التطبيقات

جوزي بنتنا انجي الخطيب

ضمّيت ملك لصدري أكتر، وقلت وأنا ببصله: «إنت ض. ربت بنتك وهي عندها ست أسابيع يا مروان. إنت فاهم يعني إيه؟ دي لسه مش بتعرف تدافع عن نفسها، ولا تقولك إنك وجعتها، ولا حتى تفهم ليه أبوها اللي المفروض يحميها بيأذيها!» لأول مرة من يوم ما اتجوزته، صوتي خرج قوي بالشكل ده. مروان اتفاجئ، لكنه سرعان ما رجع لنبرته المستفزة. «آه، طبعًا! دلوقتي بقيتي بطلة، عشان أبويا واقف في صفك! طب ما تقولي له كمان إنك مهملة في البيت، وإنك مش بتعرفي تنظمي وقتك، وإنك كل يوم بتطلبي مني أسيب شغلي عشان أشيل البنت!» بصيتله ودموعي بتنزل. «أنا مكنتش بطلب منك تشيلها طول اليوم. كنت بطلب منك تبقى أبوها خمس دقايق.» الجملة دي سابت أثر في المكان أكتر من أي صرخة. الحاج عبد الرحمن نزل عينه للأرض لحظة، وكأنه بيحاول يستوعب حجم اللي ابنه وصل له. وبعدين قال بحزم: «ندى، إنتِ هتجهزي حاجتك وحاجات ملك. هتروحي مكان آمن النهارده، ومحدش هيجبرك ترجعي قبل ما تكوني إنتِ بنفسك مطمنة.» مروان اندفع ناحيته. «إنت مش هتاخد مراتي وبنتي من بيتي!» حمايا وقف بثبات وقال: «دي مش ملكية خاصة يا مروان. دي زوجتك، ودي بنتك، وليهم حقوق. وإنت مش هتمنعهم من الأمان عشان تحافظ على صورتك قدام الناس.» مروان بصلي، ونظرة عينيه اتغيرت.
عرف إن المرة دي أنا مش هبص للأرض وأسكت. فقال بصوت واطي، لكنه مليان : «ندى، لو خرجتي من الباب ده، متفكريش إنك هترجعي تاني بسهولة.» حسيت  يرجع يجري في جسمي. لكن قبل ما أرد، ملك حركت إيديها الصغيرين وطلعت صوت خافت، فبصيتلها. كانت عينيها مفتوحتين، وملامحها البريئة خلتني أفتكر كل ليلة قضيتها جنب سريرها وأنا بحاول أحميها من غضبه. وفي اللحظة دي، فهمت إن خروجي مش معناه إني بهرب من جوازي. أنا كنت بحاول أنقذ بنتي من إنها تكبر وهي فاكرة إن  هو الطبيعي، وإن الحب معناه إن حد يوجعك وبعدها يقولك إنه عمل كده عشان مصلحتك. مسحت دموعي، وبصيت لمروان مباشرة. «أنا مش خارجة عشان أبوك قاللي. أنا خارجة عشان أنا مش هسيب بنتي تعيش في بيت تخاف فيه من عياطها.» وبعدها دخلت أوضة النوم.
كنت فاكرة إني هقدر ألم هدومي بسرعة، لكن أول ما فتحت الدولاب، وقفت مكاني. هدومي كانت متكومة في جانب، وهدوم ملك الصغيرة متعلقة في الناحية التانية. السرير اللي قضيت عليه ليالي طويلة وأنا برضعها، والكومود اللي عليه كريمات الأطفال، والبطانية اللي أمي جابتهالي قبل الولادة… كل حاجة كانت بتفكرني ببداية مختلفة تمامًا عن النهاية اللي وصلت لها. كنت فاكرة إن مروان هيكون سندي. فاكرة إننا هنضحك سوا وإحنا بنتعلم نغير الحفاضات، وإنه هيبقى فرحان لما ملك تمسك صباعه بإيديها الصغيرة. لكن الحقيقة إن كل ده كان مجرد صورة رسمتها في خيالي، بينما الواقع كان بيكشفلي شخص تاني خالص. حطيت هدوم ليا في شنطة، وبعدها بدأت أجمع حاجات ملك. حفاضات، ولبس، وبطانية، وزجاجة رضاعة احتياطية، وعلبة المناديل. كل حاجة كنت بحطها في الشنطة كنت بحس إني بشيل جزء من حياتي وبحاول أحافظ عليه. دخل الحاج عبد الرحمن وقف عند الباب. «خلصتي يا بنتي؟» هزيت راسي، وبعدها بصيتله بتردد. «يا عمي، أنا خايفة.» قرب مني وقال: «من حقك تخافي بعد اللي حصل. ومش هقولك متخافيش، لأن محدش يقدر يطلب منك تنسي في يوم وليلة. لكن اللي أقدر أوعدك بيه إننا مش هنسيبك تواجهِي ده لوحدك.» سكت شوية، وبعدين سألته: «هو مروان كان كده من زمان؟» اتنهد. «أنا مش هكدب عليكي. ابني طول عمره عنيد، وكان بيحب كل حاجة تمشي على مزاجه.

وأنا غلطت لما كنت بعتبر ده مجرد طبع في شخصيته، بدل ما أوقفه عند حده من بدري. كنت فاكر إنه لما يكبر ويتجوز هيهدى ويتحمل مسؤولية. لكن واضح إننا سكتنا على حاجات كان لازم تتواجه من زمان.» الكلام وجعني، لكنه كان صادق. لأول مرة، حد من عيلة مروان يعترف إن المشكلة مش فيا. إنه مش لازم أكون الزوجة المثالية عشان أستحق المعاملة الكويسة. وإن تعب الأم بعد الولادة مش جريمة تستحق العقاب. خرجنا من الأوضة، وكان مروان واقف في الصالة، ماسك موبايله وبيتكلم مع حد. أول ما شاف الشنط، قفل المكالمة. «إنتوا فعلًا هتمشوا؟» الحاج عبد الرحمن رد: «أيوه.» مروان بصلي. «ندى، أنا ممكن أعتذرلك لو ده اللي إنتِ عايزاه. خلصنا بقى من المشهد ده.» بصيتله بذهول. «مشهد؟» هز كتفه وقال: «أيوه، مشهد. إنتِ عايزة تثبتي لأبويا إني وحش، وأنا قلتلك إني هصلح الموضوع.» قربت منه خطوة، وقلت: «إنت عايز تعتذر عشان أنا زعلانة، ولا عشان إنت فعلًا فاهم إنك أذيتني وأذيت بنتك؟» اتلخبط للحظة، وبعدها قال: «هو لازم نعمل تحقيق عشان أعتذر؟» «لأ. لكن لازم أفهم إن اعتذارك مش مجرد طريقة عشان أرجع وأسكت.» رفع صوته: «يعني إنتِ مصممة تبوظي بيتي؟» الحاج عبد الرحمن قاطعه: «بيتك مش هيبوظ عشان ندى خرجت منه. البيت اتكسر يوم ما قررت  مرّاتك وتمد إيدك على بنتك.
» مروان بص لأبوه بغضب، وبعدها بصلي وقال: «هتندمي على اللي بتعمليه.» مكنتش قادرة أرد. مش لأن كلامه ، لكن لأن جزء مني كان لسه بيحزن على الراجل اللي اتمنيت يكونه. خرجت من الشقة وأنا شايلة ملك، والحاج عبد الرحمن شايل الشنط. ولما باب الشقة اتقفل ورايا، حسيت إن رجليّ مش شايلاني. وصلنا للعربية، وقعدت في الكرسي الخلفي وأنا ضامة بنتي. بعد دقايق، بصيت من الشباك على العمارة اللي كنت داخلاها من شهور وأنا فرحانة، وبحلم أبدأ حياتي كأم. دلوقتي كنت خارجة منها وأنا بحاول أتعلم من جديد يعني إيه أعيش من غير ما أخاف. وصلنا بيت الحاج عبد الرحمن بعد حوالي نص ساعة. كانت حماتي، أمينة، واقفة عند الباب، وأول ما شافتني جريت عليّا. «يا حبيبتي! إيه اللي حصل؟» مكنتش قادرة أتكلم. كل اللي عملته إني دخلت في ح. ضنها وعيطت. ح. ضنتني بقوة، وفضلت تمسح على ضهري وهي بتقول: «عيطي يا ندى. طلعي كل اللي جواكي. إنتِ مش مطالبة تبقي قوية طول الوقت.» الجملة دي خلتني أعيط أكتر. لأني من ست أسابيع، من يوم ما ولدت ملك، وأنا بحاول أبقى قوية طول الوقت. قوية وأنا بتألم. قوية وأنا مش بنام. قوية وأنا بحاول أرضي مروان. قوية وأنا بخاف من عياط بنتي عشان محدش يأذيها. لكن أول مرة حد يقولي إني مش مضطرة أفضل قوية.

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى