عام

ممرضه، 2

بدأ يعيط، وقال:

\- طب نعمل إيه في السنين اللي عشناها سوا؟!

رديت عليه والدموع في عيني:

\- نحترمها، ونحترم الأيام الحلوة اللي كانت بينا، لكن ده مش معناه إني أدفن نفسي في جواز انتهى من جوايا.

وقتها قلت له بوضوح إني قررت أنهي جوازنا، وإننا هنمشي في إجراءات الطلاق بالتراضي، ولو اختلفنا على أي حق، هنلجأ للطريق القانوني.

حاول يعترض، لكنه لما شاف إني مش بتراجع، سكت.

وبعد فترة من الإجراءات، انتهى جوازنا بالطلاق، وكل واحد فينا بدأ طريقه بعيد عن التاني.

أما يمنى، فتمت مراجعة وضعها التدريبي وتوزيع مهامها وفقًا للقواعد المهنية، بعيدًا عن أي علاقة شخصية.

وأنا رجعت لشغلي وأنا مرفوعة الرأس، وبعد ما انتهت مراجعة الشكوى، قدرت أرجع أركز في مستقبلي بدل ما أعيش في خوف من مكيدة جديدة.

وفي يوم، وأنا خارجة من المستشفى، زميلتي اللي كانت أول واحدة نبهتني للحقيقة وقفت جنبي وقالت:

\- ها يا نادية، ندمانة إنك سيبتيه؟

بصيت لها وابتسمت، وقلت:

\- أنا ندمانة إني صدقت إن التضحية من غير حدود هي الحب. كنت فاكرة إن الزوجة الشاطرة هي اللي تستحمل وتعدي وتسامح، لكن اتعلمت إن الحب مش معناه إني أتنازل عن كرامتي، وإن مساندة جوزي مش معناها إني أشيل أخطاءه على كتفي.

سكت لحظة، وبعدها كملت:

\- أنا خسرت جوازي، آه، لكن كسبت نفسي، ودي خسارة عمري ما هقدر أندم عليها.

ومشيت وأنا حاسة لأول مرة من شهور إن الطريق اللي قدامي، مهما كان صعب، هو طريقي أنا، وإن محدش هيقدر يستغل طيبتي أو ثقتي تاني.
.

بعد ما نادية أنهت جوازها من حازم، كانت فاكرة إن الحكاية خلصت عند كده، وإن كل واحد فيهم هيمشي في طريقه، لكنها ماكنتش تعرف إن الأيام الجاية هتكشف لها حقيقة حازم ويمنى قدام المستشفى كلها، وإن الاتنين هيدفعوا تمن استهتارهم واستهتارهم بمسؤولياتهم.

يمنى، من يوم ما نادية بعدت عن حازم، بدأت تحس إن الدنيا اتقلبت عليها. حازم اللي كان بيعمل لها كل حاجة، ويشيل عنها الشغل، ويخليها تقضي وقتها في الدلع والضحك، بقى مشغول بمشكلاته، خصوصًا بعد ما اتفتح التحقيق معاه بسبب الشكوى اللي قدمها ضد نادية.

وفي الوقت نفسه، إدارة المستشفى بدأت تراجع أداء يمنى، لأن المتدربة اللي المفروض تكون اتعلمت أساسيات شغلها خلال الفترة اللي فاتت، كانت لسه بتتهرب من المهام، وتعتمد على غيرها في أبسط المسؤوليات.

وفي يوم، كانت يمنى في شيفت صباحي، والمستشفى مزدحمة، وحازم مشغول بمتابعة أكتر من حالة في القسم. دخلت لها ممرضة أقدم منها، وطلبت منها تراجع تعليمات الطبيب الخاصة بمريض محتاج دواء بجرعة محددة، لكنها كانت مستعجلة وعايزة تخلص بسرعة، فبدل ما تتأكد من بيانات المريض والجرعة المكتوبة في الملف، اعتمدت على فهمها السريع للتعليمات، وجهزت جرعة غير مطابقة للوصفة الطبية.

ولحسن الحظ، قبل إعطاء الدواء، لاحظت الممرضة المسؤولة وجود اختلاف بين الجرعة المجهزة والجرعة المسجلة في الملف، فأوقفت الإجراء فورًا، وطلبت مراجعة الطبيب والصيدلي، واتعملت الإجراءات اللازمة لحماية المريض.

لكن الموقف ماعداش بسهولة؛ لأن مراجعة الواقعة كشفت إن يمنى تجاوزت خطوات أساسية من التحقق، وإنها ماطلبتش المساعدة رغم إنها كانت عارفة إنها لسه مش متمكنة من الإجراء.

استدعتها رئيسة التمريض، وسألتها بصرامة:

\- إنتِ كنتِ هتعملي إيه لو الممرضة ماخدتش بالها من الخطأ ده؟!

يمنى بدأت تعيط وقالت:

\- أنا ماكنتش أقصد أضر المريض، والله أنا كنت مستعجلة، ومكنتش أعرف إن فيه مشكلة.

ردت رئيسة التمريض بحزم:

\- إحنا مش بنتكلم عن نيتك يا يمنى، إحنا بنتكلم عن حياة مريض. الشغل هنا مش مكان للتجربة ولا للاستهتار، وأي إجراء مش متأكدة منه لازم ترجعي فيه للمسؤول المختص.

وبناءً على الواقعة، تم إيقافها عن ممارسة المهام السريرية لحين انتهاء التحقيق، وإحالة الواقعة إلى لجنة مختصة لمراجعة مدى التزامها بمتطلبات التدريب والسلامة المهنية.

أما حازم، فلما عرف باللي حصل، جري على مكتب رئيسة التمريض وقال بعصبية:

\- إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟! البنت لسه متدربة، ومش معقول تحاسبوها على كل غلطة!

بصت له وقالت:

\- المتدرب بيتعلم تحت إشراف، لكن ده مش معناه إن حد يسيبه يتصرف من غير مراجعة، ولا إننا نتجاهل واقعة كان ممكن تعرض حياة مريض للخطر.

حازم حاول يدافع عنها، لكن الإدارة طلبت مراجعة دوره في تدريبها، خصوصًا بعد الشكاوى السابقة المتعلقة بتوزيع الشفتات والمهام.

ومع مراجعة سجلات العمل، ظهرت مشكلة أكبر؛ حازم كان بيتولى مهام أكتر من قدرته على المتابعة، وبيعتمد على نقل مسؤولياته لنادية سابقًا، وبعد خروجها من حياته المهنية والشخصية، بدأ يتأخر في إنجاز بعض المهام، ويترك متابعة حالات لزملاء من غير تسليم واضح للمسؤوليات

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى