روايات وقصص

مريضتي الكاذبه

خرجت من القاعة وأنا حاسة إن أول خطوة حقيقية حصلت.
لكن كريم لحقني في الممر.
مسك ذراعي برفق، وقال بصوت منخفض
مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي لوحدنا.
سحبت ذراعي بهدوء.
لو عندك حاجة تقولها، قولها هنا.
بص حواليه، وبعدها قال
إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل. تيسير بتكدب، ومعتز بيحاول ينجو بنفسه. لو صدقتي كلامهم، هتدمري بيتنا بإيدك.
بصيت له طويلًا.
إنت لسه فاكر إن الموضوع بيتنا يا كريم؟
اتغيرت ملامحه.
كملت
أنا كنت فاكرة إن جوازي منك هو أكتر حاجة آمنة في حياتي. كنت بصحى كل يوم وأنا مطمنة إن الراجل اللي جنبي عمره ما هيستغل ثقتي فيه. لكن إنت استغليت الثقة دي علشان تحمّلني مسؤولية حاجة أنا ما عملتهاش.
قال بعصبية
أنا ما كنتش عايز أأذيكي!
سألته
أمال كنت عايز تعمل إيه؟
سكت.
قلت
كنت عايز تخليني أطلب الطلاق علشان تبعدني عن الملفات. وكنت
عايز تستخدم اسمي علشان تغطي على اللي حصل. وبعدين لما اكتشفت إن خطتك ممكن تفشل، بدأت تهددني بالمستندات اللي معاك.
قرب مني، وصوته اتكسر شوية.
أنا غلطت، بس كان عندي أسباب.
ضحكت بمرارة.
كل الناس عندها أسباب يا كريم. لكن مش كل الناس بتختار إنها تدمّر حياة غيرها علشان تنقذ نفسها.
سيبته واقف في الممر، ومشيت من غير ما أستنى رده.
بعد يومين، حصل تطور مهم في التحقيق.
تيسير حضرت بإرادتها وقدمت للمحققين الرسائل اللي كانت محتفظة بيها، بالإضافة إلى معلومات عن تحويلات مالية بينها وبين معتز، وعن الاجتماعات اللي حضرها كريم.
لكن إفادتها لوحدها ما كانتش كفاية لإثبات كل حاجة.
وعلشان كده، طلب المحققون فحصًا فنيًا مستقلًا للأنظمة الإلكترونية، ومراجعة سجلات الدخول والنسخ الاحتياطية، ومقارنة التعديلات اللي حصلت على التقارير بالمستندات الأصلية.
النتائج الأولية كشفت إن فيه تعديلات اتعملت باستخدام صلاحيات مرتبطة بمكتب رئيس قسم الجراحة، وإن بعض التعديلات حصلت في أوقات ما كانش فيها أي تسجيل دخول لحسابي.
لكن المحققين ما اكتفوش بده.
راجعوا سجلات الأجهزة، وصلاحيات المستخدمين، وسلسلة الموافقات على التقارير، علشان يحددوا مين نفّذ كل تعديل، ومين طلبه، ومين
حاول يخفيه.
وبعد أيام من الفحص، استدعوني علشان أطلع على مستندات تخصني.
دخلت غرفة صغيرة في الإدارة، ولقيت المحقق المسؤول قدامه ملف ورقي.
قال لي
دكتورة مريم، عايزين
نوضح نقطة مهمة. لقينا تقريرين اتنسبوا لحسابك، لكن التوقيتات وسجلات النظام بتشير إلى إن التعديلات تمت من جهاز آخر، وإن الحساب استُخدم من غير ما يكون عندنا دليل يثبت إنك إنتِ اللي نفذتيها.
حسيت براحة كبيرة، لكني ما استعجلتش الفرحة.
سألته
هل ده معناه إن اسمي اتشال من التحقيق؟
قال
لسه بنستكمل الإجراءات. لكن حتى اللحظة، الأدلة المتاحة ما بتثبتش إنك مسؤولة عن التعديلات دي. وإحنا هنكمل مراجعة باقي الملفات قبل ما نحدد المسؤوليات النهائية.
خرجت من الغرفة وأنا حاسة إني أخيرًا بدأت أتنفس.
ما كنتش محتاجة حد ينتقم لي، ولا كنت مستنية أشوف كريم بيتعاقب قدامي علشان أرتاح.
كل اللي كنت عايزاه إن الحقيقة تظهر، وإن اسمي ما يتربطش بچريمة ما عملتهاش.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
في اليوم نفسه، المحققون استدعوا معتز بعد ما ظهرت تناقضات بين أقواله وبين سجلات التحويلات والمراسلات اللي قدمتها تيسير.
