مقارنة بين الأطفال تاني.
حماتي بصت له باستغراب: ـ إنت بتكلمني أنا؟
قال: ـ أيوه، بكلمك إنتِ. ملك حفيدتك، زي ما ابن ريهام حفيدك. ولو عايزة تشوفيهم، يبقى تشوفيهم بحب، مش بمقارنة كل مرة.
حماتي اتعصبت وقالت: ـ يعني أنا بقيت وحشة علشان بحب حفيدي؟
حمايا رد بهدوء: ـ محدش قال إنك وحشة، بس الحب مش معناه إننا نجرح حد تاني.
ريهام نزلت عينيها، وبعدها قالت: ـ ماما، أنا كمان مش عايزة حد يقارن بين ابني وملك. أنا نفسي يكبروا وهم بيحبوا بعض، مش شايفين بعض منافسين.
حماتي سابت المعلقة من إيدها وقالت: ـ كلكم اتغيرتم عليا. من يوم ما سارة دخلت البيت ده وإنتوا مش زي الأول.
بصيت لها وقلت بهدوء: ـ يا أمي، أنا ما طلبتش من حد يتغير علشاني. أنا كل اللي طلبته إني أعيش باحترام، وإن بنتي ما تتحاسبش على إنها بنت.
ردت: ـ وإنتِ شايفة نفسك مظلومة أوي!
قلت: ـ أنا مش شايفة نفسي حاجة. أنا بس أم، زيك وزي ريهام. وكل أم نفسها ولادها يتعاملوا بالعدل.
حمايا بص لمراته وقال: ـ سارة قالت كلمة حق. وإحنا لو فضلنا نكبر الخلاف، هنخسر بعض كلنا.
حماتي ما ردتش، وقامت من على السفرة ودخلت أوضتها.
الغدا انتهى في صمت، لكن بالنسبة لي كان فيه حاجة اتغيرت. أحمد لأول مرة وقف قدام أمه وقال لها إن بنتي مش أقل من ابن أخته، وريهام بدأت تفهم إن الأمومة مش منافسة، وإن كل طفل ليه ظروفه وشخصيته.
بعد الغدا، طلعت شقتي وأنا شايلة ملك. أحمد طلع ورايا، ولما دخل لقى إني قاعدة جنب الشباك ببص للشارع.
قعد جنبي وقال: ـ أنا عارف إنك تعبتي كتير في الفترة اللي فاتت.
قلت: ـ تعبت، بس مش من شغل البيت ولا من السهر مع ملك. تعبت من إني كل يوم أحس إني لازم أدافع عن نفسي وعن بنتي، حتى من أقرب الناس لينا.
قال: ـ أنا مش هطلب منك تستحملي الإهانة تاني.
بصيت له وقلت: ـ أنا عايزة أصدقك يا أحمد، بس الثقة لما بتتكسر مش بترجع في يوم وليلة.
هز راسه وقال: ـ عارف. وأنا مستعد أثبت لك بأفعالي.
ومرت أسابيع، وبدأت الحياة تهدى تدريجيًا. ريهام بقت تطلع تزورني من وقت للتاني، والأطفال بقوا يقعدوا مع بعض تحت إشرافنا. لما ابنها يعيط، كنت أساعدها لو احتاجت، ولما ملك تحتاج حاجة، ريهام كانت بتعرض عليا المساعدة.
لكن أم أحمد فضلت بعيدة، لحد ما جه اليوم اللي قلب كل حاجة من جديد.
كنت قاعدة في شقتي في العصر، وسمعت خبط على الباب. فتحت، لقيت حمايا واقف ووشه شاحب.
قال: ـ يا سارة، ممكن تنزلي معايا تحت شوية؟ أم أحمد تعبانة.
قلبي اتقبض، وسألته: ـ مالها يا عمي؟
قال: ـ ضغطها عالي، ومن ساعة الغدا وهي مش بتتكلم مع حد. ودلوقتي حاسة بدوخة ومش قادرة تقوم.
حطيت ملك في سريرها، ونزلت معاه بسرعة. لقيت حماتي قاعدة على الكنبة، وشها شاحب وإيديها بتترعش.
قربت منها وقلت: ـ ألف سلامة عليكي يا أمي. حاسة بإيه؟
بصت لي، ولفت وشها الناحية التانية.
حمايا قال: ـ سيبك من الزعل دلوقتي يا أم أحمد، صحتك أهم.
اتصلنا بالدكتور، وبعد الكشف قال إن الضغط مرتفع ولازم تلتزم بالعلاج والراحة، وإن أي توتر زيادة مش في مصلحتها.
لما الدكتور مشي، أحمد كان وصل، وقعد جنب أمه.
قال لها: ـ يا ماما، إحنا مش أعداءك. إحنا بس عايزين نعيش من غير ما حد يجرح التاني.
حماتي فضلت ساكتة، وبعد شوية بصت لي وقالت: ـ إنتِ لسه زعلانة مني؟
السؤال فاجأني. قعدت على الكرسي اللي قدامها وقلت: ـ أيوه يا أمي، أنا زعلانة. بس مش بتمنى لك غير الصحة والعافية.
عينيها لمعت بالدموع وقالت: ـ أنا عمري ما تخيلت إن حفيدي يتصاب قدامي، ولما شفت الدم، عقلي راح مني. حسيت إن الدنيا كلها وقفت، وما كنتش قادرة أفكر.
قلت لها: ـ أنا فاهمة إنك كنتِ خايفة، بس خوفك ما كانش مبرر إنك تتهميني بحاجة ما عملتهاش. إنتِ جرحتيني، وجرحتِ بنتي من غير ما تكون فاهمة حتى معنى الكلام اللي بيتقال عنها.
حماتي سكتت طويلًا، وبعدها قالت: ـ يمكن أنا غلطت لما فضلت أقول إن الولد أهم من البنت.
حمايا بص لها، وأحمد رفع عينيه ناحيتها.
كملت وهي بتبكي: ـ أنا اتربيت على إن الولد هو اللي يشيل اسم العيلة، وإن البنت مهما كانت غالية، في الآخر هتروح لبيت جوزها. لكن يمكن نسيت إن البنت برضه من العيلة، وإنها بنتي قبل ما تكون مرات ابني.
ما كنتش عارفة أرد بإيه. طول الشهور اللي فاتت، كنت مستنية أسمع منها أي كلمة تعترف فيها إن ملك مش أقل من حفيدها، لكن لما الكلمة طلعت أخيرًا، ما قدرتش أنسى بسهولة كل اللي سبقها.
قلت لها: ـ يا أمي، أنا مش عايزة منك كلام وخلاص. أنا عايزاكي لما تشوفي ملك تحبيها علشان هي ملك، مش علشان تثبتي إنك اتغيرتي. وعايزاها لما تكبر تحس إن ليها مكان في العيلة، وإن محدش بيقارنها بحد.
حماتي هزت راسها وقالت: ـ حقك عليا يا سارة.
كانت أول مرة تعتذر لي من غير ما تلومني بعدها أو تحط شرط لاعتذارها.


