
«هنعملها، ونحط جواها مخدات كتير، ونجيب فشار كمان».
ابتسم وغمض عينيه.
وأنا ببص له وهو نايم، فهمت إن المستقبل اللي كنت خايفة إني مش قادرة أوفره له مكنش محتاج قصر ولا ملايين.
كان محتاج مكان يعرف إنه محبوب فيه.
مكان يقدر يغلط فيه من غير ما يخاف.
ومكان يقدر يقول فيه الحقيقة من غير ما يحس إنه هيخسر أهله.
بعد سنة كاملة، في عيد ميلاده التاسع، عملت له حفلة صغيرة في البيت.
دعينا كام طفل من المدرسة، وعملنا تورتة بالشوكولاتة، وعلقنا بالونات زرقا وبيضا في الصالة.
جرانت حضر في الموعد، وجاب له هدية عبارة عن مجموعة أدوات للرسم، لأنه عرف إن أوِن بقى بيحب يرسم.
أوِن شكره، وبعدها جري يلعب مع أصحابه.
أنا وجرانت وقفنا بعيد شوية، بنتفرج عليهم.
قال جرانت:
«هو بقى أهدى».
رديت:
«لأنه بقى عارف إن مش مطلوب منه يختار بيننا».
هز راسه.
«كنت فاكر إني لما أوفر له كل حاجة، هكون أب كويس».
بصيت له.
«توفير الاحتياجات جزء من الأبوة، لكنه مش كل حاجة».
قال:
«عارف».
وبعدين سكت، قبل ما يكمل:
«أنا خسرت ثقة ناس كتير بسبب اللي حصل، والشركة اتأثرت، وإيلين خرجت من الإدارة بعد التحقيقات. ولسه فيه إجراءات قانونية لازم تخلص».
ما سألتوش عن التفاصيل.
كانت دي مسؤوليته، مش مسؤولية أوِن.
جرانت كمل:
«مش بطلب منك تسامحيني. بس عايزك تعرفي إني بدأت أفهم إني كنت غلطان».
قلت له:
«الأهم إنك تثبت ده في تعاملك مع أوِن».
هز راسه.
بعدها، أوِن جري علينا وهو شايل قطعة تورتة.
«ماما! بابا! تعالوا نتصور سوا».
بصيت لجرانت.
اتردد لحظة، وبعدين مشي معانا.
وقف أوِن في النص، وأنا على ناحية، وأبوه على الناحية التانية.
المرة دي، مفيش حد طلب منه يختار.
المرة دي، كان طفل عنده تسع سنين، واقف وسط الناس اللي بيحبهم، وبيضحك من قلبه.
بعد التصوير، جري يلعب تاني.
فضلت باصة للصورة على شاشة الموبايل.
كنت فاكرة إن اليوم اللي وقف فيه أوِن قدام القاضي وقال إن ماما مش هتقدر تديله المستقبل اللي يستحقه، كان اليوم اللي خسرت فيه ابني.
لكن الحقيقة إن اليوم ده كان بداية إننا نفهم إن الحب مش منافسة، وإن الطفل مش جائزة بياخدها الطرف اللي يقدر يقدم فلوس أكتر.
وبعد ما الضيوف مشيوا، أوِن قعد جنبي على الكنبة وفتح هديته.
طلع منها دفتر رسم كبير، وأقلام بألوان مختلفة.
قلب الصفحات بحماس، وبعدها وقف عند صفحة فاضية.
«ماما، عايز أرسم حاجة».
«ارسم يا حبيبي».
بدأ يرسم بيتنا.
رسم الشجرة اللي قدام الباب، والشباك اللي بيحب يقعد جنبه، والكنبة اللي بنقرا عليها الحكايات.
وبعدين رسم نفسه واقف بيني وبين أبوه.
لكن المرة دي، رسمنا كلنا مبتسمين.
كتب فوق الرسمة:
«مستقبلي مش فلوس وبس. مستقبلي إني أبقى مطمن».
فضلت باصة للكلمات دي وقت طويل.
وبعدين حضنته وقلت له:
«وده المستقبل اللي هفضل أحاول أديهولك طول عمري».
ابتسم، وحط راسه على كتفي.
وفي اللحظة دي، مكنش فيه كارت أسود، ولا حساب بملايين، ولا قاعة محكمة، ولا رجل أعمال بيحاول يكسب صفقة.
كان فيه أم وابنها قاعدين في بيت بسيط، بيخططوا لبكرة، وبيتعلموا من اللي حصل.
وكان فيه طفل عرف أخيرًا إنه مش محتاج يضحي بحبه لحد عشان يثبت إنه بيحب حد تاني.
أما الكارت الأسود، ففضل في ذاكرتي علامة على اليوم اللي ابني اختار فيه إنه يثق فيا، رغم إنه كان مضطر يقف قدام القاضي ويقول عكس الحقيقة.
وكل ما كنت أفتكر الرسالة اللي بعتها لي في المطار، كنت أرجع أسمع صوته وهو بيهمس:
«أرجوكِ ثقي فيا».
وأفتكر إني في اللحظة دي كنت فاكرة إنه بيودعني.
لكن الحقيقة إنه كان بيحاول يرجع لي.
وكان كل اللي محتاجه مني إني أصدقه، وأصبر عليه، وأحميه من معركة مكانش المفروض يدخلها من الأساس.
وفي آخر ليلة من السنة، وأنا بساعده يرتب كتبه قبل النوم، طلع لي ورقة صغيرة كان محتفظ بيها في درج مكتبه.
كانت رسالة كتبها لنفسه يوم كان عنده تمان سنين.
قرأها بصوت عالي:
«أنا أوِن. أنا بحب ماما وبابا. أنا مش مسؤول عن فلوسهم ولا مشاكلهم. أنا طفل، ومن حقي أكون طفل. لو خفت، هتكلم مع شخص أقدر أثق فيه. ولو حد طلب مني أخبي الحقيقة عشان أحميه، هفتكر إن الحقيقة مش مسؤوليتي لوحدي، وإن الكبار هما اللي لازم يصلحوا غلطهم».
لما خلص، بص لي وسألني:
«ممكن أحتفظ بيها؟»
ابتسمت.
«دي ورقتك يا حبيبي. احتفظ بيها طول عمرك».
حطها في الدرج، وقفله، وبعدين حضنني.
«تصبحي على خير يا ماما».
بسته في جبينه.
«وإنت من أهل الخير يا قلب ماما».
طفيت النور وخرجت من الأوضة، لكن قبل ما أقفل الباب، سمعته بيناديني.
رجعت له.
«نعم يا حبيبي؟»
ابتسم وهو بيشد الغطا لحد كتفه.
«أنا دلوقتي عندي المستقبل اللي أستحقه؟»
قربت منه، وبسته مرة تانية.
«أيوه يا أوِن. طول ما إنت عارف إنك محبوب، وإن صوتك مهم، وإنك مش مضطر تشتري مكانك في قلب حد، يبقى إنت ماشي في الطريق الصح».
غمض عينيه وهو مبتسم.
وأنا خرجت من أوضته وأنا لأول مرة من شهور مش خايفة من بكرة.
لأن ابني رجع بيته، والحقيقة ظهرت، والفلوس اللي كان ممكن تفرقنا بقت مجرد أرقام في أوراق قانونية.
أما الحاجة اللي مفيش أي محكمة ولا بنك يقدر يقيسها، فكانت لسه موجودة بينا.
حب أم لابنها، وثقة طفل في أمه، ووعد إن محدش فيهم هيسمح لحد يحول حياتهم مرة تانية لمعركة لازم واحد فيهم يخسرها عشان التاني يكسب.