في البداية، أنكر أي علاقة له بالتعديلات، وقال إن كل اللي عمله كان بناءً على تعليمات إدارية.
لكن لما واجهوه بنتائج الفحص الفني، وبالتواريخ اللي اتطابقت مع بعض الرسائل، بدأ يغيّر أقواله.
وبحسب ما ورد
في التحقيق، أقرّ بأنه شارك في بعض الإجراءات المخالفة، وأنه كان على علم بمحاولات إخفاء مسؤولية الأشخاص المتورطين.
كما سلّم المحققين نسخة من مراسلات ومستندات احتفظ بيها، وكانت فيها إشارات واضحة إلى الملف الأصلي اللي كريم كان خاېف منه.
الملف ما كانش موجودًا في بيتي، ولا في أي مكان يخصني.
كان محفوظًا ضمن أرشيف إداري تابع للمستشفى، وجرى تحديد مكانه من خلال المستندات وسجلات الحفظ، ثم تسليمه للفحص الرسمي.
ولما تمت مراجعته، ظهرت منه صورة أوضح للتسلسل اللي حصل تقارير اتعدلت، وموافقات اتسجلت بطريقة غير سليمة، ومحاولات لتحميل المسؤولية لأشخاص ما كانش عندهم علم بكل اللي جرى.
وكان اسمي واحدًا من الأسماء اللي جرت محاولة الزج بها في الموضوع.
لكن الأدلة ما وقفتش عند كده.
ظهرت مراسلات بتوضح إن كريم كان بيخطط يستخدم قصة الحمل المزعوم كوسيلة لإبعادي عن المواجهة، ويستغل احتمالية اڼهيار جوازنا علشان يخلق ظروفًا تسمح له بالضغط عليّا، خصوصًا بعد ما بدأ يشك إن بعض الملفات ممكن تتراجع.
أما تيسير، فاعترفت إنها وافقت على الدخول لمكتبي وإخباري إنها حامل من كريم، رغم إنها كانت عارفة إن الكلام ده غير صحيح.
قالت إنها
عملت كده بعدما وعدها كريم إنه هيتجوزها، وإنها كانت مقتنعة إن الطلاق هيكون الخطوة الأولى لحياتهم الجديدة.
لكنها أكدت إنها ما كانتش عارفة بكل تفاصيل المخالفات من البداية، وإنها لما اكتشفت إن كريم ناوي يتخلّص منها بعد ما يستخدمها، قررت تتعاون مع التحقيق.
المحققون تعاملوا مع أقوالها باعتبارها معلومات لازم تتأكد بالأدلة، مش حقيقة نهائية لمجرد إنها قالتها.
وده كان مهم جدًا بالنسبة لي.
لأن تيسير، رغم إنها ساهمت في أذيتي، ما كانش من حقي أقرر إنها مذنبة في كل حاجة لمجرد إنها خانت ثقتي.
كل شخص كان لازم يتحاسب على دوره الحقيقي.
بعد حوالي شهر، اتضح الجزء الأكبر من القضية.
التحقيقات أثبتت وجود مخالفات في عدد من التقارير الطبية، ومحاولات لتغيير بعض البيانات وإخفاء مسؤوليات مرتبطة بها.
وتم إيقاف كريم عن ممارسة مهامه الإدارية في المستشفى لحين انتهاء الإجراءات، ثم أُحيل الملف للجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية.
أما معتز، فواجه تحقيقات مستقلة عن دوره في المخالفات، وعن المستندات والتحويلات اللي ارتبطت بالقضية.
وبالنسبة لتيسير، فتم فحص دورها هي كمان، بما فيه مشاركتها في محاولة تضليلي، ومدى علمها
بالتفاصيل الأخرى.
أنا شخصيًا ما طلبتش من حد يتساهل معاها، لكني كمان ما طلبتش الاڼتقام منها.
كنت عايزة
العدالة، مش إن حياة ناس تانية تتدمر لمجرد إني اتأذيت.
وبعد مراجعة سجلات المستشفى والأدلة الفنية، لم يثبت إن أنا اللي أجريت التعديلات محل التحقيق، ولا إن عندي علم مسبق بالمخالفات.
وبالتالي، اتشالت عني الشبهات المتعلقة بالتعديلات دي، واستعدت حقي في ممارسة شغلي من غير ما يفضل اسمي مرتبطًا باټهامات ما ثبتتش في حقي.
يوم ما استلمت إخطار الإدارة النهائي بخصوص موقفي، قعدت في مكتبي لوحدي.
بصيت للبالطو الأبيض المعلّق ورا الباب، وافتكرت كل اللي حصل من يوم ما دخلت تيسير عليّا وقالت إنها حامل من جوزي.
افتكرت الخۏف، والشك، والليالي اللي قضيتها وأنا بحاول أفهم إزاي الراجل اللي عشت معاه 12 سنة قدر يعمل فيا كده.
لكن أكتر حاجة وجعتني ما كانتش إنه اختار ست تانية.
كانت إنه اختار يحميني من الحقيقة على طريقته، يعني يخليني أشيل ذنب حاجة ما عملتهاش، ويستغل ثقتي فيه علشان ينجو بنفسه.
بعد فترة، وصلني إخطار رسمي من كريم عن طريق محاميه، بيطلب فيه مقابلة أخيرة علشان نتكلم في مستقبل جوازنا.
وافقت على مقابلة قصيرة في مكان عام.
لما شفته، كان مختلفًا عن الراجل اللي عرفته
طول السنين اللي فاتت.
ما كانش لابس بالطو أبيض، ولا بيتكلم بثقة رئيس قسم الجراحة. كان قاعد قدامي بملابس عادية، وملامحه مرهقة.
قال
مريم، أنا عارف إن مفيش كلام ممكن يصلّح اللي حصل.
ما رديتش.
كمل
أنا خسړت شغلي، وخسړت سمعتي، وممكن أخسر حاجات أكتر. بس مش عايز أخسرك إنتِ كمان.
بصيت له بهدوء.
إنت خسړت الحاجات دي بسبب قراراتك يا كريم، مش بسببي.
نزل عينيه.
أنا عارف.
وبعد لحظات، قال
أنا كنت خاېف. كنت فاكر إن لو اعترفت بالمشاكل اللي حصلت، حياتي كلها هتنهار. وكل ما كنت بغلط، كنت بحاول أغطي على الغلطة اللي قبلها. لحد ما بقيت مستعد أضحّي بيكي علشان أحمي نفسي.
كانت أول مرة أسمعه يعترف بالحقيقة من غير ما يحاول يبررها بالكامل.
لكن الاعتراف ما رجّعش الثقة.
قلت له
أنا عشت معاك 12 سنة. كنت فاكرة إننا بنواجه الدنيا مع بعض. لكن لما الدنيا ضغطت عليك، قررت تستخدمني كدرع تحتمي وراه.
دمعت عينه.
أنا آسف.
بصيت له، وحسيت بحزن هادي، مختلف عن الڠضب اللي كان جوايا في الأيام الأولى.
قلت
أنا صدقتك سنين يا كريم، ومش هكدب وأقول لك إن السنين دي ما كانتش مهمة
بالنسبة لي. كان فيها أيام حلوة، وذكريات حقيقية، وحاجات كنت فاكرة إنها هتفضل معانا طول العمر. لكن الذكريات الحلوة ما تديكش الحق تدمّر الحاضر.
سكت، وبعدها سألني
يعني مفيش فرصة؟
هزيت رأسي ببطء.
مش هقدر أعيش معاك وأنا كل يوم بسأل نفسي إذا كان كلامك حقيقي، ولا إذا كنت بتخبي عني حاجة تانية. أنا مش عايزة أقضي بقية عمري وأنا بحاول أتأكد إن الراجل اللي جنبي مش بيخطط ضدي.
قال بصوت منخفض
هتطلّقي؟
رديت
أيوه. لكن مش علشان تيسير قالت لي إنها حامل منك، ولا علشان هي كانت عايزة تاخد مكاني. أنا هطلّقك لأنك كسرت الثقة اللي بينا، ولأنك أثبت إنك مستعد تحمّلني نتيجة أفعالك علشان تنجو بنفسك.
ما حاولش يمنعني.
ويمكن لأول مرة من بداية الأزمة، ما حاولش يقنعني إنه الضحېة.
أنهينا المقابلة، وبعدها بدأنا إجراءات الطلاق من خلال المحامين، مع تسوية الحقوق والالتزامات المالية وفقًا للقانون.
ما كانش فيه مشهد اڼتقام، ولا صړاخ قدام الناس، ولا محاولة إني أفضحه على وسائل التواصل.
كان فيه قرار واضح، وأوراق رسمية، وحياة لازم كل واحد فينا يتحمل مسؤولية اختياراته فيها.
أما القضية،
فاستمرت في مسارها القانوني بشكل منفصل عن الطلاق، لأن انتهاء الجواز ما كانش معناه انتهاء التحقيق أو سقوط المسؤولية عن المخالفات.
وده كان
أهم درس اتعلمته من كل اللي حصل.
إن العدالة مش لازم تكون صاخبة علشان تكون حقيقية.
بعد شهور، رجعت لحياتي تدريجيًا.
رجعت أستقبل مرضاي، وأتابع الحالات اللي محتاجة رعاية، وأقضي وقتًا أطول مع أمي وصحابي اللي كنت أهملهم أحيانًا بسبب ضغط الشغل والجواز.
وفي يوم، دخلت عليّا مريضة جديدة، وكانت متوترة جدًا.
قعدت قدامي، وبعد ما بدأت أشرح لها خطوات الكشف، قالت
يا دكتورة، أنا خاېفة. جوزي بيقول لي إن كل حاجة بسيطة، بس أنا حاسة إن فيه حاجة غلط.
بصيت لها وابتسمت.
من حقك تسألي وتفهمي. وأنا دوري إني أوضح لك كل حاجة، وأجاوب عن أسئلتك من غير ما أقلل من خۏفك.
لما خرجت، فضلت أفكر في الجملة اللي قلتها.
زمان، كنت مقتنعة إن الثقة معناها إني ما أسألش، وما أشكش، وما أراجعش كلام الشخص اللي بحبه.
لكن دلوقتي فهمت إن الثقة مش معناها إلغاء العقل، وإن الحب الحقيقي ما يطلبش من الإنسان إنه يتنازل عن حقه في معرفة الحقيقة.
وبعد انتهاء يوم العمل، خرجت من المستشفى،
ووقفت للحظات قدام البوابة.
الشمس كانت بتغيب، والهوا كان هادي، ولأول مرة من شهور، ما كنتش مستعجلة أرجع بيت مليان أسئلة.
كنت راجعة لشقة صغيرة استأجرتها بعد الطلاق، رتبتها بنفسي، واخترت كل حاجة فيها على مزاجي.
ما كانتش فخمة، ولا كبيرة، لكنها كانت ملكي بمعنى أعمق من مجرد عقد إيجار.
كانت مساحة أقدر أعيش فيها من غير خوف، ومن غير ما أحتاج أراقب موبايل حد علشان أعرف إذا كان بيقول الحقيقة.
قبل ما أركب عربيتي، جالي إشعار برسالة من رقم غريب.
فتحتها، ولقيت رسالة قصيرة من تيسير
أنا عارفة إن اعتذاري مش هيغيّر اللي حصل، بس أنا آسفة على الطريقة اللي دخلت بيها حياتك، وعلى إني حاولت أجرحك علشان أكسب راجل ما كانش صادق معايا من البداية.
فضلت باصة للرسالة شوية.
ما حسيتش برغبة إني أرد عليها، ولا برغبة إني أقول لها إنها مسامحة.
قفلت الموبايل، وحطيته في شنطتي.
كان عندي حياة لازم أكملها، ومش كل چرح لازم يتحول لمصالحة، ومش كل اعتذار لازم يرجّع العلاقة زي
ما كانت.
ركبت العربية، وشغلت المحرك.
وفي طريقي للبيت، افتكرت اليوم اللي دخلت فيه تيسير مكتبي وقالت لي بثقة إن كريم بقى من حقها، وإن لازم أطلّقه علشان يعيش معاها.
وقتها كنت فاكرة إن المعركة بيني وبينها.
لكن الحقيقة إن المشكلة ما كانتش مين فينا هيكسب كريم.
المشكلة كانت إن كريم نفسه كان مستعد يضحّي بأي حد علشان يحمي نفسه.
تيسير خسړت الوهم اللي كانت عايشة فيه، وكريم اضطر يواجه نتائج اختياراته، وأنا خسړت جوازًا كنت مؤمنة بيه، لكني ما خسرتش نفسي.
وبعد 12 سنة، فهمت أخيرًا إن نهاية الجواز مش بالضرورة تكون نهاية الحياة.
أحيانًا، بتكون بداية حياة جديدة، مبنية على الحقيقة بدل الأوهام، وعلى احترام النفس بدل الخۏف من الوحدة.
ومن يومها، لما أي حد يسألني إذا كنت ندمت على السنين اللي قضيتها مع كريم، بقول له نفس الإجابة
أنا ما ندمتش إني حبيت. أنا بس اتعلمت إن الحب لوحده مش كفاية علشان يخلي الإنسان أمين. وإن أصعب قرار ممكن تاخده مش إنك تسيب الشخص اللي
بتحبه… لكن إنك تسيب الشخص اللي كنت فاكر إنه بيحبك، لما تكتشف إنه مستعد يدمّرك علشان ينقذ نفسه.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى